الاقتصاد الخفي والجريمة المالية في السودان
د. نازك حامد الهاشمي
2 December, 2019
2 December, 2019
قدمت هذه الورقة ضمن مؤتمر (نحو تنمية شاملة ومستدامة في السودان – مجموعة الباحثين السودانيين) الذي انعقد بالخرطوم في نوفمبر 2019م.
تقديم
يعرف الاقتصاد الخفى بأنه مجمل النشاطات الصغيرة أو الكبيرة المستقلة، والتى تمارس عادة بمستوى تنظيمي وتكنولوجي ضعيف أو قوي. وتمارس تلك النشاطات دون موافقة السلطات الرسمية.
وتعتبر قضية "الاقتصاد الخفي" من القضايا الدولية التي لا تقف عند حدود قطر واحد ، لذا فإننا نجدها قد تنامت في ظل العولمة ونمو وتطور أسواق المال الدولية. غير أن موقع الدولة، ومساحتها الجغرافية، ومستوى الأمن والسلم بها من الأمور المهمة التي تتحكم في انتشار ذلك النوع من الأنشطة. وتتوفر في السودان الكثير من العوامل التي تؤدي لشيوع "الاقتصاد الخفي".هذا بالإضافة لوجود أسباب اقتصادية ومجتمعية متعددة محفزة تؤثر على إتساع رقعة نطاق ذلك النوع من"الاقتصاد الخفي" بصورة كبيرة.
وتختلف طبيعة "الاقتصاد الخفي" في السودان عن غيره من الدول المشابهة، وذلك لأسباب تتعلق بضعف تطبيق الأنظمة في أسواق العمل من السلع والخدمات.هذا فضلاً عن تنوع قضايا الفساد الاداري والمالي مع تمدد الانشطة الخفية العابرة للحدود، كذلك يساهم قصور السياسات الاقتصادية للدولة بصورة واضحة في تحويل العاملين من الأنشطة الاقتصادية الانتاجية إلى ممارسين في "الاقتصاد الخفي"من خلال فرض المزيد من الرسوم الحكومية غير المنضبطة حتى على أصحاب المهن البسيطة الدخل وزيادة الضرائب. وهذا مما يجعل المستثمر يوقف نشاطه الرسمي ويمارسه من خلال آخرين، أو يتحول إلى العمل ضمن"وسطاء السوق".
ويعتبر نقص الموارد المتاحة للدولة لتمويل برامجها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية سمةً غالبً، تفضي دوما إلى زيادة الدين العام الداخلي والخارجي، وزيادة عجز الموازنة العامة للدولة، وإنخفاض الدخل المسجل في الحسابات القومية. وهذه مشكلة تضطر معها الحكومات إلى اللجوء لفرض ضرائب جديدة أو زيادة في الضرائب المفروضة أصلا.وبذا يتضاعف العبء الضريبي على عاتق أفراد المجتمع.
يمارس في"الاقتصاد الخفي"نوعان من الأنشطة:(أنشطة خفية مشروعة)، وهي تلك التي تمارس ضمن أنشطة اقتصادية من السلع والخدمات المشروعة، والأخرى (أنشطة خفية غير مشروعة) تعني ممارسة أنشطة اقتصادية مُجرَّمة قانوناً. ويشارك كل فرد من المجتمع بشكل ما في أوجه نشاط هذا القطاع المختلف،عن عَمْد، أو غير عَمْد، وسواءً أكان يدرك أو لا يدرك أنه يتعامل في هذا "الاقتصاد الخفي". كما يعتبر “الاقتصاد الخفي” غير المشروع هو حلقة الوصل أو الجسر الذي تعبر منه الجرائم المالية مثل جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى داخل الاقتصاد المشروع والرسمي. و من مميزات "الاقتصاد الخفي" (الذي يمارس أنشطة خفية مشروعة) فوائد جمه للممارسيه مثل تحقيق مداخيل في السوق، وسهولة الدخول فيه دون حواجز، وعدم احترام لقواعده وإنعدام تشريع العمل، ويكون غالبا ذاتي التمويل. وفي ذات الوقت لا يدفع ممارس ذلك النشاط "الخفي" أي رسوم أو ضرائب للدولة، وفي الغالب منتجاته مقلدة ، وأسواقه غير محمية.
أسباب تنامي "الاقتصاد الخفي" في السودان: -
أولا: يعاني الاقتصاد السوداني منذ تكوين الدولة الوطنية المستقلة وحتى الآن من مجموعة المشكلات الهيكلية تشمل الاختلال بين العرض والطلب، والأسعار والأجور، وأسعار الفائدة ومعدل التضخم، والصادرات والواردات، والديون الخارجية، والعجز المالي للميزانية. وتعمل كل تلك الاختلالات على نشوء ونمو وتحفيز"الاقتصاد الخفي". بل تعتبر أكبر داعم ومُوطِّد لأركان "الاقتصادالخفي"بأنواعه. وتعود الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد لطبيعة الاقتصاد الريعي الذي يقصد بهاعتماد الدولة على مصدر واحد أو أكثر للريع) الدخل). وغالبا ما يكون هذا المصدر طبيعيا لا يحتاج إلى عمليات إنتاج معقدة.
ثانيا:هنالك علاقة تربط بين الريع والنظام السياسي في السودان، حيث أنه ومنذ تكوين الدولة الوطنية حُكمت البلاد بأنظمة عسكرية شمولية لفترات طويلة (6 و16 و30 عاما)، تخللتها فترات حكم ديمقراطية / مدنية قصيرة. ومن متلازمات الأنظمة غير الديمقراطية أن تبقي البيئة الاجتماعية دوما في حالة انغلاق فكري وانعزال عن التطور الاجتماعي الذي يكرس قيم الحرية والعدالة، وبالتالي تظل المجتمعات تعيش في ظل أفكار وبيئة تحض على العنصرية والقبلية والعقائدية التي تصبح سنداً وغطاءً لكافة أشكال الفساد ومناصرة الفاسدين وفق المرجعيات المجتمعية السائدة.
ويظهر تأثير الريع على الوضع السياسي في السودان كالآتي:-
-
قد لايكون الريع هو النوع الوحيد من الدخول في الاقتصاد، ولكنه يمثل الدخل الأكبر. وينتج عن الريع عوائد كبيرة تحصل عليها الحكومة في ميزانيتها تتعزز بها الانفاق السياسي والتفاخري ، خاصة في ظل الحكومات الشمولية التي تحكم من قبضة الايرادات في المركز . ويعمل تمركز الريع في قبضة الجهاز الحكومي على التقليل من قدرات الشركاءالآخرين) القطاع الخاص، منظمات المجتمع المدني). كما ينتج عن مركزية الإيرادات، حرمان الريف من التنمية والخدمات مما دفع السكان للهجرة من الريف إلى المناطق الحضرية للحصول على أبسط مقومات الحياة الأساسية.
-
يؤثر الريع على البيئة الاقتصادية، فتنحصر النشاطات في قطاعات تدر ارباحاً مثل المضاربات العقارية والمطاعم والتوكيلات التجارية ، بينما تقل فيه النشاطات الإنتاجية وذلك على المستوى القطاع العام والخاص. ويُلاحظ أن الحكومات تدعو الناس في خطابها السياسي لزيادة الانتاج الزراعي والصناعي، بينما تقوم هي عملياً بتوجيه النسب الأعلى في التمويل المصرفي للاستيراد والخدمات. كذلك توجه الحكومات كل اهتمامها بالوزارات الريعية مثل المعادن والنفط وولا تهتم إلا قليلا بوزارات مثل الزراعة والصناعة والصحة والتعليم .
-
ظهور الحركات الانفصالية بالبلاد التي تطالب بالسيطرة على الثروة و/ أو اقامة دولة مستقلة.ويقابل ذلك في الجانب الحكومي تعميق النعرات القبلية والجهوية والعقائدية عوضا عن التوزيع العادل للثروة.
-
هيمنة الحكومة على فرص العمل في غياب النشاطات المنتجة في القطاعات غير الحكومية.مما يشجيع على التهرب الضريبي والرشوة.
