30  سنة من الحكم التمكيني القهري خلَّفت 150 سنة من تآكل رأس المال البشري

30  سنة من الحكم التمكيني القهري خلَّفت 150 سنة من تآكل رأس المال البشري
(مأساة خمسة أجيال سودانية تحت حكم الإسلاميين)

30 Years of Authoritarian Rule Have Resulted in 150 Years of Human Capital Erosion

 The Tragedy of Five Sudanese Generations Under Islamist Rule

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

مدخل

يأتي قرار الحكومة الأمريكية تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً ليضيف بعداً دولياً إلى حكم سبق أن أصدره الشعب السوداني نفسه. فرفض مشروع الإسلاميين لم يبدأ من الخارج، بل عبّر عنه السودانيون بوضوح في ثورة ديسمبر 2018 التي عمّت البلاد من أقصاها إلى أقصاها. ومع ذلك، فإن أهمية هذا التصنيف الدولي لا تكمن فقط في أثره القانوني والسياسي، بل في كونه يعكس إدراكاً متزايداً لدى المجتمع الدولي لطبيعة المسار الذي قاد السودان إلى العزلة والحروب وتآكل رأس ماله البشري. غير أن الحكم الحاسم على تلك التجربة لم يكن، ولن يكون، بيد العواصم الأجنبية وحدها، بل بيد الشعب السوداني نفسه، الذي دفع عبر خمسة أجيال ثمناً باهظاً لسياسات الحكم التمكيني، وهو اليوم الأقدر على رسم الطريق نحو دولة جديدة تقوم على الإنسان والمؤسسات لا على الأيديولوجيا والاحتكار.

ليس من السهل على أي شعب أن يراجع تجربة سياسية تركت وراءها هذا القدر الهائل من الألم والدمار. غير أن السودان اليوم، وهو يقف على أعتاب مرحلة جديدة بعد سنوات الحرب والانقسام، يحتاج إلى مراجعة صادقة لتجربة حكم الإسلاميين التي استمرت ثلاثين عاماً، وما ترتب عليها من آثار عميقة لم تقف عند حدود السياسة أو الاقتصاد، بل امتدت لتصيب الإنسان السوداني نفسه في صميمه.

لقد ارتبطت تجربة الإسلاميين في الحكم منذ انقلاب عام 1989 باستخدام العنف السياسي والإقصاء المنهجي. فقد بدأ النظام الجديد حكمه بتصفية المجال السياسي وإغلاق الصحف وحل الأحزاب واعتقال المعارضين، ثم توسع في استخدام أدوات القمع والأجهزة الأمنية، وفتح الباب أمام تنظيمات عابرة للحدود تمثلت في استجلاب عناصر تنظيم القاعدة تحت ستار المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي خلال تسعينات القرن العشرين. واستُخدمت هذه العناصر الإرهابية في سياقات محلية وإقليمية ودولية أدخلت السودان في دائرة العزلة والصدام مع المجتمع الدولي. وقد انتهى هذا المسار، بعد ثلاثة عقود، بمواجهة دامية مع الشعب السوداني الذي خرج في ثورة ديسمبر 2018 مطالباً بالحرية والسلام والعدالة.

لكن، رغم خطورة الإرهاب السياسي والقمع الذي مارسه هذا النظام، فإن العامل الأكثر عمقاً في تقييم تجربة الإسلاميين لا يكمن فقط في تلك الممارسات، وما قادت إليه من تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظنة إرهابية بواسطة الحكومة الأمريكية، بل في الأثر التاريخي الأوسع الذي تركته على رأس المال البشري في السودان. فالمأساة الحقيقية لتلك الحقبة لا تقاس فقط بعدد الضحايا أو سنوات الحكم، بل بما أحدثته من انقطاع تاريخي في تطور المجتمع السوداني، وهو انقطاع أصاب خمسة أجيال متعاقبة بآثار عميقة امتدت عبر ما يقارب قرناً ونصف من الزمن.

ما المقصود بـ «الجيل»؟ (تعريف مفاهيمي)

إن الفهم الأعمق للأثر الذي تركته تجربة الحكم الإسلامي في السودان، يتطلب النظر إلى المجتمع عبر ما يسميه علماء الاجتماع  بالتحليل الجيلي. فالجيل لا يُعرَّف فقط بوصفه مجموعة من الناس وُلدوا في فترة زمنية متقاربة، بل بوصفه جماعة بشرية تشكّل وعيها داخل لحظة تاريخية مشتركة وداخل بيئة مؤسسية محددة. وعلى هذا الأساس يتكون كل جيل من ثلاثة عناصر مترابطة:

  • الزمن البيولوجي الذي يحدد فترة الميلاد والتنشئة.
  • اللحظة التاريخية المؤسسة التي تشكّل وعيه السياسي والاجتماعي.
  • البيئة المؤسسية التي تشمل التعليم والدولة والاقتصاد والخطاب الثقافي.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها لأن مسار تطور الدول لا يتحدد فقط بالقرارات السياسية الآنية، بل بقدرة الأجيال المتعاقبة على إنتاج المعرفة والمهارة والخبرة. ولهذا يعد رأس المال البشري،  أي مجموع قدرات الناس التعليمية والمهنية والإبداعية، العامل الأكثر حسماً في التحول الاقتصادي والاجتماعي لأي مجتمع. وعندما تتعرض هذه القدرات للتآكل أو الانقطاع المتراكم عبر الأجيال، فإن أثر ذلك لا يظهر في لحظته فقط، بل يمتد لعقود طويلة في شكل تراجع اقتصادي وضعف مؤسسي وتأخر حضاري. و من هذا المنطلق، ينقسم المجتمع السوداني منذ الاستقلال إلى خمسة أجيال تاريخية رئيسية، لكل منها تجربته التكوينية الخاصة مع الدولة ومؤسساتها، تأثرت جميعها وعلى مدى مائة وخمسين عاماً بالحكم الإسلامي التمكيني القهري:

جيل الدولة الوطنية (1956–1969): بنى المؤسسات لكنه عجز عن تحصينها سياسياً

الجيل الأول (جيل الدولة الوطنية)، الذي  يتكون من مواليد ما قبل 1935 تقريباً تشكّل وعيه في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية (1956–1969)، ورث جهازاً إدارياً حديثاً نسبياً من الحقبة الاستعمارية، وتمتع بفرص تعليمية ومهنية مفتوحة نسبياً. وقد مثّل هذا الجيل الأساس البشري الذي قامت عليه مؤسسات الدولة السودانية في سنواتها الأولى. غير أن هذا المسار تعرض لاضطرابات سياسية متتالية حتى جاءت تجربة الإسلاميين لتدفع به نحو مسار مختلف تماماً. فعند وصولهم إلى السلطة عبر انقلاب يونيو 1989، كان ما تبقى من جيل الدولة الوطنية قد بلغ مرحلة الشيخوخة؛ وهي المرحلة التي يفترض أن تجني فيها الأمم ثمار خبرة مؤسسيها عبر الاستشارة والرعاية والتكريم المؤسسي. غير أن ما حدث في السودان كان عكس ذلك تماماً. فقد تعرض رموز هذا الجيل، الذين أسسوا الخدمة المدنية والقضاء والتعليم والإدارة الحديثة، للإقصاء المنهجي، بل زُجَّ بكثير منهم في السجون وبيوت الأشباح، وأُبعدوا قسراً عن مواقع التأثير العام. وبذلك لم تخسر الدولة السودانية أفراداً فقط، بل فقدت الذاكرة المؤسسية المتراكمة التي تشكل العمود الفقري لأي دولة مستقرة. لقد انقطع، لأول مرة منذ الاستقلال، انتقال الخبرة بين الأجيال، وتحول جيل البناء الوطني بفعل الإسلاميين إلى جيل مُستبعَد في لحظة كان الوطن فيها أحوج ما يكون إلى حكمته.

جيل القلق والانقلابات (1969–1989): بدأت فيه عسكرة وأدلجة السياسة وتآكل الاستقرار المهني

أما الجيل الثاني (جيل القلق الوطني والانقلابات)، الذي يتكون من مواليد 1950–1965 تقريباً تشكل وعيه في مرحلة الانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسي (1969–1989)، فقد عاش بداية تسييس مؤسسات الدولة وتآكل استقلالها المهني، رغم استمرار حضور الكفاءات المهنية التي نشأت في المرحلة السابقة. فإذا إذا كان جيل الاستقلال قد بنى الدولة، فإن جيل القلق الوطني شهد بداية انتقال مركز الثقل من المؤسسات إلى التنظيمات. ففي هذه المرحلة لم يسيطر الإسلاميون على الدولة بعد، لكنهم نجحوا في ما هو أعمق: إعادة تشكيل جزء مهم من رأس المال البشري السوداني ليصبح قابلاً لمشروع التمكين القادم. لقد كان انقلاب 1989، من منظور رأس المال البشري، تتويجاً لمسار بدأ في قاعات الجامعات والنقابات قبل أن يصل إلى القصر الجمهوري. ومن هنا يبدأ الفصل الأكثر حسماً: الجيل الذي لم يعاصر صعود المشروع الإسلامي فقط، بل تشكّل داخله بالكامل. لقد كان جيل القلق الوطني آخر جيل تلقى تعليماً منفتحاً قبل أن تُؤدلج المعرفة في السودان. وكان مؤهلاً لأن يقود انتقال البلاد إلى دولة مؤسسات حديثة. غير أن تجربة التمكين بعد 1989 لم تكتفِ بحرمانه من دوره، بل حوّلته إلى جيل منفي أو مُحبط داخل وطنه. وبذلك خسر السودان فرصته التاريخية لبناء طبقة مهنية مستقلة كان يمكن أن تشكل الجسر بين دولة الاستقلال ودولة المستقبل. ولم يكن هذا الإقصاء حادثة عابرة، بل كان بداية دورة تآكل ممتدة عبر الأجيال، لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

جيل التمكين (1989–2005): فريسة استبدال معيار الكفاءة بمعيار الولاء وأدلجة الدولة

غير أن التحول الأكثر عمقاً بدأ مع الجيل الثالث (جيل التمكين الأديولوجي)، الذي يتكون من مواليد 1970–1985 تقريباً وتشكّل وعيه خلال فترة حكم الإسلاميين بعد انقلاب عام 1989. ففي هذه المرحلة، شهد السودان عملية إعادة تشكيل واسعة للمؤسسات السياسية والإدارية والتعليمية في إطار مشروع أيديولوجي قائم على التمكين السياسي. وقد أدى ذلك إلى تسييس مؤسسات الدولة، وإقصاء أعداد كبيرة من الكفاءات المهنية، وإضعاف تقاليد الخدمة المدنية التي كانت تشكل أحد أهم مصادر رأس المال البشري للدولة السودانية. كما شهدت هذه المرحلة موجة هجرة واسعة للكفاءات المهنية والعلمية، خاصة في مجالات الطب والهندسة والتعليم، مما أدى إلى استنزاف طويل المدى لقدرات الدولة البشرية. لم يكن الجيل الثالث مجرد جيل عاش تحت حكم الإسلاميين، بل كان الجيل الذي جرت عليه عملية إعادة صياغة منظومة التعليم والعمل والاقتصاد وفق مشروع التمكين. وقد أسهمت تلك العملية في إضعاف رأس المال البشري السوداني عبر: تسييس التعليم، وإضعاف المهنية، وهجرة الكفاءات. وهكذا أصبح هذا الجيل نقطة التحول التي انتقل عندها السودان من دولة تعاني أزمات سياسية متكررة إلى دولة تواجه تآكلاً عميقاً في مواردها البشرية والمؤسسية. ويمثل جيل التمكين اللحظة التي انتقل فيها تأثير المشروع الإسلامي من المجال السياسي إلى المجال الأنثروبولوجي؛ أي إلى تكوين الإنسان ذاته. ففي هذه المرحلة لم تتغير الدولة فقط، بل تغيّرت قواعد النجاح والعمل والثقة والانتماء. فنشأ جيل كامل داخل منظومة جعلت الولاء بديلاً عن الكفاءة، والعنف والحرب بديلاً عن السياسة، والشبكة بديلاً عن المؤسسة. ومن هنا يبدأ الفصل التالي: الجيل الذي وُلد داخل نتائج هذا التحول، ولم ير الدولة إلا وهي تتآكل أمام عينيه.

جيل الأزمة والثورة (2005–2019): ورث مؤسسات ضعيفة واقتصاداً مختلاً ففجر الثورة بدلاً من الإصلاح التدريجي

أما الجيل الرابع (جيل الأزمة والثورة)، الذي يتكون من مواليد 1985–2000 تقريباً وتشكّل وعيه خلال الفترة بين اتفاقية السلام الشامل عام 2005 وثورة ديسمبر 2018، فقد نشأ في سياق دولة متآكلة المؤسسات واقتصاد يعاني من اختلالات بنيوية عميقة. وقد أدى ذلك إلى اتساع فجوة الثقة بين الشباب والدولة، وهي الفجوة التي انفجرت في نهاية المطاف في الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بنظام الإنقاذ في عام 2019. لكن الآمال التي صاحبت الثورة لم تستمر طويلاً. فقد دخل السودان بعد انقلاب أكتوبر 2021 الذي وقف وراءه الإسلاميون في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وبلغت ذروتها في الحرب المدمرة التي اندلعت في أبريل 2023  وأججها الإسلاميون، وقد أدت هذه الحرب إلى تعميق الأزمة الإنسانية والمؤسسية في البلاد. لقد نشأ الجيل الرابع في بيئة دولة منهكة نتيجة عقود من التمكين والفساد، وتشكّل وعيه في ظل التدهور الاقتصادي وتراجع جودة التعليم وغياب الفرص المهنية. غير أن هذه الظروف نفسها أسهمت في تكوين وعي سياسي جديد لدى هذا الجيل، دفعه إلى لعب دور محوري في ثورة ديسمبر. ويمثل جيل الأزمة والثورة نقطة انعكاس في مسار رأس المال البشري السوداني. فبعد عقود من إعادة تشكيل الإنسان عبر السلطة، ظهر جيل أعاد تعريف العلاقة مع الدولة من الأسفل إلى الأعلى. لم يكن هذا الجيل امتداداً للمشاريع الأيديولوجية السابقة، بل قطيعة معها. لقد طالب بدولة طبيعية لا دولة عقائدية، وبمستقبل مهني لا ولاء سياسي. لكن إسقاط النظام لم يكن نهاية القصة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً: جيل جديد سيولد داخل دولة منهكة وحرب مفتوحة، وسيواجه تحدياً مختلفاً تماماً. وبذلك فإن هذا الجيل يمثل مفارقة تاريخية مهمة في مسار رأس المال البشري السوداني: فهو جيل تأثر سلباً بتدهور المؤسسات، لكنه في الوقت نفسه كان القوة الاجتماعية التي حاولت استعادة تلك المؤسسات عبر الثورة.

جيل الحرب وتفكك الدولة (2019–الآن): ينشأ في ظل غياب الإطار المؤسسي نفسه

وهنا يظهر الجيل الخامس، الذي يمثل الأطفال والشباب المولودين خلال 2005–2020 تقريباً نشأوا في ظل الانهيار المتسارع للدولة منذ عام 2021. وتشير تقارير المنظمات الدولية، وخاصة اليونيسيف، إلى أن ملايين الأطفال السودانيين يواجهون ظروفاً غير مسبوقة من النزوح وفقدان التعليم وتدهور الخدمات الصحية. ويهدد هذا الواقع بإنتاج جيل كامل يعاني من فجوات تعليمية وصحية عميقة، ما لم يتم التعامل مع الأزمة بسرعة وفعالية. لقد كان من المفترض أن يستفيد هذا الجيل من الانفتاح الدولي الذي بدأ بعد الثورة ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 2020. غير أن انقلاب أكتوبر 2021 أوقف هذا المسار وأعاد السودان إلى العزلة السياسية والاقتصادية، قبل أن تأتي حرب 2023 لتضاعف آثار الحصار عبر تدمير الاقتصاد والخدمات العامة. ونتيجة لذلك نشأ هذا الجيل في بيئة تجمع بين العزلة الدولية والحرب والانهيار المؤسسي، وهي ظروف تهدد بتقويض تكوين رأس المال البشري في السودان لسنوات طويلة قادمة.

الدرس التاريخي

تكشف قراءة الأجيال أن أخطر ما يمكن أن يفعله أي مشروع سياسي هو محاولة إعادة تشكيل المجتمع عبر السيطرة على الدولة بدلاً من تطوير الإنسان. فالدولة يمكن إسقاطها بثورة، لكن آثار تشويه رأس المال البشري تحتاج عقوداً لإصلاحها. وهذا ما يجعل خسارة السودان صامتة لكنها عميقة.

  • الجيل الأول (الدولة الوطنية) أُُقصِي في شيخوخته.
  • الجيل الثاني (القلق الوطني) أُُقصِي في ذروة عطائه.
  • الجيل الثالث (التمكين) أُعيد تشكيله أيديولوجياً.
  • الجيل الرابع (الثورة) نشأ في بيئة مؤسساتية منهارة.
  • الجيل الخامس (الأطفال اليوم) ورث دولة بلا ذاكرة مؤسسية.

وهذا يثبت أن تجربة الإسلاميين في الحكم التي بلغت ثلاثين سنة لم تؤثر على لحظة سياسية عابرة، بل: أعادت تشكيل البنية العمرية لرأس المال البشري السوداني بأكمله عبر فترة تناهز المائة وخمسين سنة. وأن أثر المشروع الإسلامي لم يكن حدثاً سياسياً معزولاً، بل مساراً تاريخياً أعاد تشكيل رأس المال البشري السوداني تراكميَّاً عبر قرن ونصف: جيل بنى الدولة، وجيل افترسته الأيديولوجيا، وجيل أُُخضِع للتمكين، وجيل تمرّد وأسقط، ثم جيل يبحث الآن عن بداية جديدة. وبذلك يصبح السؤال المركزي لمستقبل السودان ليس فقط كيف تُبنى الدولة، بل: كيف يُعاد بناء الإنسان، الذي حطمه مشروع الإسلاميين لتقوم عليه الدولة؟

النصيحة القاسية

إن هذا الواقع يفرض اليوم على الإسلاميين وقفة مراجعة صادقة. فالسودان الخارج من الحرب يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته واستعادة طاقاته البشرية، وهي مهمة تتطلب بيئة سياسية جديدة تتجاوز إرث الصراع والإقصاء. وفي هذا السياق، قد يكون من الحكمة أن ينظر الإسلاميون في خيار الابتعاد الطوعي عن إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة، إفساحاً للمجال أمام عملية إعادة بناء الدولة وترميم ما أصاب المجتمع من تصدعات عميقة في إطار ما حكم به الشعب السوداني في ديسمبر 2019. فالمشاركة السياسية لا تعني بالضرورة التمسك بالسلطة في كل مرحلة، بل قد تعني أحياناً منح المجتمع فرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب أولوياته.

كما أن التجارب الإقليمية المعاصرة تقدم دروساً واضحة في هذا الصدد. فقد أظهرت مسارات حركات أيديولوجية في المنطقة، مثل حماس وحزب الله والحوثيين، أن الاستمرار في تحدي الإرادة الشعبية والدولية والانخراط في صراعات مسلحة محلية أو إقليمية يؤدي في النهاية إلى عزلة سياسية وأزمات وجودية تهدد مستقبل هذه الحركات نفسها.

