عيال الحديقة- (الحلقة السادسة و العشرون) .. بقلم: عادل سيداحمد
16 سبتمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
112 زيارة
وكانت الأنظار تتوجه إلى (منصُور)، في المرات القليلة، التي يغيب فيها (الخال) من منصة أمسية الحديقة وتوجيه دفتها، لأسباب جدُّ قاهرة: كالسفر أوالمرض، و في أحيان قليلة قعدة، مُنافِسة، أُخرى، أشدُّ رونقاً و بهاء.
وفي تلك السوانح النادرة، كان يشدو لرواد الأمسية (بفرمالتو): ما هوعارف قدمُوالمِفَارِقْ!
أما في وجود ( الخال)، فقد كان يتقهقر (بجدارة )، مُتراجعاً إلى مرتبة الأنتيكة رقم اتنين… رغم أنه كان يُجادل (الخال)، جدالاً عقيماً في أساطيره، بغرض إبراز العضلات، أكثر من كونه: إحقاقاً للحق، أوإثراءً لمعلومات بقيّة الأناتيك، والمفروشات لاحقاً، من ذوي الأفواه الفاغرة والعقول الفارغة.
وبرغم أن (منصور )، نصف المثقف، كان خريج كلية الآداب في جامعةٍ مرموقة، إلا أنه ترك دُنيا الآداب وصار: (ود ســـوق!)، بُعْيد تخرُّجهِ… أمّا (كيف انضم للأماســـي): فلذلك قصة طويلة، كان يتشدق بها، كلما: دانت له الفرصة بكونه متحدثًا رئيسيًّا في منصة قعدة الحديقة…
ولعل أهم ما فيها:
أنه التحق بالمطبعة، أولاً، مندوباً للمبيعات فيها، على عهد المرحوم… ثم مُصححاً بها، ثم تنقل في استثمارات المرحوم، كلها، من: وكالة، إلى: بقالة، إلى: تجارة، فَصالة، حتى طاف طيفه، ووضع بَصمتِه، على: جميع الاستثمارات، التي: (تخص المرحوم!).
ولما كانت مُتابعة تلك الاستثمارات، تتطلب مناقشات، في البيت بالأماسي التي تحتضنها الحديقة، فقد وجد (منصور) نفسه، رويداً رويداً، ليس جزءاً لا يتجزأ من الحديقة، فحسب، وإنما فردًا من أفراد الأسرة أيضاً، ولكنه ما أن انطرح جلده، وشعر بأنه صار (ود بيت)، حتّى تطاول ليخطب، بعين بيضاء قوية، أخت هُيام الجميلة، الراقية… التي تصغرها بخمس سنوات، قافزاً فوق الفوارق، ودائساً، على: المقامات! كما أعلنت هيام، لمنصورٍ ذات نفسه.
وكانت الطريقة التي طلب فيها يد الأخت، قديمة، وتقليدية، سهّلت علي أخت هيامٍ الاعتذار والتنصُّل، فردت عليه، زوراً بأنها مرتبطة بشخص آخر… وابتلع رفضها، هو، بذلة… حائلاً دون أن يصير ذلك الرفض،مانعاً بينه، وبين: إعمار الأماسي، ودون أن يؤثر سلباً في علاقته بـ(هيام عبد السلام) وزوجها (سيف اليزل) …ولكن هياماً، أرته: (المكشَّنْ بِلا بصل!).
وواصل، هُوَّ، هوايته، في: تشذيب، وتوضيب: لحوم عشاءآت الأماسي!… لمعرفته، بالإضافة إلى الآداب، بعالم البهائم والذبائح، خصوصاً بعد أن كانت، العمة ذات المجد التليد، قد أجازت تلك المعرفة: فكانت تُوكل إليه، دائماً، عندما كانت بصحتها وتمام عافيتها:متابعة الطريقة، التي سيقطع بها اللحم، الخاص بعشاء هذه الأمسية، أوتلك!
هواية (منصور) في: تقطيع لحم (عشاءَات) الحديقة، لم يمنع (ود ألبيْ)، الأنتيكة رقم ثلاثة، من أن يكُون نجماً آخراً في دُنيا لُحوم الحديقة…
كان (ود ألبيْ)، من روّاد الحديقة الزائرين، غير الدائمين، ولمّا يأتي إلى الحديقة: فإنه كان يأتي مُحمّلاً بأكياس لُحوم (خرقاء) لا مجال للتعاملِ معها بالنسبة للعمّة ذات المجد التليد، ومن بعدها هُيام، اللّتان كانتا لا تسمحان بدُخول تلك الأكياس إلى مطبخ البيت…
ولكن : من يهتم!؟
فبرغم التقريق، والاشمئزاز، المُصطنع، الذي يبديه الروّاد باديء الأمر، إلا أنهم ينهمكون، فورًا، في تقطيع الكرشات والقلوب والمصارين التي تحويها أكياس (ود ألبيْ)، ويأكلونها بنهمٍ، يقع، على الضفة الأخرى من التمنُّع الظاهري، المُعلن وكان (ود ألبي)، الذي عادةً ما يخلع الجِلباب ويكتفي بالعراقي الذي تحته، ويدنكل أم فتفت ويشوِّح القلوب، كان من أكثر المبتهجين بحلة الكوارع التي تغلي وتجقجق على مهلٍ في ركنٍ قصيٍ من أركان الحديقة، ليفوز بها- أي الكوارع- من يتبقى، على قيد: الوعي، بعد انتهاء الشراب…
وعلى سبيل التطمين، والمجاملة، فقد كان المتعشون يمسحون فم (الخال)، المتخشب فوق كرسيه، سُكراً، في أغلب الأيام، (بالدِّهْنْ!)، حتى يوهموه، بأنه: قد نال نصيبه من كوارع (ود ألبيْ) الدسمة، في عشاء الأمس، في صباحات الحديقة.
amsidahmed@outlook.com