تربطني علاقة بالبحرين والمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية سنوات طويلة وعشت فترات متقطعة في البحرين جميعها 15 سنة اشتغلت هناك وربّيت أولادي هناك، وأعرف السفارة السودانية في المنامة زي ما أعرف بيتي. ومن يوم ما طلعت من هناك وأنا ما زلت متابع أخبار ناسنا وأخبار الجالية.
قبل سنة تقريباً كتب خالد أبوأحمد مقال قال فيه كلام واضح: السودان ما محتاج سفير جديد في البحرين. قال إن السفارة شغالة، والقائم بالأعمال والزملاء المعاه قايمين بالواجب وما مقصرين، وقال الجالية دايرة شنو بالضبط؟ دايرة فريق جوازات مقيم، عشان الزول ما يتعب في معاملاته يخدم السودانيين في البحرين وفي المنطقة الشرقية (السعودية) وديل زولين وجهاز، مش أكتر.
الكلام دا ما سمعه زول. وأمس طلع قرار بتعيين سفير جديد للسودان في البحرين، ضابط كبير خرج للمعاش من فترة قريبة، وأنا ما كلامي على الرجل نفسه، ما أعرفه وما بيني وبينه شيء كلامي على القرار نفسه، وعلى توقيته، وعلى الفلوس البتنصرف عليه.
السفير في الشهر بيكلّف حوالي عشرة آلاف دولار، ما بين مرتب وبدلات ونثريات ضيافة وغيره، يعني في السنة مية وعشرين ألف دولار. والفلوس دي بتطلع من خزينة دولة في حرب، دولة عاجزة تدفع مرتبات موظفيها. في سفارات كتيرة لينا موظفين ما استلموا مرتباتهم من أربعة شهور وأكتر. ومرتب سفير واحد بس بيكفي مرتبات ستة موظفين في نفس السفارة.
وفي نفس الوقت دا، ناسنا في معسكرات النزوح في كسلا والقضارف وسنار والنيل الأبيض ونهر النيل، قاعدين في اوضاع سيئة ما في دوا، وما في مويه نضيفة، وما في خيام تستر الناس من المطر. والأمراض ماشة فيهم: ملاريا وكوليرا وحمى الضنك. والعشرة آلاف دولار ديل، لو اتصرفت هناك، بتشغّل عيادة كاملة بطبيبها وممرضها ودوايها. بتوفّر أكل لمئات الأسر. بتفتح فصول لأطفال معسكر بأكمله. الحساب دا ما محتاج خبير اقتصاد، أي زول اشتغل في الإغاثة عارفه كويس.
والأرقام البذكرها الأستاذ خالد في مقاله لسه زي ما هي. التجارة بين السودان والبحرين صغيرة خالص. سنة 2023 البحرين صدّرت لينا بـ 2.9 مليون دولار، ونحن صدّرنا ليها بـ 1.16 مليون دولار، أغلبها أعلاف وبذور زيتية. الأرقام دي ما بتستاهل سفير بمرتب وسكن وامتيازات.
وأنا داير أقول ليكم حاجة تانية. في دول بتتاجر مع البحرين بمئات الملايين وما عندها سفير مقيم هناك أصلاً. كندا بتدير علاقاتها مع الخليج كلو من سفارتها في الرياض. وأستراليا تجارتها مع البحرين فاتت مليار ومئتين مليون دولار، ومع ذلك ما عندها سفارة في المنامة. ديل ناس أغنى مننا بمراحل، وبيحسبوا قرشهم. ونحن الفقرا، بنصرف من غير حساب.
السؤال البدور إجابة من الفريق عبدالفتاح البرهان لأن من عينه سفير للبحرين صديق شخصي له ..سؤال بسيط: السفير الجديد دا حيعمل شنو ما كانت السفارة قادرة تعمله؟ وهل البرهان درس كلفة التعيين دا قبل ما يصدره؟ وهل فكر في السفير غير المقيم زي ما بتعمل الدول المحترمة الأمينة على مال شعوبها و أكبر مننا؟ وهل حترسل فريق الجوازات المحتاجين ليهم الناس في البحرين والمنطقة الشرقية من سنين؟
وخلوني أكون واضح: نحن ما بنقلل من قيمة علاقتنا مع البحرين، والله العلاقة دي غالية علينا. أهل البحرين ناسنا، وبيننا وبينهم مصاهرات وبيوت مشتركة وأولاد أمهاتهم بحرينيات وآباءهم سودانيين. لكن العلاقة دي قايمة وثابتة من زمان، وما بتحتاج منصب جديد عشان تثبت.
الحرب لسه ماشة، والناس في العراء، والمستشفيات مقفولة، والدولة ما قادرة على أبسط واجباتها. التعيين دا كان ممكن يتأجل، وما كنا حنخسر حاجة. أما العشرة آلاف دولار(في الشهر) ففي ناس في معسكرات النزوح منتظرينها، وديل ما عندهم وقت يستنوا فيه.
اتقوا الله في الشعب السوداني
محمد صالح
