غـــربــاء..
• ذلك المزارع الشاب كان بسيطا ً في جلّ مظهره ، الجلابية البيضاء (غير المكوية)، بل القديمة نوعا ً ولكنها ساترة ، شدّها الي وسطه وربطها عند المنتصف ،فتهدل باقيها مطويا حتي ركبتيه ، فأظهرت ساقيه النحيفتين الغاطستين ثلثهما في الطين ، كان ممسكا ً بالطورية بشكل إعتاد عليه ، بين الحين والآخر يتوقف عن عمله المتواتر ، يرفع رأسه مخاطبا ً محدثه في هــدوء ، هذا المشهد العالق بذهني منذ العام 2004 ـ وكنا في مهمة عمل بمنطقة السـليم بالشمالية ـ ما تمسكت به ذاكرتي وكنت مأخوذة به بقوة هو ذلك السلام الذي إنتقل إلي من تلك اللحظات ولم أعلم مصدره ، هل هو الأرض أم صبر ذاك الشاب وإصراره علي العمل علي تلك المساحة بآلة بسيطة وطاقة شاقة غير أني كنت مدركة أن ثمة ثقب ما في هذا المشهد وهو لا منطقية معادلة العمل والإنتاج ..! ذلك القدر من العمل الذي يبذله ذلك المزارع بشكل يومي وهي ما تمثل ساعات العمل اليومية للعامل المنتج هو رهق غير منصف . ولو مُلــّك وعيا ً بحقه كشخص منتج ، وتعليما ً متقنا ً يكفي لأن يفهم معادلة الإنتاج والعمل لخلق ثورة دون أن ينتظر سماسرة وسائل التواصل الإجتماعي وإن خلقت في ذلك الزمان ..!
• عـوضية بت عرب رفاعة ، جميلة الملامح وتملك إبتسامة خجولة وواثقة ، فأما خجولة فحكمها فارق العمر بيننا وهي تجيب علي أسئلتي ، وواثقة لخبرتها بالمكان ، إلتقيتها في العام 2014 بمنطقة باو بالنيل الأزرق ، حدثتني عن رحلة جلب المياه لمسافة تتجاوز عدد من الكيلومترات عجزت عن تخيلها وكيف لشابة نحيفة مثلها أن تنجزها ثلاث مرات في الأسبوع ، لم تنتهي حيرتي حتي فاجأتني بأنها كادت تنتهي من ( تبليط القطية) وتلوينها ، فسألتها هل تقومين بذلك العمل يوميا ً ، فردّت : آي ، علا بعد أنتهي من العواسة ..! عندما نصنع وعي عوضية بت عرب رفاعة ونعرفها بأنها لا تستحق كهذه المعاناة ولكن تستحق أن تنجز رسوماتها علي أسطح ورق أبيض كقلبها الصغير حينها عوضية بت عرب رفاعة ستصنع ثورة دون أن تحاول اللحاق بآخر رحلة الي باريس .
• أن تتقن عملا مملا ، مهمة شاقة لا نستطيع الجزم بأنها عملية غير منتجة ولكنها علي الأقل مانعة للفوضي ، عبد الباقي كان موظفا ً بذات المصلحة الحكومية التي كنت أعمل بها ، لسنوات طويلة يقوم بإتقان عمله الكتابي علي الآلة الكاتبة ثم حفظ الملفات بترتيب محدد ويعلم تواريخ الخطابات الواردة والمرسلة ومواضيعها وأين وضعت ، يقوم بهذا العمل يوميا دون كلل أو تذمر ، يأتي في ذات الميعاد صباح كل يوم ، لا يملك وسيلة نقل خاصة ولا يتقاضي عن ساعات عمل إضافية ، فلا أحد يحتاج ملفا ً بعد ساعات العمل الإضافية . هذا الإتقان للأعمال المملة إكتشفت أنه في بلاد العالم الأول هو قلب المصلحة الدوار ، هو الذي يصنع المؤسسة ، هو الذي يحفظ الدولة . فلتأتوا بعبد الباقي والباقي هـيّن .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم