بين يدي التغيير في السودان (6): مفهوم الحرية .. في وصف الطبقة الجديدة .. بقلم: غسان علي عثمان
25 أبريل, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
المشكلة التي تواجه أي طبقة جديدة، أو مُجردة هو غياب المرجعية والارتهان إلى الشعار..
الحرية التي تنادي بها هذه الطبقة لا تعني الرغبة في الفوضى الاجتماعية، بل تريد تثبيت حق الفرد في اختياراته..
هدم القديم يتطلب بناء البدائل.. والمشروعية السياسية تنبع من الإيمان بالعقل في الممارسة..
قلنا في المقال السابق بأن هذه الطبقة المُجردة يشعر أعضاؤها بوجودهم – إلى حد ما – على مستوى المشاعر والمصالح المشتركة، لكن تنقصهم الوحدة والتنظيم، وأشرنا إلى معالم الوعي المضاد الذي تملكه هذه الطبقة، والمُلخص في تحليلنا إلى صعوبة التكيّف، وهيمنة حالة الرفض، والصراع مع القديم عملاً على التخلص من الإرث، ومواصلة لما بدأناه فإن هذه الطبقة تظل مشغولة بتدبير معنى جديد للحياة الاجتماعية في السودان، ومن دلائل هذا المعنى الاتجاه أكثر ناحية الحرية الفردية، ولأنهم أبناء لحظة عالمية تُمجد الفرد، وتعلي من شأن الخصوصية، فإنهم يمتحون من هذا المشرب بشكل تلقائي نسبة لقوة الوسائط الاجتماعية الجديدة والتي تتولي بدورها تصدير هذا النوع من الحياة.
ولأن واحد من معالم هذه الطبقة المجردة أنها تحمل وعياً مضاداً للمجتمع، والشاهد في ذلك دعوتها الموسومة بكراهية القيود، ومحاولة الانعتاق من القوانين والخروج عليها، إنهم هنا بمثابة تجمع مضاد، كما أن المشكلة التي سيعاني منها أفراد هذه الطبقة، وقد تمتد هذه المعاناة لفترة أطول، هي غياب المرجعية، والاقتات بالمطلق على شعارات هائمة، تجد هداها في الثقافة الغربية العالمية، فمفهوم الحرية سيظل معلقاً في رقبة الإكراه المعرفي المصلوب بالجبر على الجميع، والسؤال، أي حرية نقصد؟ وما هو تعريف الفرد في المرجعية العربية؟ ولمن يريد التخلص من هذه المرجعية عليه إيجاد البديل الجائس في ثنايا وعيه، ولاوعيه كذلك، لذا لنفحص مبدأً مفهوم الفردية في الثقافة العربية، والتي نقول بأننا ننتمي إليها رغم عنا، نعم، لأن الثقافة السودانية هي فرع من الثقافة العربية دون إغفال لتأثيرات الموقع الجغرافي، تأثيرات يقول البعض بانتماءها إلى إفريقيا، وحين يفعلون لا يشيرون صراحة إلى أي إفريقيا ننتمي؟ فهل القول بأفريقية وعينا ترتبط بدراسة الصلة بينا مكونات ثقافتنا وأصول ما تعود إلى قبيلة إفريقية بعينها مثلاً؟ والحقيقة إن موضوع الهوية الثقافية للسودانيين، سيظل موضوعاً مطروحاً للنقاش، ولكن ليس هذا مكانه، لكننا سنعود إليه لاحقاً، الآن دعونا نحاول فحص هذا الزعم؛ زعمنا بأن الثقافة العربية لا تعترف بالفردية، بل تسجن الجميع عند مفهوم (الوحدة الاجتماعية)، على عكس الثقافة الغربية التي نتعيش عليها الآن، فالإنسان مركزي عند الغربي، بل هو الحقيقة الوحيدة في العالم.
الثقافة العربية لا تعترف بالفردية:
إذن فإن مفهوم الحرية الفردية عند هذه الطبقة المجردة، معظمٌ أيما تعظيم، لذا وجب الاشتغال على قراءة مفهوم الحرية الفردية، والنظر في تجلياته المستقبلية على أفراد هذه الطبقة، بالطبع تختلف ولها ذلك، المصادر في تحريضنا على النزول لمفهوم الحرية، ومن أي مرجعية أخذنا فإننا واقعون تحت مشكلة تعريف نطمئن له، أو الأهم من ذلك تعريف يوفر لنا مسيرة آمنة ونحن نبحث في أصول المفهوم، ومحددات من قبل، ولذا فإننا سنلجأ إلى القواميس والمعاجم العربية لنُعَّرِف الحرية، ومن ثم ننطلق ناحية ربطها بالفردي في ظاهرتنا، لأن المشكلة الحقيقية هو عدم تلاؤم مصطلح الحرية في المرجعية العربية، عدم تلاؤمه ومفهوم الفردية، ذلك لأن الثقافة العربية لا تقوم على مثل هذه التحديدات، أي ببساطة لا وجود للفرد، لا وجود له بالقدر المماثل لوضعه في الثقافة الغربية، ولذا فإنه لم يقترن من قبل في مرجعياتنا العربية، مصطلح الحرية مع الفردية، بل ظل هذا المفهوم يقتصر على جانب واحد من الحياة الاجتماعية عند العرب، ولعلنا لا نكون مغالين لو أصدرنا حكمنا بغياب الفرد في الوعي العربي، وحلول مفهوم – الأمة- ومن قبله- القبيلة- وفي راهننا – الدولة- أو الأسرة- أو المدرسة- أو القيم العامة، وفي أي جهة نظرت ستجد هذه الجماعية التي يريد أفراد الطبقة الجديدة أن يتخلصوا منها، أو على الأقل يكفوا أذاها المتوقع عنهم، إذن والوضع كذلك فإن المرجعية العربية لا تقول بمعنى فردي، وكم كانت شكوى أبي حيّان التوحيدي من عزلته رغم ما يحمل من معارف تؤهله للخروج وحيداً في سماء الظاهرة، وقد كان مصير كل من يخرج على الإجماع (المجازي) فإنه منبوذ وسيء الاعتقاد، ومصيره الموت الاجتماعي، إن لم يكن الفيزيائي كذلك، ألم يوصف التوحيدي بأنها سيء الاعتقاد فقط لخروجه على مزاعم الإجماع؟ ألم يُحاكم الحلاج بتهمة الردة ويصلب ويُقطع لأنه خرج عن التقليد السني؟ والنماذج كثيرة، إذن فكرة وجود طبقة مُجردة ليست بنت اليوم، بل هي حالةٌ في ثقافتنا العربية الإسلامية، فالجميع يركن إلى الانسداد داخل فوهة القيم العامة، رغم أن هذه القيم العامة ذاتها لم تخضع بعد للفحص والتحليل بالصورة التي نتحقق من كونها مُلزمة وعامة وجبرية، ومن يتفحص التراث العربي فإنه واجد قيمة الكلي والجمعي والجماعي والأممي هي القيمة العليا، والعجيب أن الأيديولوجيا الحديثة أخذت من التراث هذا المعنى، معنى الجبر، فقط الفرق يكمن في الآلية، فسابقاً كان التصور الديني الذي تحمله الدولة وتمارس به الهيمنة هو السياف على رقاب الفرد، أما الآن فالأشكال تعددت، وما يسمى بمانفستو أو النظام الأساسي أو ديباجة الحزب، كل هذه أسماء (دلع) لهيمنة العقل الجمعي، فإنت لكي تدخل إلى جماعة سياسية فإنها ينبغي عليك أولاً الإيمان بغيبتك كفرد، والتحاقك يتطلب منك التوقف عن التفكير، والانخراط بشكل أعمى داخل الجماعة، بل حتى العلوم في بداية تطورها ارتبطت بهذه الجبرية، فقد كان العرب وهم يكتشفون ويترجمون الحضارة اليونانية، يعرفون أن علومها ترتبط بالدين، ومن هذه العلوم الطب، بل إننا حتى الآن حين نتكلم عن “قسم أبقراط” لا ننتبه كثيراً إلى ارتباط الطب القديم بالآلهة اليونانية، لنقرأ القسم ونفهم، صيغة القسم تقول: ” أقسم بأبولو (آله الشمس والموسيقى والحرب) الطبيب وإسكليبوس (آله الطب) وهييجيا وبانسيا وجميع الآلهة الذكور والإناث، وأشهدهم بأنني سأفي بحسب قدرتي وحكمي بهذا القسم وهذا الميثاق”- وهذه جبرية آخرى، فتأمل.
وفي وعي هذه الطبقة فإن الحرية هنا رهين الفرد، أي أن له أن يحقق ذاته عبر توفير حريات خاصة، ولست مما يقولون بأن الأمر ينحصر فقط في السلوك، أي أن الأمر أشبه بتركزي للفوضى الاجتماعية، هذا حكم ظالم ولا يعرف طبيعة الوعي عند هذه الطبقة، بل حتى اتهام الاعتصام بأن ثمة ممارسة غير مقبولة تجري هناك، فإن الحقيقة بأنه أمر عادي، لأن مظاهر هذا السلوك لا ترتبط بفئة بعينها، بل هي ممارسة موجودة في المجتمع، وكل الذي جرى أنه باتت محل النظر لكثافة الحضور.
أما أفراد هذه الطبقة المجردة فإنهم وحين يريدون التخلص من القديم سيواجهوا بمشكلة البديل، كيف يمكن إزاحة الأنقاض بعد الهدم، فإذا كانت الآلية هي الهدم فقط، فلا نكره أنفسنا على البحث، وثمة أمر آخر، وهو يتعلق بالدين ودوره في تصور أفراد الطبقة المجردة، بالطبع لا يملك أحد أن يتهم أفراد هذه الطبقة بإنكارهم لأهمية الدين، لكن المشكلة هي فهمهم لدور الدين، بالذات بعد أن بدأت دعوات نراها لا تستند في كثيرة خبرة معرفية، دعوات تقول بفصل الدين عن الدولة، والذي يجعلنا نقول بضعف مثل هذه الدعوة، أن لا أحد يعرف الطريقة التي يمكن فصل الدين بها عن الدولة، طبعاً سيقول قائل، نقصد بفصل الدين عن الدولة، أن نقيم دولة مدنية، تقف مسافة واحدة من الجميع، دون النظر إلى دياناتهم أو اعتقاداتهم الغيبية، أو أن يتبرع آخر بالقول، نقصد بفصل الدين عن الدولة، إقامة دولة علمانية لا وجود للشريعة في دستورها أو قوانينها، حسناً، السؤال المهم، كيف يمكن فصل الدين عن الدولة؟ وكيف يمكن أن تقنع ناخبيك بأن العلمانية هي الحل؟ أليس القول بأن العلمانية هي الحل، يشبه الشعار بأن الإسلام هو الحل؟ هكذا دون تحديد لماهية الإسلام الذي يراد به إيجاد الحل، ولا كذلك العلمانية، لأن السؤال الجدير بالتناول هو، (حل) ماذا؟، نقصد بأن يحل أية مشكلة، مشكلة الدول ومؤسساتها، والاقتصاد ومعاش الناس، منذ متى كان الناس يرهفون لطرح مثل هذا، والحق بأننا لن نتوسع في هذا المقال للحديث عن الدين والدولة والصراع القادم بينهما، إن لم يكن قد بدأ بالفعل، وكنا قد نشرنا في مفتتح هذه السلسلة ورقتنا الموسومة (الدين والدولة.. البحث عن تسوية)، لكن سنواصل الكتابة حول مسألة العلمانية في مقبل مقالاتنا، والآن لنعود إلى مفهوم الحرية الفردية عند الطبقة المجردة.
نواصل..
ghassanworld@gmail.com
/////////////