الكلام المباح في ملمات الأفراح والأتراح: الحلقة اللأولي .. بقلم: عبدالله محمد أحمد الصادق
صينية الغداء في ملمات الأفراح والأتراح تجمع مستويات مختلفة من الناس كالغني والفقير والتاجر وسائق الكارو والموظف واستاذ الجامعة والضابط والجندى والشيوعي والأنصارى، فالناس في أحيائنا الشعبية يتفاوتون في أرزاقهم ومستوياتهم الثقافية لكنهم لا يتمايزون ويتعالي بعضهم علي بعض، ولا يعترف أطفالهم بالفوارق الطبقية والاجتماعية منذ صغرهم وفي مراحل التعليم وكثير من المتعلمين يعانون من الأمية الحضارية والاجتماعية، وتتحول الصداقات والعلاقات الحميمية في مرحلة الطفولة والشباب الي علاقات بين الأسرر تتعزز بالمصاهرة، وكذلك علاقات العمل والزمالة بين الموظفين والموظفات بدواوين الحكومة والشركات، والناس في ملمات الأفراح والأتراح يتبادلون الأحاديث أثناء الطعام، وتحولت المناقشة علي صينية الغداء الي ندوة ومناظرة سياسية تحت ظلال أشجار النيم الفيحاء وتواصلت حتي صلاة المغرب، وكان الكيزان من أولاد الحارة حاضرون ولا يزيد عدهم علي عدد أصابع اليد الواحدة لكنهم أصبحوا ظل السلطة في الحارة بعرباتهم الحكومية وبدت عليهم أثار النعمة، وقديما قالوا السلطة كالنار من ابتعد منها لم ينل شيئا من دفئها ومن اقترب منها أحرقته، ولولا شنآن قوم لكانت السلطة عبئا ثقيلا ومسئولية دينية وأخلاقية ووطنية كبرى، لأنها كالراعي حول الحمي يوشك أن يقع في الظلم أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، ورفضها الحسن بن علي بن أبي طالب عندما جاءته تسعي بقدم وساق بوفاة يزيد بن معاوية، وكان عمر بن الخطاب علي فراش الموت عندما اختار جماعية الشورى لاختيار خليفة من بينهم واختار أبو أيوب الأنصار حاجبا ومراقبا عليهم، وكان أبو أيوب يظن أن السلطة كرة من نار وأن كل منهم سيرمي بها في حجر صاحبه وخاب طنه ماعدا عبد الرحمن بن عوف الذى تنازل عن ترشيح نفسه ليكون حكما بين المتنازعين علي السلطة، وأفتي فقهاء السلطة ليزيد بن عبد الملك بأن القلم رفع عنه بمبايعته خليفة لكن القلم كان هاجسا مخيفا ينتاب عمر بن الخطب وكان يقول ليت أم عمر لم تلد عمر، وقال أبو العتاهية اذا جار الأمير وكاتباه وقاضي الأرض داهن في القضاء فويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء، وكان ماللك بن ديار يحذر تلاميذ من أكل طعام السلاطين أو قبول هداياهم لما فيها من شبهة الظلم، وسأله موظف حكومي صغير هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال له ان أعوان الظلمة هم الذين يصنعون لهم طعامهم ويغسلون لهم ثيابهم أما أنت فمن الظلمة أنفسهم، والقاعدة الأصولية في الاسلام لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقال الامام الغزالي ان الطلاب في زمانه كانوا يقبلون علي علوم الفقه والحديث لمنافقة السلاطين وأكل أموال اليتامي والمساكين، والطلاب في عصرنا هذا يقبلون علي دراسة الاعلام لمنافقة الحكام وتضخيم الانجازات وتبرير الاخفاقات وتلميع الشخصيات، وليس في الدول العربية اعلاما حرا ولا يختلف الاعلاميون العرب عن الشعراء العرب الذين كانوا في خدمة السلطة والمال والجاه والنفوذ، وينسب لسطان حكيم قوله أسعد مني رجل داره وسيعة وزوجته مطيعة ودابته سريعة لا يحتاج الينا فنزدريه ولا يعرفنا فنؤذيه، وقال عبدالله بن عمر لا أقاتل في الفتنة وأصلي خلف من غلب لكن بعض الناس كانوا يصلون خلف علي ويأكلون عند معاوية، واعتصم سعد بن أبي وقاص خال النبي وبطل القادسية بالبادية لكي لا يشارك في الصراع علي السلطة، واستعان الترابي علي الداخل بأعداء الديموقراطية في الخارج فأمدوه بجنود من ريالات ودولارات بترولية فقد كانت النظم الشمولية في العراق وايران ومصر والنظم الوراثية بدول الخليج تخشي من عدوى الديموقراطية في السودان، وتذكرني هجرة الشباب من كل أسقاع السودان الي الجبهة الاسلامية بهجرتهم الي مناطق تعدين الذهب، فقد رأى الشباب أقرانهم من الفاقد التربوى يرثون المناصب الادارية والمنازل الحكومية وعربات الاندروفر التي ورثها أولاد الجلابة من الاستعمار ويتزوجون العاصميات الفاتنات في الخراطيم وتهملج بهم البرذونات الألمانية واليابانية المكيفة، ولا يحتاج ذلك للاغتراب والشهادات الأكادمية والخبرة العملية وليس المطلوب سوى الطاعة العمياء في المنشط والمكره والسراء والضراء، والأولوية لأولاد الفقراء من الطلاب للصراخ في وجه دعاة الحرية والديموقراطية ودولة المواطنة، فقد كان الكيزان كثيرون بالعوالق والطفليات والصخب والضجيج الاعلامي، لكن ذلك كان كالنباتات الطفيلية التي نطغي علي الزرع وتحجب عنه ضوء الشمس والكائنات الطفيلية التي لا تسطيع القيام بذاتها ولا بد لها من جسم تتسلل اليه وتعيش فيه، فقد كانت الحركة الاسلامية تحمل في أحشائها جراثيمها القاتلة.
لا توجد تعليقات
