بين يدي التغيير (2): العقل السياسي السوداني .. معنى الدولة وأدوارها؟! .. بقلم: غسان علي عثمان
نضج الشعب” للديمقراطية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ممارسة الديمقراطية، تماماً مثلما أن الطفل لا يتعلم المشي إلا من خلال ممارسة المشي نفسه…
“كل برهان هو استدلال يرمي إلى حقيقة استنتاجه، استناداً إلى مقدمات مثبوتة، أو مسلم بها كحقائق”.
ما من مفهوم تعرض ويتعرض للتشويش المفاهيمي بقدر مفهوم الدولة، والحقيقة أن مرد هذا التغبيش يعود إلى تعدد مصادر تعريف الدولة، ماهيتها، ومحدداتها، وتجلياتها كذلك، والحق أنه يصعب بالفعل تحديد مفهوم دقيق لماهية الدولة، وما هو المصدر الأقرب لنا في فهم طبيعتها، وبالذات في سياق حديثنا عن الحالة السودانية التي ننشد إصلاحها، بالذات في ظل التغيير الذي يجوس في ثنايا ظاهرتنا السياسية هذه الفترة التي تمر على بلادنا، ونحن نسعى جميعاً لبناء وتجذير وعي يخصنا، ويعبر عن همومنا الاجتماعية، ويربط بيننا نخب ومستهلكين للخطاب السياسي، والقول هنا يتعلق بإيجاد نقاط التعارض بين التيارات السياسية التي تعتمد مرجعيات مختلفة، والحق أنهما تياري اليسار واليمين (لا زلنا نقول بإن هذا التقسيم مجازي)، فاليساري أي من يعتمد في حقيبته الأيديولوجية مفاهيم الديموقراطية الغربية بتوابعها من لدن الحريات الفردية وأشكال التعبير عن معاني الحياة، وجملة تصورات اليساري في تقديرنا هي هجين يأخذ من هنا وهناك، أي أن مرجعيته التي توصف بالكونية هي عيّل على المفاهيم الغربية، وإن حاول سودنة بعضها وإدماجها في وعيه الخاص، لكن يظل المصدر غربي بالأساس، طبعاً قد يخرج من يقول ما هو تعريفك للمنهجية الغربية؟ وماذا تقصد بالغرب؟ وكل هذه أسئلة واعية وجذابة في رأينا، وللإجابة عنها نقول إن الحضارة الإنسانية الآن تعيش لحظة أمريكية بالمطلق، أي ترهن أوعيتها لحصائد الليبرالية الجديدة، تلك التي يسميها أستاذ محمد عابد الجابري بأوهام الليبرالية، وفي ذلك يقول ويُشخّص ماهيتها ناظراً إليها في عمد بصير، وكيف أن الليبرالية الجديدة هي مذهب اقتصادي أهم عنصر فيه هو التبشير بنموذج جديد للدولة، وتمارس فيه السلطة على أساس مبدأ ركين وهو Governance وهي كلمة مشتقة من Govern وتعني “الحكم” أي ممارسة السلطة بمعية الرقابة والتوجيه، وهدفها الرئيس هو تقليص دور الدولة بحيث تكون مهمتها القيام بالتسيير تحت توجيه ورقابة بل لنقل ومراقبة أولئك الذين يوازي وضعهم إزاءها وضع حملة الأسهم بالنسبة للمديرين في الشركات الكبرى، أي الدولة هنا جسم متعالي بالمعنى الفلسفي، ولفهم أوسع نحتاج إلى عقل نقدي، وهذا العقل النقدي نحتاجه لفهم ظاهرتنا السياسية، والتي ينبغي أن تستهدي بجوهر اجتماعها الإنساني، لأن السياسة ليست إلا تعبيراً أعلى عن الظاهرة الاجتماعية، هي الجزء الأكثر فصاحة وبيان لمعرفة الطبائع والأشكال التي تعبر عن فهم الأفراد والجماعات داخل أي مجتمع، ولذا والحال كذلك، فإن الجماعة السياسية التي تشتغل الآن لبناء سودان جديد، سودان يسع الجميع، والجميع الذي نعني نقصد به الكل، من يستطيع أن يعبر عن رؤاه ومن يُكلف آخرين نيابة عنه، بل أبعد من ذلك السوداني الذي لم يولد بعد، وسيأتي بعدنا لينظر إلى وضعنا قدمه في المجتمع والسياسة والاقتصاد، فهذه لحظة حرجة، لأنها تريد أن تقفز عن خسائر الهبّات الشعبية التي أقصت حكومات وركبت أخرى، ولذا فإن دعوتنا للقادة السياسيين أن يحملوا في جوف خطاباتهم الجماهيرية معنى نقدي، أن يؤسسوا مشاريعهم المستقبلية على هدى من تساؤل لا يعترف بجدوى شيء سوى القيمة التي يحققها، إن أي خطاب سياسي يرهن نفسه للحظة سيموت، وكم ابتلينا بالهتاف في محل العمل، والآن الواجب هو العمل لأجل هتاف رطب يسقينا جميعاً نجاحات ولا يُعجل بالندم.
ghassanworld@gmail.com
لا توجد تعليقات