-
خلال حقبة ظهور البترول ظهرت الانماط الاستهلاكية و غابت الاستثمارات المنتجة، وأهمها الاستثمار في الموارد البشرية والمادية الأخرى. والتي ساهمت بقدر كبير في خلق فجوات في النسيج الاجتماعي، وفي تباين مستويات الدخل. وزاد مستوى الفقر، ومعلوم أن انخفاض مستوى الدخل يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة و يساهم في ارتفاع معدلات الجريمة.
ثالثاً:الأنظمة الإدارية والقيود الحكومية: تؤدي زيادة التعقيدات في النظم الإدارية والقيود الحكومية، إلى زيادة الدوافع لدى الأفراد للتحايل على تلك النظم والقواعد، بهدف تنظيم أنشطة غير قانونية، أو ما يسمى بالسوق السوداء.وتلاحظ أيضا تراجع مؤشر سهولة ممارسة الاعمال في السودان (انظر الجدول أدناه) ومعلوم أن مؤشر سهولة ممارسة الاعمال يعمل على تعزيز الانتاجية ومكافحة الفساد ويساعد في خلق فرص العمل بتحفيز الشركات الخاصة.
*ترتيب السودان في سهولة ممارسة الأعمال: -[1]
السنة | 2019 | 2018 | 2017 | 2016 | 2015 | 2014 | 2013 | 2012 | 2011 | 2010 |
المعدل | 185 | 170 | 168 | 159 | 160 | 149 | 143 | 135 | 154 | 154 |
رابعاً:
تطبيق سياسةالانفتاح الاقتصادي:
أثر أسلوب تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي بالتحول السريع من اقتصاد التخطيط إلى اقتصاد السوق على النسق القيمي والسلوك الاجتماعي،إذ أنه خلق نشاطات لم تكن موجودةً من قبل. وأفضى ذلك إلى فتح مجالات جديدة للكسب، أخذت أغلبها الطابع غير الرسمي وغير المنظم ، في الوقت الذي لم تتوسع فيه الأنشطة الاقتصادية الرسمية المنظمة بالقدر الذي يتيح فرص عمل جديدة تتناسب وحجم الزيادة في العرض من القوى العاملة. وأدى هذا الأمر إلى تزايد معدلات الهجرة من الريف إلى الحضر ومع إستمرار عدم قدرة القطاع الرسمي في استيعاب فائض القوى العاملة ومنع تحولها إلى القطاع غير الرسمي.
كذلك انتشرت ظاهرة الدَخْول غير المعلنة في المجتمع بصور متعددة ، لم تستثن أي طبقة من الطبقات الاجتماعية. فصار البعض يحصل على مَدَاخِيل غير معلنة في صورة أتعاب استشارية وعمولات، وآخرين يمارسون أعمال إضافية قد ترتبط بوظائفهم، فتدخل عليهم مَدَاخِيل غير معلنة، وهي بالطبع وهذه دَخْول ناتجة من ممارسة أعمال مشروعة. غير أن بعضهم يكسب دَخْولا من ممارسات غير مشروعة كالتهريب والمخدرات والرشاوى وغيرها. وفي كل الاحوال يصبح الدخل المعلن والمصرح به يمثل قدراً محدوداً من الدخل الفعلي.
الجريمة المالية في السودان :-
الجريمة المالية هي جريمة متطورة ومتجددة، تتضافر الجهود العالمية والمحلية لمحاربتها. لذلك ينبغي التخفيف أو الحد منها عبر الوعي المجتمعي بمخاطرها، وسن التشريعات الوقائية والمجرمة لها، ويشمل ذلك بالطبع التطبيق العادل للقانون.ومعلوم أن هذه الجرائم قد ازدادت في المجتمع السوداني، خاصة وهو يعاني من الانعزال الاقتصادي والاجتماعي وانخفاض مستوى التعليم العام ﻋﻠﻰ اﻟرﻏم ﻣن ﺗﻣتع السودان ﺑﺛروات ﻫﺎﺋﻠﺔ وﻣوارد ﻣﺗﻧوﻋﺔ وﻛﺑﻳرة، إلا أنه ﻻ ﻳﻌﺗﺑر ﻣن اﻟﻣراﻛز اﻟﻣﺎﻟﻳﺔ المتطورة على المستوى الاقليمي، وذلك ﻟﻌدد ﻣن اﻷﺳﺑﺎب اﻟﺗﻲ ﺣﺎﻟت دون ﺗطور وﺗوﺳﻊ اﻟﻘطﺎﻋﺎت اﻟﻣﺎﻟﻳﺔ. غير أن هناك العديد من العوامل الداخلية والخارجية، وتذبذب درجة السلم والامن فيه، والتي أفضت لارتفاع الانشطة التي تزيد من مخاطر ممارسة عمليات ﻏﺳﻝ اﻷﻣواﻝ وﺗﻣوﻳﻝ اﻹرﻫﺎب. غير أن ﻣﺣدودﻳﺔ اﻟﺗﻌﺎﻣﻝ ﺑﺎﻟﻧﻘد اﻷﺟﻧﺑﻲ واﻟﺗرﻛﻳز ﻋﻠﻰ اﻟﺗﻌﺎﻣﻝ ﻣﻊ اﻟﻌﻣﻼء اﻟﻣﺣﻠﻳﻳن ﻓﻲ اﻟﻘطﺎع اﻟﻣﺎﻟﻲ، وﻛذﻟك ﺿﻌف ﻧﻣو ﺑﻌض اﻟﻘطﺎﻋﺎت ﻣﺛﻝ ﺷرﻛﺎت اﻟﺗﺄﻣﻳن وﺷرﻛﺎت اﻷوراق اﻟﻣﺎﻟﻳﺔ، ﻗد تقلل مجتمعةً ﻣن أﻫﻣﻳﺔ ﺗﻠك اﻟﻣﺧﺎطر، ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﻣﺟﺎﻝ اﺳﺗﻐﻼﻝ اﻟﻘطﺎع اﻟﻣﺎﻟﻲ الرسمي ﻓﻲ ﻋﻣﻠﻳﺎت ﻏﺳﻝ اﻷﻣواﻝ ﻋﻠﻰ ﻧطﺎق واﺳﻊ.
اﻟوﺿﻊ اﻟﻌﺎم ﻟﻐﺳﻝ اﻷﻣواﻝ وﺗﻣوﻳﻝ اﻹرﻫﺎب في السودان:
وفق تقرير منظمة الشفافية العالمية جاء اﻟﺳودان في اﻟﻣرﺗﺑﺔ ١٧٢ (ﻣن بين ١٧٨ دوﻟﺔ) ﻋﻠﻰ ﻣؤﺷر اﻟﻔﺳﺎد ﻟﻣﻧظﻣﺔ اﻟﺷﻔﺎﻓﻳﺔ اﻟدوﻟﻳﺔ ﻟﻌﺎم ٢٠١٠م، وجاء في المرتبة 172 (من بين 180 دولة في العالم) عام 2018 م. ويعد ﻫذا المؤﺷر ﻣﻘﻠق و يشير بوضوح إلى وﺟود ﺑﻳﺋﺔ ﻣﻧﺎﺳﺑﺔ ﻟﻐﺳﻝ اﻷﻣواﻝ ﻓﻲ اﻟﺑﻼد رغم ﺗﺟرﻳم ﻏﺳﻝ اﻷﻣواﻝ وتمويل الارهاب وفق قانون السودان الصادر في عام2014 م. وقد أشار تقرير السودان - التقييم المشترك مكافحة غسل الاموال وتمويل الارهاب كالاتي: (يعتبر الاطار القانوني لغسل اﻷﻣواﻝ وتمويل الارهاب حديث نسبياً، نسبه لصدور معظم الادوات القانونية خلال الاعوام القليلة الماضية، بالرغم من أن الاطار القانوني مره بمراحل تطوير متعدده منذ العام2004م ، وتسعى السلطات السودانية إلى تعزيز فعالية الإلتزام بجميع الأحكام من خلال رفع الوعي لمنسوبي الجهات الحكومية المعنية بالمكافحة ولمنسوبي المؤسسات المالية والمؤسسات غير المالية).[2]
وبلغ عدد حالات الابلاغ عن العمليات المشبوهة (248 ) حالة في عام 2018. وتلاحظ أن النسبة الاعلي من المصارف وقد يعزى ذلك لأن المصارف لديها أطر تنظيمية في العمل، وبالتالي تعرف عملاءها وتراقب المعاملات التي تتم داخلها.