إن التاريخ الإسلامي ذاته يقدم مثالاً مختلفاً تماماً. فالنجاح الأكبر في نشر الإسلام عبر القرون لم يتحقق من خلال السيطرة على السلطة السياسية، بل عبر الدعوة والتجارة العفيفة والعلم وبناء المجتمعات. لقد كان تأثير العلماء والدعاة والتجار النزيهين في انتشار الإسلام أوسع وأعمق من تأثير الدول والحكومات. ومن هنا، فإن أي مراجعة حقيقية من الإسلاميين لتجربتهم في التحكم في السودان ينبغي أن تبدأ بالتخلي عن الفكرة التي ربطت بين الدين والسلطة السياسية باعتبارها الطريق الوحيد لخدمة الإسلام. فقد أثبتت تجربة الإسلاميين الماضية أن رفع الشعارات الدينية لا يمنع الوقوع في الاستبداد أو الفساد أو سوء الإدارة.

إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جديد يعيد الاعتبار للإنسان السوداني ولطاقاته الكامنة، ويضع بناء الدولة والمؤسسات فوق الصراعات الأيديولوجية. وإذا أراد الإسلاميون أن يكون لهم دور إسلامي دعوي حقيقي في مستقبل السودان، فإن الطريق الأكثر حكمة قد يكون عبر مراجعة عميقة لتجربتهم السابقة، والعمل على إعداد قيادات جديدة تركز على المعرفة الدينية والخدمة الاجتماعية، لا على أساليب الانقضاض على السلطة واحتكارها.

إن تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً لا يمثل سوى اعتراف دولي متأخّر بحقيقة سبق أن أعلنها الشعب السوداني بنفسه في ثورة ديسمبر المجيدة. فقبل أن تصدره العواصم الأجنبية، كان حكم التاريخ قد صدر من شوارع السودان عندما خرج الملايين لإسقاط نظام دمّر الدولة وأهدر طاقات المجتمع. لكن المأساة الأكبر لا تكمن في ثلاثين عاماً من الحكم التمكيني القهري، بل في الثمن الإنساني الذي دفعته البلاد: ضياع خمسة أجيال سودانية وتآكل رأس مالها البشري لما يقارب قرناً ونصف. ولذلك فإن استعادة السودان تبدأ أولاً باستعادة الإنسان الذي أضاعته تلك التجربة.

لقد قال الشعب السوداني كلمته بوضوح في ثورة ديسمبر، حين خرج بالملايين مطالباً بالتغيير. وهذه الكلمة لم تكن موجّهة ضد الحركة الإسلامية بعينها، بل ضد نمط كامل من الحكم قام على الإقصاء والاحتكار وادعاء تمثيل المجتمع باسم الدين. ولعل الرسالة الأهم اليوم هي أن السودان لا يستطيع أن ينهض من جديد إلا إذا تحرر من هذا الإرث، وفتح الباب أمام جيل جديد يبني مستقبله على أساس الحرية والمسؤولية واحترام إرادة الشعب.

أما الإسلاميون أنفسهم، فإن الفرصة لا تزال قائمة أمامهم لتحويل هذه اللحظة التاريخية إلى بداية مراجعة صادقة تعيد لهم دوراً فكرياً واجتماعياً ودعوياً في المجتمع، بعيداً عن الصراع على السلطة الذي أثبتت التجربة أنه لم يجلب للإسلاميين ولا للسودان سوى الخسارة التي التي أفقدت الوطن خمسة أجيال عبر فترة ناهزت المائة وخمسين سنة. فالأمم لا تنهض بالسلطة وحدها، بل تنهض بالإنسان. والإنسان السوداني هو الثروة الحقيقية التي ينبغي أن تكون في قلب أي مشروع لمستقبل السودان، خلافاً لما فعله به حكم الإسلاميين.

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …