مآسى المتأثرين بسد مروى تتواصل .. بقلم: علي عسكوري

 

aliaskouri@gmail.com
5 يونيو 2018

ترى هل قامت الدولة السودانية على ماسآة، ولذلك إحترف ساستها خاصة الإنقاذيون صنع الكوارث والفواجع! فما يكادوا يخرجوا من كارثة وفاجعة فى جهة إلا إرتكبوا فاجعة جديدة فى جهة أخرى حتى أصبحت حياة سكان البلاد تنتقل من فاجعة الى أخرى ومن كارثة إلى نكبة! بل بلغ الأمر بساسة الإنقاذ أن يرتكبوا فواجع متكررة فى المجتمع الواحد. ذلك هو حال مجتمع المتأثرين بخزان الحماداب، الذين ماكادوا أن يخرجوا من فاجعة جريمة الإغراق المتعمد، حتى وجدوا أنفسهم فى كارثة هضم حقوقهم، والآن يواجهون وأطفالهم الموت نتيجة الإهمال المتعمد!

لم يطل المقام بالسودانيين حتى نسوا الدعاية والاكاذيب التى ما انزل الله بها من سلطان عن خزان الحماداب التى نسقتهما وخططت لهما بعناية فائقة الشركات المستفيدة من المشروع بقيادة شركة لاهماير الالمانية وتولت اخراجهما ونشرهما وبثهما بكثافة ادارة الخزان ومن خلفها كبار المستفيدين من المشروع ابتداء من الاسرة الحاكمة وحتى أصغر لصوص الإنقاذيين.

كنت قد كتبت منذ بداية تنفيذ المشروع ان الخزان لن يحل مشكلة الكهرباء ولن يضيف شيئا للمساحة الزراعية … وكنتيجة لذلك إتهمنى صبية الإنقاذ ومروّجى أكاذيبها بالخيانة والعمالة ووصفونى بأنى مخلب قط للصهاينة واليهود الذين يستهدفون شرع الله والدولة الاسلامية و”مشروع القرن”..!. بدورى رفعت تلك التهم الجزافية الظالمة الى من لا يظلم عنده أحد. ولاحقاً فصّلت كل تلك الاكاذيب وغيرها وفندتها فى كتاب عن المشروع الكذبة اللقيط نشرته ٢٠١٤.

قليلون صدقونى وقتها للاسف.. أما الأكثر أسفاً أن تكذيبى لم يأت من عملاء النظام و صبيته فقط، بل شمل ” التخوين” بعض المعارضين. كان أكثر ما آلمنى مشاركة بعض المعارضين لصوص الانقاذ فى “تخوينى”، بل تجرأ أحد اولئك المعارضين وقال لى فى وجهى فى لندن:”علينا كمعارضين ان نفرق بين العمل الوطنى وبين الخلاف السياسى”، فأسررتها فى نفسى، لان قناعتى الراسخة هى ان نظام الاخوان المسلمين لا يمكن ان يعمل عملا وطنيا مطلقا لسبب بسيط وهو ان الاخوان المسلمين لايؤمنون بالدولة الوطنية ابتداء، فكيف لهم اذن ان يعملوا عملا وطنياً! وعلى كل، تبقى تلك نظرة بعض المعارضين لنظام فشلوا لقرابة الثلاثين عاما فى فهم طبيعته..!

كان لصوص الانقاذ ينظرون الى بلايين الدولارات التى سيتمكنون من (لهطها) تحت لافتة المشروع، مقابل بيع الامانى الخلب والوعود الكاذبة من خلال الدعاية الكثيفة لعامة السودانيين. شرد المشروع ما يزيد على المائة الف من المواطنين ودمر حياتهم واغرق واحدة من أغنى المناطق بالاثار فى السودان قبل ان يتم كشفها، ودمر منطقة عامرة على طول ١٧٤ كيلومتر جنوب شرق الخزان وأغرق الشلال الرابع بكامله قبل أن يراه السودانيون. الغريب فى الامر ان أغلب السياسيين و الناشطين و المتحدثين والكتاب والصحفيين لم يكلف نفسه الى اليوم عناء زيارة المنطقة المنكوبة والوقوف على حياة المجتمعات التى تم تشريدها.

انه من الصادم جدا ان لا يكلف أي من هؤلاء ولفترة تقارب الثمانى سنوات نفسه بزيارة المنطقه للوقوف على حقيقة ما وقع! يسمعون بأخبار هذه القصايا كما يسمع بها الساسة والصحفيون فى اوروبا و غيرها، بل فى حقيقة الامر يستقون معلوماتهم عن بلادهم من الصحف الاجنبية! رغم ذلك لا يترددون فى تنصيب أنفسهم كمتحدثين باسم (الجماهير)! ولو إكتفى هولاء بالحديث عن سكان الخرطوم لما ” هبشناهم”! رحم الله الدكتور عبد النبى على أحمد الامين الاسبق لحزب الامة الذى بادر فى أوج الاغراق وذهب ليتفقد المجتمع ويقف على الكارثة بنفسه ويعلن تضامنه. لقد كان ذلك سلوك فريد من شخص وطنى متفرد… وفى شهر الرحمة هذا ندعوا الله ان ينزل شآبيب رحمته عليه.

بعد ثمان سنوات من الاغراق تمكن أهلنا معتمدين – بعد الله – على سواعدهم وقوة عزيمتهم وإرادتهم من اعادة بناء حياتهم من جديد بعد ان تمسكوا بالبقاء فى ارضهم رغم سعى الحكومة ولصوصها بالمكر وبالعنف لاخراجهم للصحارى لبيع الارض وهى أرض تعادل مساحة إمارة قطر أكثر من خمس مرات. لكن وللاسف ما كل التأثيرات والنتايج يمكن حلها بالارادة والعزيمة وقوة الشكيمة. فهنالك تأثيرات تتطلب معالجات علمية لا تتوفر فى المجتمع وتتطلب تدخلا من الدولة او المنظمات المختصة.

من المعروف ان بحيرات السدود تغير البيئة الطبيعية للكائنات الحية، ولذلك يختلط الحابل بالنابل وترتبك المنظومة الايكولوجية وتبداء الكائنات فى محاولة للتوائم مع البيئة والمتغيرات الجديدة. تقود هذه الربكة الى تقاطع شديد بين حياة الكائنات بما فيهم البشر. من هذه الكائنات العقارب والزواحف الاخرى، التى تفقد حواضنها التقليدية نتيجة الإغراق وتخرج بكثرة بحثاً عن مواقع جديدة ولذلك تصبح أكثر اختلاطا بالبشر. لكل ذلك يصبح البشر خاصة الاطفال أكثر عرضة للاصابة بشرورها خاصة العقارب التى يقعون ضحية للسعاتها وسمومها.

انه لأمر يقطع نياط القلب ويثير الحزن والاسى والصدمة فى النفس ان تقتل العقارب سبعة أطفال فى شهر واحد، ولو كان الأمر حرباً لأمكن فهم ذلك! يحدث ذلك بينما تتفرج (الدولة) ومؤسساتها على ما يجرى دون ان يرتد لها طرف، ويعجز “والى” الولاية عن توفير مضادات السموم..! وبينما يموت اطفالنا من لسعات العقارب يقضى الوالى وقته متنقلا من دعوة افطار الى اخرى فى الخرطوم..! ولا ادرى ما معنى ان يكون الشخص واليا لولاية هو عاجزا عن توفير ابسط الادوية الضرورية لسكانها… فقيمة المضاد للسم لا يكلف ما يكلفه صحن عصيدة! ولكن الرجل غير مهتم، بل ينصب تركيزه على التنقل بين موائد الافطار فى الخرطوم بينما يجتهد أهلنا فى البحث عن الموارد لنتوفير المضادات لانقاذ الاطفال وغيرهم. وطالما كان الرجل عاجزا عن توفير المضادات فأكرم له أن يستقيل، لأنه فاشل حتى بمعايير الانقاذ للفشل.

وبينما تنتج الولاية ذهبا بمئات الملايين من الدولارات وتصدر الاسمنت وغيره، عجز الوالى من كل تلك العوائد عن توفير مبلغ خمسة او عشرة الف دولار يخصصها لشراء الامصال ومضادات السموم! يريد لنا الوالى ان نقبل ان الولاية ليس لها من الموارد ما يغطى تكلفة الامصال…!

يوما بعد يوم تزداد قناعتى ان الدولة فى السودان قد تآكلت وانتهت، وقد آن الاوان للسودانيين ان يبحثوا عن دولة جديدة يكون فيها لحياة البشر قيمة ويكون للمسؤلين فيها ماء وجه يخجلون عندما يموت الاطفال تحت رعايتهم نتيجة لتقصيرهم واهمالهم وفشلهم! وليس لديّ أدنى شك أن أرواح اولئك الأطفال تقع المسؤلية المباشرة عنها على الوالى.. وسيسأل عنها من مليك مقتدر!

لقد صدق من قال ان مسؤلى الانقاذ من رئيسهم حتى اصغر مسؤل فيهم فقدوا معنى الحياء… والحياء شعبة من شعب الايمان… ” وان لم تستح فاصنع ما تشاء” او كما قال (ص).

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً