حين دلوا جثمان رفيقي نصر الدين محمد سنادة بقبر بمدافن السيد المحجوب ببحري خطرت لي عبارة سمعتها من حبوبتي خادم الله بت أم باركة. كنت أغشاها أيام الجمع بمنزل خالي عبد اللطيف أحمل لها حلاوة لكوم التي تحبها. ثم أجلس إليها استمع لمحفوظها من أماديح الشايقية في المصطفى صلى الله عليه وسلم. بدا لي من القبر يومها أنه “أغرب سكن”. فمع أن مقابراً أخرى تكتنف المقبور من كل جهة إلا أن الموتي ليسوا جيرة في معنى جيرة الأحياء. فالمقابر “آخر” الحلة. فمع أن سكانها بشر إلا أنهم بشر تعطل فيهم “الاجتماع” الإنساني. وهذا بحذافيره ما سمعته من المرأة الصالحة خادم الله. قالت في أحدى المدايح عن المقابر إنها التي خلت من “يا جار هاك ضوق”. إنهم بشر كفوا عن التهادي.
كان نصر الدين بشوشاً، سمح المحيا، برئياً حتى النخاع، ثائراً حتى طعن في الشيخوخة. عرفته في طلائع أبادماك في آخر الستينات بين الكتاب والفنانين التقدميين. كان شاعراً عذباً. وكان ثورياً لا يعتكر مزاجه ولا يسف. ثم ضمتنا “جامعة” كوبر بعد فشل إنقلاب 19 يوليو 1971. وأذكر من بره لي أمرين. أولهما أنه كان ثاني اثنين من رواة شعري المنثور الذي كتبته في كوبر وقرأته في أماسيها الثقافية. وما اجتمعنا حتى أعاده عليّ من مثل قولي: “عذاب العاشق أن يكون القاريء الثاني لرسائل حبيبه” بالنظر إلى “سنسرة” الخطابات التي تصل المعتقلين من أهل ودهم. أما الأمر الثاني فكان يستضيفني ليلاً في سياق تخفيّ من نظام نميري حين نزلت “تحت الأرض” كادراً سرياً بالحزب الشيوعي. كان حفياً بي لا يعتوره وجل، ولا يخشي فيّ لومة لائم أو واش. يولمني الطيبات، ويؤنس وحشتي.
وقف عباس الخضر ، النقابي والبرلماني الإسلامي المعروف، بعد دفن نصر الدين وألقى موعظة حسنة. وبدا لي أن من أسباب نجاح عباس امتلاكه ناصية الخطابة. فقال إنه متى ما استقر الميت في قبره جاء الملكان يسألانه عن دينه وكتابه ونبيه وأمته. وقال إن من المأثور تلقين الميت إجاباته على سؤال الملكين. فنناديه باسمه واسم امه أو باسم حواء أمنا جميعاً. وتوجه عباس إلى نصر الدين قائلاً: يا نصر الدين بن حواء. إذا قال الملكان ما دينك؟ قل الإسلام. وإن سألا عن كتابك قل القرآن. وإن سألا عن نبيك قل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن سألا عن أمتك قل أمة المسلمين.
. وأنصرفنا بعد تمام “تقاليد الرحيل المسلمة” في قول ود المكي. والتفت إلى جِيرة نصر الدين التي ليس بينها “يا جار هاك ضوق”. وقرأت في الشاهد الجار له وجاء فيه: أنور عباس ضوي 4-5-1969. لابد أنه كان رائعاً مثلك يا نصر الدين بن حواء.
طبت حياً وميتاً يا رفيق!
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم