اثناء تشكيل حكومة الاخ رئيس الوزراء الأولى نقلنا لأحد معاونيه المقرّبين ضورياً آراءنا فيما يمس ويخُص وزارة الداخليه نتيجةً لتخطيطهم المُعلَن حينها لهذه الوزاره الخطيره. وقد جاء في حديثنا له ما يجب أن يستوقف اي صاحب عقل سليم ويجعلهُ يُعيدُ حساباته سيما وأن هذه تُعتبرُ هديةً هبطت اليه من السماء والحصّه وطن ولكن لا أظُنُّ أنّها ، اي الحِصّه ، كانت كذلك بالنسبةِ لهذا المُعاوِن المُقَرّب. بعد ذلك ولأسبابٍ كثيرةٍ أخرى تزعزعت ثقتنا في مجمل الحاكمين وتأكد لنا ان البلد اصبحت تحت ايدي عصابةٍ لها أجندتها والتزاماتها التي لا تمِتُّ الى الوطن اوالوطنيه او ثورة ديسمبر بِصِلَه وكتبنا في ذلك مقالات عديده.
لا اظُنُّني أُذيعُ سِرّاً إن قلتُ أنّ مفاوضينا قد خانوا ولا أظُنُني أنقلُ للقارئ الكريم معلومةً مجهولةً بالنسبةِ لهُ إن قلت أنّ أحزاب مركزية قحت ومَن دارَ في فلَكِها قد خانوا ثقة الجماهير ؛ تلك الثقه التي سكبَ بعضُ قادتِهم الدموع الكذوبه وهم يقولون شِعراً في سبيلِ ترسيخِها في وجدان هذا الشعب الطيب الذي لا يستحق. ثمّ بدأت المناقصات بينهم والمحاصصات لهثاً وراء الإستوزار والمقاعد وأيديهم في
أيدي من ” ظنّوا ” أنّهُم يضمنون لهم البقاء من عسكر الدم او الدعم السريع لا فرق. ظلّوا ( يحردون ) وهُم يُشارِعون في عدد مقاعدهم في الوزارات وفي المجالس بأنواعِها من تشريعيه إلى مُبتكَرةٍ صناعة جوبا ..الخ ( حسب حجمهم ) وليس حسب مشاركتهم في ثورة الشعب وليس حسب تثبيط قادتهم للثوار وتسفيههم لأحلامهم.
استيقظوا فأتوا ليحكموا ( كالعاده ) لم يخجلوا من الدماءِ و مِن الذين بذلوها و من أحزانِ ذويهِم. لم يخجلوا ومعهم رئيس وزرائهم وهو يشير اليهم للكراسي فيتسابقون اليها ويشغلوها بعد انأقصى سيادتَهُ عنها ذوي التأهيل العالي الذين استهدفتهم الثوره مثل محمد الامين التوم والقراي وأكرم منتصرًالمنتسبي النظام السابق في جلسةٍ مشبوهه كان يجب أن يكونَ مجرّد حدوثها سبباً للإطاحةِ به.
في بلاد الخواجات عندما يتقدّم أحدٌ بطلب لوظيفه هنالك سؤالان لا يغيبان أبداً عن الانترفيو :
• هل تمّ فصلك من أيّ موقعٍ عملت به سابقا؟
– هل طلب منك مُخَدّمك السابق ان تستقيل؟
يُفصَل الانسان في تلك البلاد لعدم الامانه او يُطلب منه ان يستقيل حفظاً لبعض ماء وجهه ومن يكذب أيضاً لا يجد له مكانًا ابداً في تلك المجتمعات فليست هنالك فرصةٌ أخرى هذا على مستوى الأفراد اوالمؤسسات ولكن عندما يتعلق الامر بوطن فهذا حديثٌ آخر يدخُلُ فيه ما يُسَمّى (بالخيانه العُظمى ) ويكون وارداً فيها ،متى ثبُتَت ، حكم الإعدام.
تقولُ طبيعة البشر أن مَن يرتكبُ مثل هذه الأخطاء فإنّهُ يَنزوي إلى رُكنٍ بعيد لأنّهُ لا توجد اولاً فرصةٌ أخرى وثانيًا فإن العار المخلوق بيد صاحِبِهِ وكامل إرادته لا غُفرانَ فيه.
