أساس الفوضى الحلقة التاسعة والأربعين: منشورات حزب الحكمة .. بقلم: د عبدالمنعم عبدالباقي علي
أوَّل اختلاف بين السودان وغيره من أقطار الشرق والمغرب العربيِّ وشمال أفريقيا هو دخول الإسلام بواسطة التَّعايش وليس عن طريق الحرب. وهذا أدخل فقهاً جديداً على الإسلام وهو فقه التَّعايش خلافاً لفقه دار الحرب ودار السلم.
ودخول الأعراب للسودان لم يكن من أجل نشر الدِّين ولكن كان من أجل التِّجارة والمرعي، فتمازجت القبائل العربيَّة بالقبائل النُّوبيَّة والمحليَّة الأخرى لمدَّة ستَّة قرون، هي مدَّة معاهدة البقط حتى استيلاء تحالف العبدلاب مع الفونج على السلطة فأدَّي إلى انصهارٍ ثقافيٍّ بين الطَّرفين. وكان الانصهار العرقيِّ جزئياً حسب حاجة المصاهرة ولم يتنازل الأعراب عن نظرتهم الاستعلائيَّة التي كانت جزءاً من ثقافتهم في الجزيرة العربيَّة.
يروي عن جدِّي الشيخ إدريس الأرباب رضي الله عنه أنَّه قال عندما وجد أنَّ العجين لا يكفي النَّاس واستاء لذلك واستغرب النَّاس من استيائه: “كان ما عجيني منو البجيني؟”، أي لولا عجينه الذي يعجنه للنَّاس ليطعمهم فمن الذي كان سيأتي إليه؟
ونجد في كتاب طبقات ود ضيف الله الكثير من القصص والرِّوايات عن علاقة النِّزاع بين السلطان والعالم ووضع المواطن بينهما.
ولم يختلف المشهد السياسي كثيراً في الشهور الانتقالية بعد فتح الخرطوم، ولكن بعد وفاة الإمام محمد أحمد المهدي، انتقل الحكم إلى شموليَّة دمويَّة نقضت كلَّ الأحلاف التي قامت في زمانه، وتراجع الحسِّ القومي السوداني الذي غلَّب ثقافة الإسلام، ليحلَّ مكانه الحسّ القبلي والعرقي مثلما يحدث على أيَّامنا هذه.
ومن أهمِّ أسباب الفوضى السائدة هي القفزات الثَّقافيَّة التَّاريخيَّة التي قسرت النَّاس على نوعٍ معيَّنٍ من الثقافة الغالبة، والتي حدثت من غير تحضير أو تنظير، فخالفت بذلك طبيعة التَّطوُّر البطيء المتَّزن والتي من أمثالها ظهور السلطنة الزرقاء، وانتصار وغلبة الثقافة البدويَّة التي وجدت في الثَّقافة الصوفيَّة ما يروقها في بساطة العيش.
لا توجد تعليقات