إحصاء بالجرائم التي تم الإبلاغ عنها:-[3]
الجهة المبلغة | 2014 | 2015 | 2016 | 2017 | 2018 |
البنوك | 30 | 31 | 21 | 37 | 140 |
الصرافاتومكاتب الخدمات | 5 | 7 | 6 | 9 | 4 |
جهات إنفاذ القانون | 16 | 49 | 39 | 74 | 84 |
هيئة الجمارك | 0 | 0 | 7 | 2 | 0 |
شركات التأمين. | 0 | 0 | 0 | 0 | 2 |
جهات الرقابة والإشراف | 30 | 3 | 3 | 1 | 7 |
جهات أخرى | 0 | 11 | 3 | 14 | 11 |
المجموع | 81 | 101 | 79 | 137 | 248 |
أسباب تنامي الجريمة المالية في السودان:
-
I.التباطؤ في إصدار التشريعات وتباين قواعد الإشراف والرقابة.
بمراجعة لبعض القوانين ذات الصلة بمكافحة الجرائم المالية والمكافحة للفساد مثل قانون غسل الاموال وتمويل الارهاب السوداني، نجد أن السودان قد شرع في إصدار قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في عام 2003م، وتمت إجازته في العام التالي. وتم تقييمه في عام 2005م بواسطة لجان التفتيش بمنظمة مجموعة العمل المالي – التابعة للأمم المتحدة (فاتفFATF). وكان تقييم تلك المنظمة أن ذلك القانون ليس مستوفيا للمعايير المطلوبة. وبعد ذلك انضم السودان لمنظمة (فاتف للشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA FATF في عام 2006م حتى يتمكن من تلقي المساعدات الفنية اللازمة لاستيفاء وسائل مكافحة غسل الأموال. ثم صدر بعد ذلك قانون جديد لمكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب في عام 2009م، وتم إجازته في العام التالي. وكان تقييم منظمة فاتف للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأن ذلك القانون لايزال يعاني من بعض جوانب القصور. ثم تواصلت الجهود في سبيل استيفاء القانون للمعايير العالمية، إلى أن أُصدر القانون الأخير في عام 2014م، وكان مستوفيا للمعايير الدولية، فتم العمل به. وتم الإعلان في أواخر عام 2015م بأن السودان قد استوفى كافة مواعين المعايير اللازمة.
كذلك أصدر السودان عدداً من القوانين المجرمة للفساد. فقد أصدر قانوناً لمكافحة الفساد هو"قانون المفوضية القومية للشفافية والاستقامة ومكافحة الفساد لسنة 2016م". وساهم إصدار هذا القانون في تحسين ترتيب السودان في قائمة دول العالم الأكثر فساداً. غير أنه لم يكن لذلك القانون أثر عملي ملحوظ على أرض الواقع، ربما لأسباب تتعلق بالطبيعة الشمولية لنظام الحكم السابق نفسه وممارسات بعض منتسبيه.
وكانت حكومة السودان قد أصدرت في عام 2015م تشريعاً بخصوص (حق الوصول للمعلومات) يمنح الأفراد والجماعات الحق في الحصول على المعلومات بالقانون. وقد نص ذلك التشريع على تكوين مفوضية تتولى توفير المعلومات لطالبيها، وإلزام الجهات المختلفة بنشر معلوماتها الضرورية. واستثنى ذلك التشريع 12 جهةً من تطبيقه إن كانت تلك طبيعة تلك المعلومات سرية و/ أوتتعلق بأمن الدولة وأسرارها. ورغم أن ذلك القانون بدا ظاهريا وكأنه يدعم السير في اتجاه دعم الشفافية، إلا أن النظام الحاكم جعله عمليا عديم الفعالية، وبدا وكأن القصد منه كان تقنين حجب المعلومات، حيث أن الاستثناءات الواردة في ذلك القانون جاءت غامضة ومطلقة دون أن يشير المشرع إلى معايير ضبط تبين بوضوح وشفافية ماهو متاح وماهو محظور.أي أن إصدار تشريع قانون حق الوصول إلى المعلومات بدا وكأن القصد منه كان هو تكريس قبضة الدولة وسيطرتها التامة على المعلومات بصورة أشمل، ولكنها لا تتعارض مع ما سنته من قانون.
2.تطبيق أنظمة التحرير الاقتصادي في الدولة دون وجود معايير الحكم الرشيد: -
تهدف سياسة التحرير الاقتصادي إلى التخفيف من قبضة الدولة على النشاط الاقتصادي عن طريق التقليل من القيود الإدارية والقوانين حتى يغدو القطاع الخاص هو صاحب الدور القيادي في الاقتصاد. ويرتبط مفهوم سياسة التحرير الاقتصادي بالفكر الليبرالي في الاقتصاد، والذي يدعو إلى ترسيخ مبادئ الحريات المدنية وسيادة مبدأ حكم القانون في إطار الحرية الاقتصادية.
لقد شرع السودان في تطبيق سياسة تحرير الاقتصاد في عام 1992م (أي في بدايات فترة حكم النظام السابق)، ثم بدأ في التنفيذ الفوري لسياسة تحرير الاقتصاد (أي خروج الدولة من العملية الانتاجية والخدمية) بشكل تام متجاهلا حتى توصيات صندوق النقد الدولي، والذي عادة ما يوصي بتنفيذ حزمة من الاصلاحات بالتدريج وعلى مراحل بغرض التخفيف من حدة الصدمة التي عادة ما يقع عبئها على عاتق الفقراء وذوي الدخل المحدود.
وكان من تبعات سياسة التحرير والخصخصة تلك خروج الدولة من السوق بصورة كاملة، وسيطرة فئة قليلة من التجار والنافذين والمُتَنَفِّذين على مفاصل العمل التجاري، وتفشت الممارسات الاحتكارية في السلع الاستراتيجية الرئيسية.
3.ارتفاع نسبة الفقر والبطالة:
تتضارب الإحصاءات الحكومية والدولية حول نسبة الفقر في السودان. فبينما يذكر تقرير للأمم المتحدة إن 46.5 % من سكان السودان يعيشون دون خط الفقر الوطني، و52.4 % منهم في فقر متعدد الأبعاد، بينما تذهب الدراسة الحكومية التي أجريت عام 2017م،إلى أن نسبة الفقر بالبلاد تراجعت إلى 28 % وذلك وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء السوداني. كما وذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)أن معدل البطالة في السودان في عام 2018 م بلغت نسبة 19.5% . ولا بد من الإشارة هنا إلى أن واحدة من أهم وأعوص المشاكل الرئيسة التي تعيق قياس المؤشرات الرسمية للدولة هو نقص المعلومات وتضاربها.
ويشير تضارب الإحصاءات إلى نقص المعلومات والبينات الموثوقة، وهذا النقص يعيق بلا ريب التخطيط الاقتصادي في البلاد. لذا ينبغي أن تولي الوزارات والمؤسسات الحكومية اهتماما أكثر بعرض المعلومات بصورة تقنية ودقيقة من حيث الصحة والنوعية الجيدة، وتقليل الفترة الزمنية المستغرقة لتقديم المعلومات للمستفيد واسترجاعها. وينبغي كذلك أن تكون المعلومات المقدمة قابلة للفحص والمراجعة والتحقيق من حيث الصحة والتوقيت وذلك وفق القانون (حق الوصول للمعلومات).
خامساً: من أنواع الجرائم المالية في السودان:
يعد تهريب النقد من أكثر الجرائم شيوعاً في السودان. و الرقابة على النقد وسيلة اقتصادية تمارس بواسطة الدولة للرقابة على الإنتاج وعلى توزيع المنتجات. لذلك تعتبر عملية تهريب النقد من الجرائم الاقتصادية الخطيرة،
حيث زادت مع تطور أساليب وتنوع وسائل النقل المادي للنقد. هذا بالإضافة إلى تطور وسائل الاتصال الحديثة والانترنت، والتي وفرت للعمل المصرفي تحديدا عددا من المزايا والعيوب في آن واحد. فزيادة حركة التبادل الاقتصادي بين الدول تعد ميزة، بينما تعد سهولة الاختراق للنظم المصرفية بسبب ضعف الرقابة المالية أكثر العيوب الرئيسة.
وتحمل جريمة تهريب النقد في طياتها بعض خصائص الجريمة الاقتصادية والاجتماعية في آن معا. غير أن خطورتها وارتباطها بالجرائم الأخرى مثل تمويل الإرهاب تعطيها طابع العالمية لكافة المعاملات دون قيود حدودية للجريمة. كذلك ترتبط جريمة تهريب النقد بضعف الثقة في أنظمة المؤسسات المالية، مما يدفعها إلى القيام بأنشطة مالية يومية بعيداً عن الأجهزة المالية الرسمية، وخلق كيان "خفي" للتعامل من خلاله.هذا بالإضافة الى أن النقد هو الوسيلة الأسرع في الدفع مباشرة، دون تحمل رسوم نقدية أخرى. هذا بالإضافة إلى أن المتعاملين يقللون من فرص الاستدانة فيما بينهم. ولهذه الكيانات المالية الخارجة عن المنظومة الرسمية معتقدات تتنامى مع تطور المجموعة، مثل مفهوم مخزن القيمة وهو أمر يرتبط عند توفر بيئة مالية غير آمنة، وأوضاع غير مستقرة سياسيا وأمنيا. فتقوم هذه المجموعة بتحويل جميع المدخرات المحلية إلى عملات أكثر استقرارا وأمانا وقبولا عالمياً مثل الدولار واليورو، بغرض تخزين الثروات والخوف من الانخفاض المستمر لقيمة العملة المحلية. وهذه في الحقيقة الأمر حلقة (مفرغة) مستمرة وسببية بين الاكتناز وزيادة الطلب على النقد الاجنبي وفي المقابل تدني قيمة العملة المحلية. هذا بالإضافة إلى أنه من الناحية الاجتماعية فإن تهريب النقد يحول فئات منتجة في المجتمع إلى فئات غير منتجة مع بروز طبقة غنية بشكل مفاجئ من جراء ذلك الكسب غير المشروع. وهذه الطبقة الثرية (دون وجه حق) لا تميز بين الانفاق والاستثمار، وترتفع عندها مستويات النزعات الاستهلاكية وشراء السلع دون ضوابط. هذا بخلاف دورها في دعم منافسة النشاطات الاقتصادية غير المشروعة عوضا عن النشاطات المشروعة. ويعد هذا من أهم مؤشرات ظاهرة غسل الأموال.
غير أن لعوامل الاستقرار والثقة في الدولة أثر كبير في الحد من ظاهرة تهريب النقد، في ظل وجود قوانين وأنظمة رادعة. أي أنه كلما كانت البلاد في حالة استقرار آمني كلما ظهر الثبات من الناحية الاقتصادية.
توصيات الورقة
أولاً :تعزيز القوانين المجرمة وتوفير قاعدة للمعلومات.
-
لمحاربة الجرائم المالية و"الاقتصاد الخفي"، يجب أن لا نستند على القوانين المجرمة فقط، فالقانون وحده ليس كافيا لحماية الدولة جميعها من الفساد وخاصة مؤسساتها المهمة. حيث يتلازم وجود الفساد مع ضعف الاحصاءات والمصادر الرسمية عن حجم الفساد نفسه، في ظل انعدام الشفافية ونقص المعلومات في البنية الأساس للدولة.
-
إنفاذ سلطة مفوضية مكافحة الفساد كما ورد في نص قانون المفوضية القومية للشفافية والاستقامة ومكافحة الفساد لعام 2016م.
-
إنشاء قانون منفصل لحماية المبلغين عن الفساد، بهدف ضبط صيغ وإجراءات الإبلاغ عن الفساد، وآليات حماية المبلغين بما يساهم في تكريس مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة (الحوكمة الرشيدة)، ومنع الفساد ومكافحته في القطاعين العام والخاص، وليس كما هو وارد في مهام المفوضية المكونة داخل قانون 2016م.
-
سن قانون منفصل لإسترداد الاموال المنهوبة.
-
Code of ethics) لجميع الموظفين والعاملين باختلاف مستوياتهم، بتركيز خاص على عنصر تضارب المصالح الذي يعتبر أكبر مهدد للنزاهة، وتحديد ورسم خريطة مخاطر تحدد الوظائف المعرضة لمخاطر خرق النزاهة.