زين العابدين صالح عبد الرحمن
أواصل الإجابة على الأسئلة التي طرح يعقوب كابي في مداخلته على المقال الذي كنت قد كتبته بعنوان ” الضياع عندما يتجاوز التاريخ الحزب” و يعتقد الأستاذ يعقوب أنني ركزت على عبد الخالق و الحزب الشيوعي في عملية غياب الفكر عن الساحة السياسية، و بروز المكونات الأولية في المجتمع، و هو يعتقد أن كل الأحزاب السياسية لها دورا في هذا الغياب، لذلك طرح عددا من الأسئلة المهمة، بدأت الإجابة عليها في المقال الأول و سوف أواصل الإجابة على الأخرى..
في كتاب عبد الخالق محجوب ” إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير” يقول في رده و نقده على عوض عبد الرازق ( ظل الخط الثوري يظهر في صراعه ضد الإتجاهات الخاطئة و الانتهازية المختلفة في عامي 1951 – 1952م عانى فيها حزبنا موجة من الأفكار التحريفية يقودها الانقسامي عوض عبد الرازق تدعو تلك الأفكار إلي نبذ العمل بين الجماهير العامة، و إلي تصفية الحزب الشيوعي كتنظيم مستقل، و إلي إندماجه في الأحزاب البرجوازيةو البرجوازية الصغيرة) هنا عبد الخالق يجادل بالنصوص الماركسية كأن العالم لم يتغير منذ البيان الشيوعي عام 1848م و كأن المجتمع هو المجتمع الذي عاش فيه ماركس و انجلز، رغم أن ثورة النقابات تلك العام قد فشلت و كان لابد من قراءة الواقع بعقل جديد.. الملاحظ أن عبد الخالق منذ رجوعه من القاهرة و اصطدامه مع الأستاذ عبد الوهاب زين العابدين، كان عبد الخالق يتمسك بالطرح النظري للماركسية دون قراءة الواقع و الميكانزمات المؤثرة فيه.. لآن عبد الخالق كان عينه على منصب سكرتارية الحزب لذلك كان صراعه مع عبد الوهاب و عوض بذاكرة النصوص و الاتهام باليمينية و الانتهازية..
عندما أصبح عبد الخالق سكرتيرا للحزب بدأ يتحرك عن النصوص في صراعه مع الآخرين، خاصة قراءة برنامج ” الثورة الوطنية الديمقراطية” حاول أن يخرج من النصوص، و ربما لآن الآخرين الذين كانوا يشكلون الجانب الأخر في التنافس حاولوا أن يقيدوه بذات الأفكار التي أوقعها على عبد الوهاب و عوض.. و تجده بارزا في الجدل الفكري الذي دار بينه و بين عمر مصطفى المكي و أحمد سليمان.. عندما تبنى عمر و أحمد مصطلح الديمقراطيون الثوريون، و كان إثارة المصطلح مفهومة أن يحدث التغيير الثوري بعيدا عن المكونات الحزبية، و كان المقصود هم تظيم الضباط الأحرار في الجيش.. مثل هذا الحدث بالضرورة سوف يحدث تغييرات في التراتب التنظيمية للحزب بدخول القيادات العسكرية..
لذلك نجد أن عبد الخالق قد رجع إلي الواقعية حيث تحدث عن الأفضلية للديمقراطية الليبرالية دون تبني المصطلح الديمقراطيون الثوريون.. حيث نجد عبد الخالق في كتاب “إصلاح الخطأ” أنتقد الإغراق في النصوص حيث قال ( البرجوازية الصغيرة و خاصة في المدن تسلك سبيل الدراسة المعزولة و تجنح إلي الفصل بين النظرية و العمل و مرجعها النصوص دائما لا الحياة) – لكن عندما حدث الخلاف في منظومة الحكم بعد الانقلاب و بالتحديد في 1970م نجد أن عبد الخالق أرسل رسالة إلي التجاني الطيب يشرح رؤيته للذي حدث، و ما يجب أن يكون عليه موقف الحزب.. نجد أن عبد الخالق قال في الخطاب معرفا الثورة و الديمقراطية الثورية هي طريق الوصل إلي الاشتراكية و منها الوصول إلي ديكتاتورية البروليتارية.. رجع مرة أخرى إلي النصوص لكي يدعم موقفه.. الآنقسام نفسه و إعدام عبد الخالق فيما بعد قد أبقى على العناصر التي كانت تقود العملية التنظيمية، و ليس العمل وسط الجماهير، بقيادة التجاني الطيب و يوسف حسين و صديق يوسف و سليمان حامد و كنين الذين تمسكوا بالنصوص بينما كان محمد إبراهيم نقد محاصرا من هذا التيار المحافظ رغم أنه التلميذ النجيب في الفكر لعبد الخالق..لبعمل التنظيمي لا يؤهل للإنتاج الفكري..
