محطات في طريق الثورة .. بقلم: عبد القادر محمد أحمد / المحامي
2 يناير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
51 زيارة
-1-
ظهيرة ومساء الثلاثاء 25 ديسمبر ، أكد شباب السودان أنهم أبناء وأحفاد جيل اكتوبر وأبريل ، امتلأت العيون بالدموع ودبت القشعريرة في جسد كل من شاهد وسمع الشباب من الجنسين ، يتظاهرون بكل عزيمة واصرار وثبات ، ويهتفون وسط دوي الرصاص ودخان البمبان المختلط بزغاريد بنات مهيرة ، ستات الشاي … بالروح بالدم نفديك يا سودان ….حرية .. سلام وعدالة .. والثورة خيار الشعب .
غطى المتظاهرون كل الشوارع والمداخل وسط العاصمة ، المؤدية الي ميدان أبو جنزير ، ولو قدر لهم أن يلتقوا في المكان المقرر ، لكنا أمام حشد جماهيري تاريخي يفوق أكتوبر وأبريل .
لقد كان سلوك المواكب المتعددة المتفرقة سلميا وحضاريا رغم رصاص الغدر الذي اسقط الشهداء والجرحى ورغم البمبان الحارق الذي يحتاج لتوصيف اخر غير مسيل الدموع . كما ان التعبير السلمي الحضاري من قبل المتظاهرين ، أفسد وسيفسد وبأذن الله ، كل المحاولات المفضوحة وغير المسؤولة لجر بلادنا لمربع العنف والفوضى .
ان محاولات التخويف بجر البلاد لمربع الفوضى ، عن طريق الرسائل الصوتية والمكتوبة ، باثارة النعرات الجهوية و القبلية أو الدعوة لمقابلة العنف بالعنف ، لن تنطلي على فطنة الشعب السوداني ، فكلها أساليب تمرس عليها هذا النظام غير المسؤول واتخذها وسيلة لبث الفرقة والتخويف حماية لنفسه .
هذه ثورة ضد الظلم والاستبداد والفساد ، وانتزاع حق الناس الطبيعي والمشروع في الحرية والديمقراطية وسيادة حكم القانون والعيش الكريم ، لذلك فهي ثورة جميع اهل السودان ، بمختلف اثنياتهم وثقافاتهم ومعتقداتهم الدينية وتوجهاتهم الفكرية ، وقد أكدوا ذلك عمليا ، بأن انطلقت شرارة الثورة من عطبرة والقضارف والنهود والفاشر وبورتسودان و جبال النوبة ودنقلا والانقسنا ومدني وغيرها .
ما يثلج الصدور أن شعبنا لا زال بخير ، وان سنوات الانقاذ رغم طولها وما لازمها من تغييب و ترغيب وترهيب ، وفكر شمولي ، لم تحل دون بروز شباب وطني واعي وطموح ، قادر على صناعة الثورة والمشاركة الأصيلة في حكم البلاد بكفاءة واقتدار .
-٢-
المنتظر من القوى المهنية والسياسية التي تقود حركة الشارع ، ان تسعي لاحداث التغيير المنشود ، بصبر وبأقل كلفة وبحكمة حقنا لدماء الشباب ، وفي سبيل ذلك لها ان تتحالف مع كل الكيانات التي تحمل شعارات الثورة ، وأرى انه ليس من الحكمة رفض الاحزاب التي انسحبت من الحكومة وطالبت بتنحي النظام ، بدعوى انها شاركته الحكم أو تريد اعادة انتاجه ، فهذه نعرة اقصائية لا تليق بمن يرفعون شعار الديمقراطية ، وليس من حق أحد حرمان الاخرين من مراجعة مواقفهم وتصحيح مسارهم ، كما يجب التفريق بين حق الناس في مراجعة مواقفهم وبين حق الشعب في محاسبة كل من عمل على تقويض النظام الدستوري او ساهم في افساد الحياة العامة .
