أصداء الوعي..ادم ابكر عيسي
تعاني التجربة السياسية السودانية، منذ لحظة الاستقلال وحتى هذا اليوم، من أزمة بنيوية عميقة، تتجلى في هوة واسعة بين خطاب سياسي زاخر بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين ممارسة واقعية تتسم بنزوع هيمنوي وإقصائي. وما هذه الإشكالية بعارضة أو طارئة، بل هي متأصلة في بنية الأحزاب السياسية ذاتها، التي ظلت بعيدة عن ممارسة الديمقراطية الداخلية سلوكاً ومنهجاً، مكتفية بخطاب تنظيري يستهدف كسب ود الجماهير دون أن تترجم مبادئها المعلنة إلى واقع ملموس.
فالمطالبة ببناء دولة ديمقراطية حقيقية تظل حلماً بعيد المنال، حين تفتقر الأحزاب السياسية ، وهي النواة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، إلى الممارسة الديمقراطية في بنيتها الداخلية. إذ ظلت هذه الأحزاب، بغض النظر عن توجهاتها الإيديولوجية، محكومة بهياكل مركزية تكرس ثقافة الزعامة الفردية وتهميش عضويتها والأطراف ، وتغذي ثقافة نفي الآخر وعدم تسوّغ المبادئ والقيم السياسية التي تدعو إلى حق المواطنة المتساوية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى فالأحزاب التي تنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان في علاقاتها مع السلطة، تمارس داخلياً أشكالاً من الإقصاء والتهميش لا تختلف كثيراً عما تنكره على غيرها. وهذه الازدواجية الأخلاقية والسياسية جعلت من الديمقراطية مجرد أداة للوصول إلى السلطة، لا قيمة جوهرية للحياة السياسية.
ومنذ عام 1945 وحتى عام 1989، برز نمط متكرر في السياسة السودانية، تمثل في استعانة الأحزاب بالمؤسسة العسكرية للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، مما يعكس فشلاً ذاتياً في القدرة على إدارة الصراع السياسي عبر الوسائل السلمية والديمقراطية. ولم يأتِ هذا الاستدعاء المتكرر للجيش من فراغ، بل جاء نتيجة غياب النقد الذاتي الجاد من جانب الأحزاب، وعجزها عن الاعتراف بأخطائها وإعادة النظر في سياساتها. فالمؤسسة العسكرية، التي يفترض أن تكون حيادية وحامية للدستور، تحولت في سياق الصراع السياسي السوداني إلى لاعب رئيسي، بل وفي كثير من الأحيان إلى محكم في النزاعات السياسية، مما يعكس ضعفاً بنيوياً في الثقافة السياسية السودانية، حيث تغيب آليات فض النزاعات السلمية، وتطغى ثقافة القوة على ثقافة الحوار والتوافق.
وإن الفشل في صياغة دستور دائم للسودان ليس مجرد عجز تقني أو قانوني، بل هو نتاج لصراع الأيديولوجيات والهويات الذي طغى على مفهوم المواطنة المتساوية. فكل حزب أو تيار سياسي سعى إلى فرض رؤيته الخاصة للدولة والهوية، متجاهلاً أن الدولة الديمقراطية تقوم على الاعتراف بالتنوع وإدارته، لا على محوه أو تهميشه. وقد تحول الصراع السياسي في السودان من صراع حول البرامج والسياسات إلى صراع وجودي حول الهوية، مما جعل المواطنة مجرد شعار يُتداول في المناسبات، بينما يظل الواقع مليئاً بالتهميش والإقصاء على أسس جهوية أو عرقية أو دينية. وهذا الصراع الأيديولوجي لم يترك مجالاً للتوافق الوطني حول أسس الحكم والدستور، وظل السودان يعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي والدستوري.
وفي قلب هذه الإشكالية يبرز غياب التربية الوطنية التي تغرس مفهوم الوطن والأمن القومي في مبادئ الأحزاب السياسية. فقد سهّل هذا الغياب عملية اختراق هذه الأحزاب وجعلها منفذاً لتنفيذ أجندات دول وقوى عالمية تريد السيطرة على النظام السياسي، وتقدم لها وصفات جاهزة لتكون تابعة لها. وهذا ما أراده المستعمر حين سلم مفاتيح الاقتصاد والسياسة إلى مكونات سياسية معينة، وعمد إلى إقصاء مكونات أخرى اجتماعية أو سياسية . فمن الطبيعي إذن أن يستمر الصراع، وأن تكون الحرب الحالية نتيجة طبيعية لتآمر الداخل مع الخارج من أجل خلق هياكل تبعية تدين بالولاء للخارج. وهذه الحقيقة تكشف أن الأزمة السودانية ليست مجرد صراع محلي على السلطة، بل هي امتداد لعلاقات تبعية مورست منذ الاستقلال، وجعلت من السودان ساحة لتنفيذ مصالح خارجية على حساب السيادة الوطنية ومصالح الشعب.
إن التجربة السياسية السودانية بحاجة ماسة إلى مراجعة ذاتية جادة من جانب القوى السياسية، تتجاوز الخطاب الإنشائي إلى نقد ذاتي موضوعي لأدائها التاريخي. فالأحزاب مطالبة اليوم بأن تعترف بأخطائها، وأن تعيد صياغة رؤيتها لتكون أكثر تطابقاً مع هموم الناس وتطلعاتهم في العيش الكريم والكرامة والعدالة. وهذه المراجعة لا تعني التخلي عن المبادئ أو التسوية في الثوابت، بل تعني القدرة على الاعتراف بالخطأ، والاستعداد لتجاوزه، والانفتاح على الآخرين. فالديمقراطية ليست مجرد آلية للتنافس على السلطة، بل هي ثقافة وفلسفة حياة تقوم على الاعتراف بالآخر وحقوقه، وقبول نتائج الانتخابات وصناديق الاقتراع دون إقصاء أو عزل سياسي لأي حزب.
إن بناء نظام سياسي يهتم بالوطن والمواطن يتطلب تحولاً جذرياً في الثقافة السياسية السودانية، يقوم على ترسيخ ثقافة الديمقراطية الداخلية في الأحزاب والتنظيمات السياسية، بحيث تكون نموذجاً للممارسة الديمقراطية التي تدعو إليها، لا مجرد خطاب تنظيري. ونزع صفة التقديس عن النخب السياسية، وإفساح المجال للأجيال الجديدة والكفاءات الوطنية من الشباب والنساء للمشاركة في صنع القرار، بعيداً عن سياسات التوريث والزعامة الفردية. وترسيخ ثقافة قبول الآخر والتعايش، والاعتراف بالتعددية الثقافية والسياسية كمصدر غنى للوطن، لا كتهديد للهوية. وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة المتساوية، وجعله أساساً لكل السياسات والتشريعات، بما يضمن حقوق جميع السودانيين في المشاركة والتمثيل والكرامة.
وأما قضية علاقة الدين بالسياسة، فهي من القضايا الحساسة التي لا يمكن فرض حلولها من فوق، ولا استيراد قوالب جاهزة لا تتوافق مع طبيعة المجتمع السوداني المعقد. إن السودان، بمجتمعه القبلي المتعدد الأعراق والثقافات والمعتقدات، يحتاج إلى حوار وطني سوداني-سوداني صادق وجاد، تُطرح فيه هذه القضية بكل تلقائية ووعي، بعيداً عن الاستقطاب والتعصب، حتى يخرج الناس بتوافق يرتضونه جميعاً. وما يُتفق عليه في هذا الحوار الوطني الشامل يجب أن يُعرض على الاستفتاء الشعبي، ليكون دستور السودان تعبيراً صادقاً عن إرادة جميع أبنائه، لا عن رؤية حزب أو فئة بعينها. فالدولة التي ننشدها هي دولة تحمي حقوق الجميع وتضمن حريتهم في المعتقد، بعيداً عن استخدام الدين أو الدولة أداة لهيمنة فئة على أخرى. وهذه ليست وصفة مستوردة، بل هي ديمقراطية سودانية خالصة، تنبع من تربة هذا الوطن، وتلتزم بقيم العدالة والمساواة التي لا تفرق بين مواطنيها.
وهذا الحوار الوطني، إن أريد له النجاح، يجب أن يُصاغ دستور دائم يعبر عن إرادة جميع السودانيين، ويضع آليات واضحة لتداول السلطة وحل النزاعات، ويضمن استقلالية القضاء والمؤسسات الدستورية. فالدستور ليس مجرد وثيقة قانونية جافة، بل هو العقد الاجتماعي الذي يربط السودانيين ببعضهم، ويحدد قواعد اللعبة السياسية بما يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.
إن الأزمة السياسية في السودان ليست مجرد أزمة قيادة أو مؤسسات، بل هي أزمة ثقافة سياسية راكمتها عقود من الممارسة الإقصائية وهيمنة النخب. والخروج من هذه الأزمة يتطلب تحولاً جذرياً في طريقة تفكير النخب السياسية وفي علاقتها بالمجتمع، بحيث تصبح الديمقراطية قيمة حية تمارس داخلياً قبل أن تُطالب بها الآخرين. والأحزاب السياسية اليوم أمام اختبار تاريخي: إما أن تراجع نفسها وتصلح خطابها وتنفتح على المجتمع، وإما أن تظل أسيرة خطابها القديم وإقصائيتها، مما يعني استمرار الأزمة وتعميقها، واستمرار دور المؤسسة العسكرية كمسيّر للشأن السياسي، وفقدان الثقة في السياسة والسياسيين.
إن بناء الدولة الديمقراطية المنشودة يبدأ من الأحزاب نفسها، من قدرتها على تجاوز خطابها الأيديولوجي الضيق، والانفتاح على قضايا الناس الحقيقية البطالة، والفقر، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية. وعندما تتحول الأحزاب من آلات للتنافس على السلطة إلى قنوات للتعبير عن هموم الناس ومطالبهم، وعندما تترجم شعارات الديمقراطية إلى ممارسة فعلية داخل هياكلها، عندها فقط يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية حقيقية تحترم حقوق الإنسان وتكرّس المواطنة المتساوية. فالسودان غني بموارده وإمكاناته البشرية والحضارية، وهو قادر على تجاوز أزماته إذا توافرت الإرادة السياسية الصادقة، والتزمت النخب بالمراجعة الذاتية والنقد الموضوعي، وأدركت أن التنافس عبر صناديق الاقتراع، واحترام إرادة الشعب، هو السبيل الوحيد للخروج من دائرة العنف والانقلابات.
rukadam77@gmail.com
