(٢) مصر والتمدد في أفريقيا :الأمن القومي أم إعادة إنتاج الإمبراطورية
عضو قيادي مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»
د. أحمد التيجاني سيد أحمد.
روما، إيطاليا |٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦
لا يتحرك النفوذ المصري في أفريقيا عبر الحدود العسكرية وحدها. فالقاهرة تستخدم الدبلوماسية والاتفاقات الأمنية والتعاون العسكري وعلاقاتها بدول حوض النيل والبحر الأحمر لتأمين ما تصفه بمصالحها القومية. وهذه أدوات مشروعة من حيث المبدأ، تستخدمها دول كثيرة. لكن السؤال الذي يهم السودان هو: متى يتحول الدفاع عن الأمن القومي إلى توسيع لمجال النفوذ، تُطلب فيه من دول الجوار مراعاة أولويات القاهرة قبل أولوياتها؟
لا تعني كلمة الإمبراطورية هنا أن مصر تسعى بالضرورة إلى ضم أراضٍ أفريقية أو إقامة حكم استعماري مباشر. إنها سؤال عن نمط العلاقة: هل تقوم على مساواة الدول واحترام استقلال قرارها، أم على تصور يرى أن الجوار الأفريقي مجال ينبغي أن يظل منضبطًا لمصالح مصر الأمنية والمائية؟
مصر خارج حدودها
ترتبط السياسة المصرية خارج الحدود بملفين رئيسيين: أمن النيل، وأمن البحر الأحمر والممرات البحرية. وقد صاغت القاهرة هذه المصالح في شراكات واتفاقات سياسية وأمنية مع دول في القرن الأفريقي. ففي يناير ٢٠٢٥، رفعت مصر والصومال علاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، ونص الإعلان المشترك على استمرار الدعم العسكري المصري للصومال، والتعاون في التدريب والتسليح وتأمين الحدود البرية والبحرية. وقدّم الطرفان ذلك باعتباره تعاونًا لدعم أمن الصومال وسيادته. [٤]
لا تكفي هذه الاتفاقات وحدها لإثبات وجود مشروع توسع أو هيمنة. لكن من حق دول الجوار أن تسأل عن أثرها الإقليمي، خصوصًا حين تتزامن الشراكات العسكرية مع خلافات على النيل، وتوترات بين دول القرن الأفريقي، وتنافس على الموانئ والطرق البحرية. فالتعاون الأمني قد يقوي دولة شريكة، وقد يتحول أيضًا إلى وسيلة ضغط إذا استُخدم لإعادة ترتيب موازين القوة حول دولة ثالثة.
القرن الأفريقي وحوض النيل
تتداخل ملفات النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي في حسابات مصر. فالنيل مصدر حياة وتنمية للسودان ومصر ودول المنبع، والبحر الأحمر طريق للتجارة والأمن، والقرن الأفريقي يضم دولًا تتحكم بمواقع حيوية على طرق الملاحة. لذلك لا يمكن قراءة التحركات المصرية في المنطقة بوصفها ملفات منفصلة.
يظهر هذا التداخل بوضوح في علاقة مصر بإثيوبيا. فالنزاع حول سد النهضة يتعلق بالمياه والتنمية وقواعد تشغيل السد، لكنه يجري في منطقة تشهد أيضًا تنافسًا على النفوذ والوصول إلى البحر. وإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام ١٩٩٣، أثارت طموحاتها البحرية قلقًا لدى جيرانها. وفي أكتوبر ٢٠٢٦، تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وسط تبادل الاتهامات والتحركات العسكرية، فيما حذرت تقارير من اتساع أثر الأزمة إلى بقية القرن الأفريقي والبحر الأحمر. [٥]
في هذه البيئة، لا ينبغي أن يُختزل كل خلاف إقليمي في نزاع مصر وإثيوبيا على المياه، ولا أن تُعامل دول القرن الأفريقي كأوراق في مواجهة بين الطرفين. للصومال وإريتريا وجيبوتي والسودان مصالحها وقراراتها. وأي مقاربة تجعل أمن مصر مرادفًا لإضعاف خيارات هذه الدول ستعمّق الشكوك بدل أن تبني أمنًا مشتركًا.
التنافس الدولي واستدعاء الجوار
يشهد القرن الأفريقي تنافسًا بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى حماية طرق التجارة، وتطوير الموانئ، وبناء علاقات أمنية واقتصادية. وقد وصف تقرير لرويترز في فبراير ٢٠٢٦ اتساع التنافس السعودي الإماراتي إلى القرن الأفريقي، حيث تتداخل الاستثمارات والدبلوماسية والدعم الأمني مع صراعات السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا. [٦]
هذا التنافس لا يجعل الدول الأفريقية مجرد ساحات سلبية. فحكوماتها تستخدم علاقاتها الخارجية للحصول على الاستثمار والتسليح والدعم الدبلوماسي، وقد توازن بين شركاء متعددين. لكن حين تدخل القوى الخارجية عبر أطراف محلية أو تصطف مع فصيل في نزاع داخلي، تصبح حسابات الأمن الإقليمي أكثر تعقيدًا، ويصعب على الدولة الضعيفة أن تحافظ على استقلال قرارها.
وقد ظهرت هذه المخاوف في الاتهامات المتبادلة بشأن التدخل في الأزمة الإثيوبية. ففي أكتوبر ٢٠٢٦، اتهم مسؤول عسكري إثيوبي مصر والسودان بدعم خصوم الحكومة الإثيوبية، بينما نفت الدولتان التدخل. تظل هذه اتهامات سياسية ما لم تدعمها أدلة مستقلة؛ لكنها تكشف مدى سهولة انتقال الخلافات من ملف المياه إلى اتهامات أمنية أوسع. [٧]
السودان حلقة مفصلية
يقع السودان عند ملتقى حوض النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. وهو ليس ممرًا جغرافيًا بين مصر ودول أفريقيا، بل دولة ذات مصالح مستقلة، ومجتمعات حدودية، وموارد، وسكان لهم الحق في أن يكونوا أصحاب القرار في بلادهم.
وتجعل الحرب وضع السودان أكثر خطورة. فضعف مؤسساته يفتح المجال لتدخلات خارجية، ويجعل ضبط الحدود وحماية المدنيين والموارد أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، قد تدفع المخاوف الأمنية دول الجوار إلى التصرف من جانب واحد، كما كشفت الاتهامات المتبادلة بشأن الضربة التي استهدفت موقعًا للتعدين قرب الحدود السودانية المصرية في أكتوبر ٢٠٢٦. وقد اختلفت التقارير الأولية في حصيلة القتلى وموقع الضربة، فيما اتهمت جهات سودانية مصر بالمسؤولية وقالت مصادر مصرية إن العملية استهدفت منقبين غير قانونيين داخل الأراضي المصرية. لذلك تظل الحاجة قائمة إلى تحقيق موثوق يحدد الوقائع والموقع والمسؤولية. [٨]
إن أمن مصر لا يتحقق بإضعاف السودان، كما أن أمن السودان لا يتحقق بتحويل مصر إلى عدو دائم. الطريق الأضمن هو أن تُحترم حدود البلدين، وأن يُبحث الخلاف عبر القانون والتفاوض، وأن تبقى الشراكات الأمنية خاضعة للشفافية والرقابة، وألا تتحول الحرب السودانية إلى فرصة لإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة.
من مجال النفوذ إلى شراكة الدول
يعيد هذا الفصل طرح السؤال في عنوانه: هل ترى مصر وجودها في أفريقيا امتدادًا لأمنها القومي، أم شراكة بين دول متساوية؟ لا تكفي البيانات الرسمية للإجابة؛ فالمعيار هو أثر السياسة على استقلال الدول المجاورة، وعلى أمن سكانها، وعلى حقها في رسم علاقاتها الخارجية.
أما السودان، فموقعه يجعله شريكًا أساسيًا في أي نظام إقليمي مستقر. وكلما استعاد دولته ومؤسساته، استطاع أن يتفاوض مع مصر وإثيوبيا وبقية شركائه من موقع الندية. وعندها لا يكون حوض النيل والبحر الأحمر ميدانًا لتوسيع النفوذ على حساب الآخرين، بل مجالًا لتعاون تحكمه السيادة والمصالح المتبادلة.
مراجع مختارة
[١] الأمم المتحدة، رسالة السودان بشأن نزاع حلايب، ٣١ ديسمبر ١٩٩٢: https://digitallibrary.un.org/record/157215
[٢] اليونسكو، حملة إنقاذ آثار النوبة: https://whc.unesco.org/en/activities/172/
[٣] الجهاز المركزي المصري للإحصاء، بيانات التجارة بين مصر والسودان لعام ٢٠٢٣، نقلًا عن بوابة الأهرام: https://gate.ahram.org.eg/News/4734783.aspx
[٤] رئاسة جمهورية مصر، الإعلان السياسي المشترك للشراكة الاستراتيجية المصرية الصومالية، ٢٣ يناير ٢٠٢٥: https://www.presidency.eg/en/قسم-الأخبار/أخبار-رئاسية/news-2312025-2/
[٥] رويترز، تطورات التوتر الإثيوبي الإريتري، أكتوبر ٢٠٢٦: https://www.reuters.com/world/africa/ethiopia-says-it-must-defend-itself-against-eritreas-all-out-invasion-2026-10-09/
[٦] رويترز، التنافس السعودي الإماراتي في القرن الأفريقي، ١٤ فبراير ٢٠٢٦: https://www.reuters.com/world/middle-east/african-union-summit-clouded-by-saudi-uae-rivalry-horn-africa-2026-02-14/
[٧] وكالة أسوشيتد برس، اتهامات إثيوبية بالتدخل ونفي الأطراف، أكتوبر ٢٠٢٦: https://apnews.com/article/6b3208122a4221f3c2e8dcbe21630016
[٨] رويترز، تقرير الضربة الجوية في منطقة التعدين قرب الحدود، ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦: https://www.internazionale.it/ultime-notizie-reuters/2026/10/12/at-least-72-sudanese-artisanal-miners-killed-in-airstrike-on-saturday-rights-monitor-says
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