يعلم هذا الشعب من خانهُ ومن وضع يده في يد اعداء الوطن في الداخل وفي الخارج بيعاً للتراب وبيعًا للذمم وبيعًا للدماء وهم يُغيّبون المعلومه عنهُ. هذا الشعب الذي صبر على أذاهم وهو يعلم كل مخططاتهم ولكن ما يهُمُّ هنا هو تحرّكاتهم الاخيره وهم في عجلةٍ من أمرهم عساهم يلملمون ما سقط من ثيابٍ لن تستُرَ عُريّهم أبداً بعد ما فعلوا. كان الاجدر بهم ان ينزووا وإن كانت لهم جماهير ان تقوم بمحاسبتهم والاطاحة بهم او ، غير ذلك ، فانها تكون قد شاركتهم في هذا البلاء وهذه الخيانه.
إنّ خيبة أملنا في تسابقهم الأخير بعد ان انكشف المستور لهو أقسى من كلّ الخيبات السابقه ليس لأنه كانت لنا ثقةً فيهم واضاعوها ولكن لأننا تخيلنا انهم ارتفعوا لمستوى هذا الوطن وشبابه الذين جادوا بالدماء من اجل حلمه الكبير. تذكرنا اذاهم وهم يبكون في داخل تجمعاتنا وهم يُخاطبون إعتصاماتنا وهتف لهم بعضنا وكفكف دموعهم وحملهم على الاعناق وما علمنا ، حينها ، أنّ من سيبكي لاحقا هم نحن.
شغلونا بالفشقه وباعوا بربر عروسًا في كامل زينتها وكان جهازها من حُرّ مال الدوله ولأن الإنقاذ ما زالت فينا بسبب وجودهم هم فقد نُفّذ البيع ولا ندري عنه شيئاً.. نفس التعتيم الإنقاذي وعدم الشفافيه فالإمارات تدير سودان ما بعد الثوره عبر عملائها ” حكامنا اليوم ” كما فعل طه الحسين ببلادنا لمصلحة أسياده بالأمس والفرق هو أنّ ، طه ، قد هرب إلى أولياءِ نِعمَتِهِ امّا هُم فقد بَقوا ليستمرّ الأذى وتنفيذ المخطّط و لأنهم يعتقدون أنهم لم يُخلَقوا إلّا ليحكموا ولأنّ هذا الشعب ليس لديه فهم ولا عقل ولا إدراك ولأنهم هم الادرى بمصالحه وليس غيرهم ثم اليس هم القيّمين عليه؟ الم يرث بعضهم ملكية هذا الشعب عن آبائهم واجدادهم؟
من مدّوا اياديهم لعسكر البشير ومليشياته من مدنيينا. من يجلسون على كراسي الحكم في السيادي وفي مجلس الوزراء في حكومةٍ خطفت ابناءنا وعذبتهم وقتلتهم واخفت جرائمها في المشارح ومنهم من إكتفوا فقط بالشجب حفظاً لماء وجوههم. من باعوا التراب او سكتوا على بيعه. من صمتوا على جرائم المليشيات في اقبية تعذيبها لما بعد الثوره. من خططوا لإبقاءِ أوصال الوطن مملوءةً بمنتسبي النظام المُقتَلَع وسهروا على راحَتِهِم وتآمُرِهِم. منوقفوا سدّاً منيعاً ضدّ إعادة ضباط الشرطه والجيش المفصولين تعسُفياً بأمرِ النظام البائد. مَن لم يُشَرّفوا إحتفالات شعبنا بمناسباتِهِ القوميه وعندما ( قتلوا ) أبناءنا لم يكن في جُعبَتِهِم سوى الشجب الخجول. اذهبوا فليس لكم مكانٌبيننا.
إنّ ما أقعَدَ بنا دهراً هو عدم تسمية الاشياء بمسمياتها. اقعد بنا أننا صرنا حقل تجارب للفاشلين فصاروا يُدَوّرون فشلهم فينا وعندما يلحظون الململه يسارعون في لهاثٍ كانوا فيه عندما تركناهُم وعندما حمَلنا عليهم وجدناهُم ما زالوا فيه يُنادي بعضهم بعضاً أن اغدوا على حرثكم إن كنتم قادرين. يتنادوا عندما تهتزُّ الكراسي من تحتهم ولكن أمرُ رَبِّنا ووعي هذا الشعب دائماً أسرع من مكرهم.
melsayigh@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم