19 ديسمبر 2018: عودة الروح .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
21 ديسمبر, 2018
د.عبد الله علي ابراهيم, منبر الرأي
46 زيارة
الهبة الجماهيرية التي تجتاح مدن السودان وبلداته عودة غراء للروح الوطني. لقد ظن النظام وكثيرون في المعارضة، كل بطريقته، أن هذه الجماهير قد أحيلت للمعاش السياسي. فجردها النظام من المؤسسة النقابية ولم يستثمر في مثل استثماره في كتائب التصدي لها بالأمن الواضح والمستتر والمرتزق. ولم يحُفز هذا التجريد المعارضين لاستعادة هذه الأدوات. وحجتهم أن النظام، الذي يعرف كادره خطر هذه الأدوات السياسية، قد أتقن القضاء عليها. فسحبت المعارضة آلياتها من ساحة هذه القوى واستبدلت ذلك بالعمل المسلح أصالة او وكالة. وفي أحسن الحالات ظلت المعارضة تدعو هذه الجماهير إلى مظاهرة واحدة أو عصيان واحد تكون به نهاية النظام مما يشبه رصاصة الرحمة.
انقداح شرارة هذه الهبة من عطبرة هو ميسم عودة الروح الأكبر. فعطبرة الأصل في تقليد احتلال الشارع بهدف التغيير السياسي منذ الأربعينات. وبلغت الغاية في هذه الناحية حتى أمر نميري بحل السكة حديد بعد إضراب 1980 وحلف أن يجعلها سندة مثل سندة الحصايا قبيل بربر. بل وأنشأ طريق بورتسودان-الخرطوم الدائري لكي يستغني عن السكة حديد ونقابتها. وها قد عدنا من باب العقل منذ سنوات إلى طريق بورتسودان-الخرطوم عن طريق عطبرة الذي يحتله المتظاهرون بالمدينة.
تخوض عطبرة الآن معركتها من الذاكرة خلواً من النقابة التي كانت لا تنظم مواقفها فيها وحدها فحسب بل على نطاق السكة حديد. ها هي المدينة “تدينا التابلت” (إذن تحرك القطار من المحطة في لغة السكة حديد) من جديد.
يخادع النظم نفسه إن اشتكي من عنف التظاهر الذي يرائي بأنه خرج من السلمية إلى غيرها. فليس في عرف النظام لثلاثين عاماً سوى لحس الكوع، ومطالعة الخلاء. ولم يفرغ بعد كما قلنا من تدبيج نفسه بالأمن الواضح والمستتر والمرتزق ليقضى على كل تعبير سياسي في مهده. ويبدو من جديد أن النظام بتذرعه بعنف التظاهرات عازف عن التصالح مع فشله البين. وربما فات عليه اليوم نصح الصليح والعدو أن يجرؤ على تفكيك نفسه في مساومة تاريخية سخية الشروط.
وددت لو كففنا من تحويل عنايتنا بالفدائية الشعبية للوطن إلى لوم السيد الإمام الصادق المهدي. فليس هو المهدي المنتظر للثورة والتغيير. وهذه مراهنة عليه قديمة لم ينتفع منها الإمام وتنتهي غالباً إلى “الصادق خذلنا” كأن هذه هو المطلوب بيانه. السيد الصادق سياسي واسع النفوذ ولا وصاية عليه في السبل التي يتخذها في توظيف هذا النفوذ. وهو رجال وغيره رجال كما قال جده الأغر. والمبدأ في هذا أن التغيير تاريخياً غالباً ما تم خارج أسوار المؤسسة الحزبية. فلم تستعدل الحركة الوطنية إلا بعد مظاهرة كلية غردون في 1946 احتجاجاً على الخلافات التي ضربت وفد السودان الحزبي بالقاهرة وتفرقه أيدي سبأ. وقس على ذلك في أكتوبر 1964 وأبريل 1985. وهذه همة سماها أستاذنا عبد الخاالق محجوب “عبقرية شعبنا”.
لو لم تنجح هذه الهبة في شيء لنجحت، في اتساعها تسقي بالدم أرض الوطن، في إحداث أكبر هزة في ميزان القوى المجمد لعقود لصالح النظام. وهو ما سماه محمد إبراهيم نقد ب”توازن الضعف” الراجح لصالح الحكومة. وهو هزة لم ينجح العمل المسلح ونفرات التفاوض ولا غضبات العالم في إحداثه. ويكفي أن القوى المسلحة والحزبية عادت منذ أديس أبابا خلو الوفاض من مفاوضات فاشلة.
ولهذا الترجيح في ميزان القوى لصالح المعارضة ما بعده. الواجب المباشر الآن أن تستعيد الجماهير بين العمال والمزارعين والطلاب والمثقفين أدواتهم النقابية. فمن المهم، وهم في أتون المعركة، إلا ينشغلوا عن “حرق” نقابة المنشأة واتحادات الطلاب والمزارعين والمثقفين المفروضة من الدولة بعقد جمعياتهم العمومية، وانتخاب قيادات شرعية لمواصلة الهبة. وسيكون هذه ممارسة للديمقراطية بحق اليد.
IbrahimA@missouri.edu
///////////////////