نعم ، ليس من المستبعد أن تكون هذه الخطوة المفاجأة لأحزاب الحوار الوطني ، مقدمة لأنقلاب قصر ، لكن سيفشل ذلك طالما ظلت القيادة واعية ومسنودة بالجماهير ، ومن الممكن أستثمار هذه الخطوة لصالح الثورة لاضعاف النظام ، ومما يساعد على قفل هذه الثغرات ان تسارع كل القوى الحزبية والنقابية والشبابية في تجاوز خلافاتها والاسراع في اصدار وتوقيع ميثاق للثورة يحدد أهدافها وخطواتها لاسقاط النظام ودستور الفترة الانتقالية ، ويبقى على كل من يعلن الانشقاق عن النظام التوقيع عليه والالتزام به .
ولا أرى حرجا في السعي لاستقطاب الاسلاميين الذين لم يشاركوا في انقلاب الانقاذ ، مثل د. الطيب زين العابدين ، أو حتى الذين شاركوا ثم خرجوا مثل د. الكودة وغيره ، لأن ذلك يساعد على المزيد من الانشقاق في صفوف النظام ، بما يؤدي لاضعافه والتعجيل برحيله .
ومع أكيد الأحترام لا أرى ما يبرر النظر للثورة وكأنها ملك لجهة دون الاخرين او انها صراع بين تيارات فكرية ، أو انها معركة توزع في أعقابها الغنائم . علينا جميعا العمل لصالح الثورة بتجرد وتواضع ونكران ذات .
هذه محطة تستحق ان نقف عندها ، وأرى في مقالات الأستاذين ياسر عرمان والواثق كمير الأخيرة ، ما يعين كثيرا على تجاوز هذه المحطة بسلام .
-٣-
لا أريد أن أنصب نفسي ناصحا أو حكيما ، لكن من باب ابداء الرأي والتفاعل مع الحراك نحو التغيير والتطلع لعهد جديد ، أرى ضرورة تجاوز الحديث عن الانتقام والتشفي ، اللفظي او الفعلي ، فتدارك ما أصاب وطننا من انهيار في كل بنياته الأساسية بالاسراع نحو البناء والتعمير والانتاج ، لن يكون الا بالسلام والاستقرار والتعافي النفسي والحفاظ على النسيج الاجتماعي من التفكك .
معظم الاسر والبيوت أصابها ظلم الانقاذ في الارواح والممتلكات وكل الحقوق الاساسبة، وليكن شعارنا جميعا التمسك بسيادة حكم القانون والقضاء المستقل ، فهما الضمانة الأساسية لرد كل الحقوق والمظالم الخاصة والعامة . لذلك في رأيي الخاص ، ان باب الرجوع لصف الشعب يجب ان لا يوصد في وجه أحد ، حتى من أذنبوا في حق البلد وأهله ، لكن الرجوع لصف الشعب لايكون بالمقالات او البيانات المترددة التي تتحوط لنفسها بالنظر الي ما ستكون عليه عواقب الأمور ، نجاح الثورة او عدمه ، بل يجب ان يكون ذلك صراحة وبصورة عملية ، بالانحياز العلني لصف الشعب والتسليم بشعارات الثورة والنزول للشارع والمشاركة في التظاهرات وتحمل نتائجها . ثم بعد نجاح الثورة يكون لكل صاحب مظلمة تحديد كيفية رد مظلمته ، عن طريق لجان الحقيقة والمصالحة أو القضاء ، ركونا والتزاما بسيادة حكم القانون ، فهي الملاذ الوحيد والامن للخروج من كل الازمات.
ونقول للذين يقتلون شبابنا غيلة وغدرا ، اتقوا الله في انفسكم وفي بلدكم وبني وطنكم ، وتذكروا حرمة قتل النفس . ولا تنسوا ان ” البلد ضيقة ” ، فلعل من تقتل او تأمر بقتله ، من صلة رحمك أو جيرتك أو دفعتك ، وتذكروا ان الدهر يومان ، فيوم لك ويوم عليك ولا يستعان على الدهر الا بالعقل .
-٤-
سيظل الأمل معقودا على قوات الشعب المسلحة وكافة الاجهزة النظامية في الوقوف الى جانب الشعب نصرة للحق والعدل وحفاظا على وحدة البلاد وسلامتها… والله المستعان.
نسأل الله جنات الخلد للشهداء وعاجل الشفاء للجرحى وان يفك قيد الاسرى والسلامة لبلادنا وجميع أهلها .
عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aadvoabdo2018@gmail.com