(يصادف اليوم الذكرى الواحدة والستين لانقلاب الفريق إبراهيم عبود في 1958. وهو رأس الكفر بالديمقراطية التي جاءتنا بالحكم الذاتي في 1954. ولم يُمَحِنا الانقلاب في الديمقراطية الوليدة فحسب بل أخفت مناهج النظر إليه (ولا أقول تحليله: يحرم) عنا سياسة الانقلاب وقواه الاجتماعية ومصالحها المادية منه. وأحصيت في محاضرة قريبة في أوكلاند كاليفورنيا المناهج الضليلة التي شردتنا عن فهم هذا الوحش الكاسر الذي خيم بالكآبة على وطننا لاثنين وخمسين عاماً من عمر استقلاله البالغ ثلاثة وسبعين عاماً. ومن تلك المناهج القعيدة تناول كل انقلاب على حدة تناولا تغيب به عنا غابة الانقلاب (التكتيك السياسي لبلوغ سدة الحكم لقوى اجتماعية ما) وراء شجر الانقلابيين الأفراد: عبود ونميري وعمر. وهو نهج سميته ب”الحكمدارية”: فهناك انقلاب حكمدارية عبود منبت الصلة عما بعده. وكذلك حكمدارية نميري. ولهذا فشا بيننا تمييز واحدها عن الآخر لا بحث ما يجمع بينها وهو الأصل. وصارت حكمدارية عبود بالذات فينا عصراً ذهبياً تساءل منا من قال لماذا اسقطناها في المكان الأول. ولا يعدو نهج الحكمدارية أن يكون مصداقاً لقول الشاعر:
دعوت على عمرٍو فمات فسرّني فعاشرت أقوامًا بكيت على عمرو
وأعيد نشر هذا المقال الذي حاولت فيه الإمساك بالخيط السياسي الناظم للانقلابات التي عصفت ببلادنا بعيداً عن نهج تناولها كبكاء على عمرو بعد عمرو بعد عمر).
تمر علينا اليوم ذكري طغمة 17 نوفمبر 1958. وهذا يوم الشؤم العظيم لبلدنا. فعصابة نوفمبر، في لغة التصوير، هي “النجتيف” الذي طبعنا منه نظم الطغم التي توالت علينا. فقد صادر الانقلاب الحوار الوطني الذي دار حول منهج الحكم آنذاك وعرض علينا قبول المعونة الأمريكية لنا في ملابسات الحرب الباردة. ولم تقبل دوائر واسعة منا بهذه المعونة. وقد تحالف هؤلاء المعارضون في موكب 21 اكتوبر 1958 الذي اقتحمه السفير الأمريكي آنذاك لسبب غامض ما يزال. وصور الانقلابيون هذا الحوار بأنه قلاقل استحقت القمع والوصاية. وقد رد اتحاد طلاب جامعة الخرطوم على هذا المنطق بمذكرتهم للطغمة في سبتمبر 1959 قائلاً: “وكنا نري منذ البداية أنه في ظل الديمقراطية لا في غيبتها يتدرب الشعب علي الحكم النيابي والاستمساك به”. وهكذا فرط الانقلاب في عادة الديمقراطية وأرسي عادة الاستبداد. وقد فشت العادة في الحكومة والمعارضة معاً. وتأبطت الطغم شر السلاح وشرهه وأفرغوا السياسة من الشعب مصدر السلطات.
لقد اخذت الطغم الانقلابية اللاحقة قسماتها الدميمة كلها من نطفة نوفمبر الأولي. فاصدرت تلك الطغمة قانون دفاع السودان الذي أساء للعدل بسنة المحاكم العسكرية للمدنيين والاعتقال التحفظي. وتعدت على حرية التنظيم بإلغاء قوانين العمل النقابي بأخرى موسوسة مثل قانون نقابات العمال 1960، وقانون رقم 9 لاتحاد طلبة جامعة الخرطوم، وقانون المجلس المركزي الذي ترأس رئيس القضاة وقتها اللجنة التي وضعت مسودته الظالمة. وصادرت استقلال الجامعة حتى ضمتها للتربية والتعليم في 1963. وأرادت تأميم الصحافة لتكتفي بصحيفة لسان الحال: البرش بقرش (هكذا كان بائع صحف بالاسم ينادي على جريدة الثورة لسان حال النظام وكانت صدرت بصفحات عريضة لا كغيرها). وضيقت على الصحف تضييقاً جعل الكتابة مستحيلة. وشملت قائمة المحرمات “الكتابة عن كيشو (زعيم هلالابي) ولجنة نادي الهلال” أو “التعرض بالنقد للإذاعة ومراقبها التاج حمد”. وبدأت الطغمة حرب الجنوب الثقافية باستخدام الأسلمة والتعريب كأدوات حكومية. فقد هدفت “البلدوية”، المنسوبة الي علي بلدو، مدير المديرية الاستوائية، الي عكس مجري السياسة الاستعمارية بنشر الاسلام والعربية بدلاً عن الانجليزية والمسيحية. واحتج الجنوب على ذلك حتى توج ذلك بتأسيس حركة أنانيا. وعلق انقلاب نوفمبر رفاق السلاح المعارضين على المشانق، وقتل الأنصار في المولد، ورحل جماعة النوبة التاريخية من موضعها بغير استئذان. وقد مشت الطغم اللاحقة على دربه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم