لم يسلم منها حتى شهداء أكتوبر: ظواهر الاعتداء على التماثيل والجداريات والأعمال الفنية .. تقرير:ـ حسن الجزولي
في بداية دولة الهوس الديني التي حاول النميري إقامتها عام 1983، أقدم مهوسون على انتزاع تمثالي كل من الشهيدين أحمد القرشي طه وبابكر عبد الحفيظ اللذين كانا يزينان مدخل مكتبة جامعة الخرطوم على (المين رود) وقيل أن دكتور محمد عبد الله الريح هو من قام بتصميمهما!، وكذا تمثال الشهيد حران بمعهد المعلمين العالي (كلية التربية جامعة الخرطوم حالياً). ولقد كان من ضمن أشكال التمجيد لشهداء أكتوبر إضافة لهذه المجسمات، أن أطلقت الحكومة الأولى لثوار أكتوبر طابعاً بريدياً حمل صورة الشهيد القرشي، مما يعد البادرة الوحيدة التي يتم بها تمجيد شهداء الشعب، ولم يستمتع أي من شهداء الوطن المتبقين مثل هذا التمجيد ومعاني الخلود!.
***
في مطلع الأسبوع الماضي حملت الأنباء إقدام متطرف إسلامي على تشويه تمثال (عين الفوارة) المنتصب في قلب مدينة سطيف الجزائرية، عندما تسبب في تكسير أجزاء من المجسم الرخامي الضخم الذي يمثل أمرأة جالسة، والذي ظل يضفي على المكان جمالاً ورونقاً، وكان إقدام المتطرف على ذلك نتيجة لشحنات داعية إسلامي متشدد وتحريضه على زالة ما سماه بالأوثان من شوارع الجزائر!، وقد طال التخريب في التمثال منطقة الوجه والصدر حتى الأطراف، ولو لا تصدي رواد الحديقة واعتقاله وتسليمه للشرطة لكان قد أحدث تشويهاً كبيراً على التمثال، علماً بأن وزارة الثقافة الجزائرية كانت قد أنفقت في التمثال جهداً ومالاً في إعادة ترميمه من جديد، حيث استغرقت إعادة الترميم أكثر من سبعة أشهر، في أعقاب ما لحقه أيضاً من إعتداء على يد متطرف ديني آخر!.
ولا تعد ظاهرة الاعتداء على المجسمات والتماثيل والجداريات جديدة على مجتمعاتنا الاسلامية، حيث شهدت أكثر من دولة ومدينة في المنطقة مثل هذه الاعتداءات، كما حدث في تونس والمغرب ومصر وحتى هنا بالسودان!.
ففي تركيا حدثت واقعة الاعتداء على تمثال الزعيم التركي كمال أتاتورك الواقع فى ميدان (شيخ سعيد) بمدينة ديار بكر. وقبلها أقدم متطرف آخر على مهاجمة نفس التمثال وهو يصيح (الوثنية ليست من ديننا)! وفي مصر تم الاعتداء على تماثيل جميلة بالحديقة اليابانية بمنطقة حلوان والتي يعود تاريخها إلى أكثر من مائة عام، وكان أحد الدعاة السلفيين المصريين قد وصف الحضارة الفرعونية بـ (العفنة) وقال أن المصريين يجب ألا يفتخروا بتماثيل (الفراعنة العراة لأنها كفر) داعياً لازالتها من أرض مصر!. وكانت وزارة الثقافة المصرية قد أدانت الاعتداء على تمثالي أم كلثوم وعميد الادب العربي طه حسين، واصفة هذا العمل بانه "يفتقد إلى كل القيم الوطنية والاسلامية والانسانية"، وتعرضت الآثار المصرية فترة سيطرة الأخوان المسلمين على السلطة في مصر إلى محنة حقيقية حينما تم استهدافها والمطالبة بهدم الاهرامات والآثار الفرعونية (لطبيعتها الوثنية)!. وكانت أفغانستان قد شهدت أحد أشهر نماذج مثل هذا الاعتداء المؤسف عندما أقدمت طالبان على تدمير أقدم جداريتين منحوتتين عبر التاريخ الانساني داخل صخور ضخمة لبوذا، وقد تم التدمير بواسطة الديناميت والألغام ودانات المدافع المضادة للطائرات!. ولم يتردد الدواعش من الاعتداء على معالم الحضارات الانسانية في كل من العراق وسوريا والتي تعود لآلاف السنوات، بحيث فقد كل من الشعبين في سوريا والعراق وكل العالم المتحضر أحد أعظم تراث للحضارة في العالم بأسره!.
ولم يكن السودان إستثناءاً من هذه الحوادث، فبالإضافة لما أشرنا إليه فيما يخص التعامل مع مجسمات شهداء ثورة 21 أكتوبر المجيدة، فإن هناك عدة حوادث شبيهة، حيث شهدت مدينة بورتسودان مطلع ثمانينيات القرن الماضي الاعتداء على تمثال عثمان دقنة بواسطة مجهولين تشير أصابع الاتهام إلى أنهم من المتشددين الاسلاميين، ونفس الاعتداء تم لتمثال المهاتما غاندي الذي كان منتصباً على صينية شارع المهاتما غاندي بوسط أم درمان (شارع الدكاترة) والذي كان قد شيد على نفقة الجالية الهندية بالبلاد!، كما تمت محاولة للاعتداء على تمثال الشيخ بابكر بدري والذي كان موجوداً على واجهة مدرسة الأحفاد المطلة على دار حزب الأمة بشارع الموردة، وكانت السلطات ودون أي مسوغات وجيهة قد أقدمت على إزالة (سبيل سلاطين) الذي كان موجوداً ومنذ سنوات طويلة بالركن الجنوبي الغربي لمجلس بلدية أم درمان، وما تزال بعض الجداريات التجارية تشهد إعتداءات وتشويهات متعمدة، كما يحدث بين الفينة والأخرى للجدارية الجميلة لأحد الاعلانات التجارية والموجودة على ظهر الحائط الشمالي للمدرسة الأهلية والمطل على منزل الزعيم إسماعيل الأزهري!.
ولقد طالت أيادي التشويه حتى المتاحف وصالات المعارض الفنية، حيث شهد عام 1986 وفي ظل تمتع السودانيين بحرياتهم بعد انتفاضة أبريل التي أبطلت مشروع النميري والأخوان المسلمين نحو التوجه للدولة الاسلامية، إقدام عبد الله محمد أحمد كوزير للثقافة عن حزب الأمة في حكومة الصادق المهدي على إزاحة بعض التماثيل من المتحف القومي بدعاوى أنها أوثان! كما شهد معرضاً للفنان التشكيلي محمد حمزة بدار حزب الأمة في عام 2008 تخريب متعمد، حينما أقدم متنفذون بحزب الأمة على إبعاد لوحة محددة من المعرض بدعاوى أنها (عارية) معللين فعلهم بأن ذلك لا يشرف حزب الأمة وداره!.
ضمن كل ذلك يدخل قرار الحكومة البريطانية القاضي بنقل تمثالي كل من اللورد كتشنر وجارلس غردون باشا اللذين كانا ينتصبان بقلب العاصمة الخرطوم إلى بريطانيا حيث انتصب الأول في الأكاديمية العسكرية الهندسية في منطقة جاثام، بينما حُمل الثاني إلى مدرسة غردون للبنين بمنطقة ويكينغ، وذلك حينما استشعرت حكومة جلالة الملكة مخاطر ربما تحيط بهما (لأنَّ دعاة الحركة الوطنية السُّودانية تضجَّروا من وجودهما في قلب عاصمتهم المستقلة الخرطوم؛ مُحتجين بأنها ترمز للعهد الاستعماري البريطاني في السُّودان؛ ولذلك يجب إزالتهما من الذاكرة التاريخية)!.
علماً أن هناك أعمالاً فنية وجداريات أخرى لم يتم الاعتراض أو الاعتداء عليها، لعدد من الأعمال التي تجسم كتاب القرآن الكريم وبعض الأعمال التراثية الأخرى كالجبنة وفناجيلها والحراب والدروق والأكف التي تستدعي الرحمة من السماء!، جنباً إلى جنب مع إعلانات الشركات التجارية التي تروج لمنتوجاتها وبصورة فيها كثير من القبح والاخلال بالشروط الجمالية والتي يتم تصميمها بعدد من صواني ودوارات العاصمة وبقية مدن السودن!.
وقد أبان العديد من الفقهاء والدعاة ورجال الدين والشرع المستنيرين والمتصالحين مع دينهم ومقاصد الاسلام، بأن التماثيل التي على الشوارع إنما تعد ضمن التراث الانساني الذي يحمل سمات حضارة هذه الدولة أو تلك، وأنه لم يتم انتاجها (كأوثان للعبادة) بل هي مرتبطة بالفنون والثقافات والجماليات البصرية لا أكثر ولا أقل!. فقد أشار في هذا الصدد الإمام محمد عبده يقول "إنَّ الرسم شعر ساكت، يُرى ولا يُسمع، كما أنَّ الشعر رسم يُسمع ويُرى. وحفظ الآثار بالرسوم والتماثيل هو حفظ للعلم بالحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الابداع فيها، والشريعة الإسلامية أبعد من أن تُحرم وسيلة من وسائل العلم، بعد التحقيق أنه لا خطر فيه على الدين، لا من وجهة العقيدة، ولا من جهة العمل، وليس هناك ما يمنع المسلمون من الجمع بين عقيدة التوحيد، ورسم صورة الإنسان والحيوان؛ لتحقيق المعاني العلمية، وتمثيل الصورة الذهنية". بينما قال الصادق المهدي في هذا الشأن ً:ـ (أن السودان وطن متعدد الأديان والثقافات والإثنيات. والمجموعات الوطنية السودانية ".." تعترف ببعضها بعضاً وتمارس هويتها الثقافية بحرية "...". وبخصوص قضية الدين و الفن مضى يقول:ـ ( الجمال من مقاصد الكون لأنه موجود بكثرة بحيث لا تفسره الصدفة. ومتحرر من الوظيفة بحيث لا تفسره الضرورة. إنه مقصود لذاته.".." القرآن استخدم كل فنون البلاغة والموسيقى والتصوير الفني "..." الصور والتماثيل فإنها محرمة إذا وجدت شبهة وثنية، اما إذا كانت للجمال و للزينة أو لأي منفعة حياتية ولتنمية المشاعر الإنسانية فلا حرمة. ثم مضى يقول (كذلك جاء في الكتاب:" يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ سورة سبأ 13) وذلك حسب ما جاء في الوثيقة التي قدمها في محاضرة عامة له ضمن التظاهرة الثقافية التي نظمتها مؤسسة أروقة للثقافة و الفنون مع الإتحاد العام للتشكيليين السودانيين بتاريخ 5 مارس 2003. وكان الفنان التشكيلي حسن موسى قد قال بصدد موضوع هذا التقرير، بأن ذلك يتعلق بمسار (انعتاق جمهور الفن السوداني من آسار النفاق الذي يكبّل حركة الحياة الثقافية بذرائع العادات والتقاليد السياسية البائدة).
***
في ذكرى مرور 54 عاماً على أحداث ثورة أكتوبر المجيدة، لعلها مناسبة طيبة أن نرفع نداءاً حاراً للمهتمين وذوي الشأن بالعمل على إعادة تماثيل شهداء ثورة أكتوبر (القرشي وعبد الحفيظ وحران) لتنتصب من جديد مرة أخرى في أماكنها البارزة، نبراساً وهادياً لشعوب السودان وأجيالها المستقبلية ،، رمز إيمان جديد بالفدا ورمز إيمان جميل بالوطن.!.
ـــــــــــ
* نشرت بصحيفة الميدان.
helgizuli@gmail.com