في الجانب الأخر: نجد إن الإنقساميين تحولوا إلي كتلة تدافع عن موقعها داخل النظام، و تبنيهم لفكرة ” الاتحاد الاشتراكي” هي مصادرة الحرية الفكرية و التعبير للقوى التي خارج الاتحاد الاشتراكي، في هذه الفترة سمح فقط “للحزب الجمهوري” في اعتقاد أن هؤلاء سوف يحدثون عملية تغبش في وعي الجماهير تمنعهم من الثورة ضد النظام الحاكم.. خاصة بعد ثورة شعبان ضد النظام في 1973م.. بعد المصالحة الوطنية بين الجبهة الوطنية و نظام مايو 1977م دخل كل من حزب الأمة و الحركة الإسلامية في الاتحاد الاشتراكي.. و هي الفترة التي استطاعت الحركة الإسلامية أن تتحول من تنظيم صفوي إلي تنظيم شعبي بعد ما سمح لها أن تقيم مشروعها الاقتصادي.. أصبحت المعارضة ممثلة في الحزب الشيوعي تحت الأرض و الاتحاديون بقيادة الشريف حسين الذي رفض المصلح.. هذه الفتر ضعف فيها الناشط الطلابي في الجامعات، الأمر الذي جعل الباب مفتوحا لبروز تنظيم الطلاب المستقلين، الذين اهتموا بالروابط الأدبية و جمعيات الخدمات في الجامعة دون السياسة.. هذا الضعف في النشاط السياسي، و أيضا في النشاط الطلابي، كان سببا في ضعف المكونات السياسية؛ الأمر الذي أدى لصعود قيادات متواضعة في قدراتها لقيادة الأحزب. و ابتعدت القيادات التي تشتغل بالعمل الذهني. و في 1985 سيطرت الطائفة بشكل كامل على الحزب الاتحادي الديمقراطي و لكي تحافظ على قيادتها، هي نفسه صعدت قيادات ضعيفة لا تستطيع أن تخرج من جلبابها، و هي الأسباب التي جعلت الحكم الاسلامي يستمر ثلاثة عقود دون أي إنتاج فكري يدفع بالعمل السياسي، لأنهم كانوا متأكدين ضعف القوى السياسية.. هنا بدأت تبرز التيارات الداعية لاستنهاض الهامش بشعارات دون أية رؤى فكرية تساعد على التغيير، و الهامش تتركز فيه الإدارات الأهلية و هي ليس لها نصيب في الإنتاج الفكري..
لكن المسألة كانت مختلفة أوائل التسعينات عندما حدث التصدع في الكتلة الاشتراكية و سقوط حائط برلين التي قادت لحوار داخل الحزب الشيوعي يتمثل في ” تغيير أسم الحزب و أن تكون الماركسية إحدى المرجعيات و ليست المرجعية الأوحد” الفترة التي كتب فيها الخاتم دراسته الفكرية ” أن أوان التغيير” و انتقد فيها الحزب و ” المركزية الديمقراطية” باعتبارها تحد من حرية العضو في أن يصدع بأرائه داخل التنظيم. خرج الخاتم و مجموعة كبيرة من الحزب باعتبار أن القيادة التاريخية لن تقبل بنتائج الحوار.. لكن ظل الدكتور الشفيع خضر و معه أيضا مجموعة كبيرة معه يسيرون في ذات الاتجاه و يطنون في أذان القيادات التاريخية، و عندما قامت الثورة و طرح الشفيع رؤيته بالقول في ندوة بجامعة الأزهري القول ( أن نجاح عملية التحول الديمقراطي تنجح من خلال ” مساومة تاريخية بين الإسلاميين و الحزب الشيوعي) أتهم بموالة الإسلاميين و طرد من الحزب و مجموعته.. و أصبحت السيطرة في أغلبية الأحزاب لقيادات متواضعى في قدراتها السياسية.. نسأل الله حسن البصيرة ..
zainsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم