يومٌ عاديٌّ في الظاهر. حقيبة صغيرة تُفتَح على عجل، لا لتُرتَّب، بل لتُفتَّش. في قاعها مفاتيح صدئة، بلا وزن، بلا معنى. مفاتيح نجت من بيت لم ينجُ، وبقيت شاهدة على فكرة سكنٍ انطفأت. صاحبتها تعرف أن العودة، إن حدثت، لن تقود إلى باب. المدن التي أكلتها الحرب لم تترك للبيوت غير جدران مبتورة، ولا للذاكرة غير صدى.
الهاتف في اليد الأخرى. لم يعد نافذة فضول أو ترف. صار حبلاً رفيعاً يُمسك باليوم من حافته. تحويلات صغيرة تصل، تؤجِّل السقوط ساعة أو يوماً. كهرباء غائبة، شحن مدفوع، شمسٌ تُستأجر بالعملة الشحيحة. حسابات دقيقة بين رغيف وبطارية، بين ماء ووقت.
حكاية واحدة، تشبه آلاف الحكايات. نجاة بالجسد، وتعليق للروح. بشر عبروا ألف يوم من حربٍ طويلة، فخرجوا منها أحياء، لكن بلا يقين. فكرة البيت صارت سؤالاً، لا عنواناً. الانتظار صار مهارة. الخوف صار رفيقاً دائماً.
الأرقام تقف في الخلفية، ثقيلة وصامتة. ملايين يحتاجون إلى يدٍ تمتد، لا لتغيّر المصير، بل لتؤجِّله. ثلثا السكان تقريباً يقفون عند حافة الجوع، والنزوح لم يعد رحلة واحدة، بل سلسلة انتقالات قسرية. من بقي قد يُدفَع للرحيل، ومن رحل قد يُقتلع مرة أخرى. سبب واحد يكفي: قتال يقترب، طعام ينفد، دواء يغيب، إيجار يستحيل.
الغذاء حكاية أخرى. أطباق بلا قيمة، وجبات لإسكات الألم، لا لتغذية الجسد. من يجد ما يضعه أمام أطفاله يُحسَب محظوظاً. آخرون يصطفون طويلاً من أجل لقيمات جماعية. ومع اقتراب حرب السودان من عامها الثالث، يضيق الهامش أكثر. حصص أقل، إمدادات مهددة، جوع يتقدّم بخطى واثقة.
الصحة تسير في الاتجاه ذاته. المستشفيات أهداف، لا ملاذات. العلاج صار امتيازاً نادراً. أمراض بسيطة تقتل، ولادات تتحول إلى مخاطرة، أوبئة قديمة تعود. جرح صغير قد ينهي حياة لأن دواءً أساسياً اختفى. حتى المرافق التي ما زالت تعمل تتعثر في الظلام والعطش، وتتحول إلى غرف انتظار مفتوحة على المجهول.
العيش نفسه تبدّل. إدارة يوم تحت التهديد. رصاصة قد لا تكون السبب المباشر للموت. خوف مفاجئ، حزن متراكم، قلب يتوقف من الإرهاق. الطرق مراقبة، الخروج محسوب، العلاج يُؤجَّل لأن الطريق أخطر من المرض. الأطفال اعتادوا الأصوات العالية، لكن أجساداً صغيرة انهارت من الفزع.
وسط هذا الخراب، نهضت محاولات أهلية. إسعاف بما تيسّر، طعام “التكايا” يُطبَخ جماعياً، معلومات تتبادلها الأحياء. مبادرات خففت الجوع، وربطت الناس ببعضهم، ومنحت شعوراً هشّاً بالتماسك. نجحت في أماكن، وتعذّرت في أخرى، حيث المخيمات لا تحمل من أسمائها شيئاً، سوى سخرية مُرّة. نساء بلا أزواج، أطفال بلا آباء، أجساد منهكة، وطلبات تختصرها جملة واحدة: البقاء.
التعليم لم يسلم. مدارس مهدمة أو مغلقة، فصول تحولت إلى ملاجئ، معلمون تفرّقوا، وتلاميذ توزعوا بين نزوح ولجوء. الخبز تقدّم على الكتاب، والنجاة سبقت الواجب. الجامعات بدورها توقفت، وتشتت طلابها، وضاعت سنوات كان يُفترض أن تُبنى عليها حياة كاملة.
النهاية تعود إلى البداية. حقيبة، مفاتيح، هاتف. أشياء قليلة تحمل عبء ألف يوم ويوم. سؤال يتكرر كل صباح: لماذا تستمر؟ وكيف يمكن كسر هذا الحصار الطويل؟ تقديرات القتلى تتجاوز مئة وخمسين ألفاً، عسكريين ومدنيين. أما الأحياء، فيمضون مثقلين، يبحثون عن لقمة تُسكِت الجوع، ودواء يُبعد الموت خطوة، ومدرسة تُعيد معنى الغد، أو بيت يجمع الشَّتات، أو فرصة بسيطة للبقاء.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم