سِتُّو كَتَبْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الخامِسَةُ عَشَر .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.
19 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت (سِتُّو كَتَبْ) طفلة جميلة في غاية الأُبُّهة والأناقة، وانحدرت من أسرة نبيلة كانت في غاية الثراء، وكان يرافقُها (مُحَمَّد) ابنُ عَمِّها دائماً ويحميها، فقد رباه عمُّه (والدُ سِتُّو كَتَبْ) بعدَ وفاةِ أخيه وَالِد رفيقها (مُحَمَّد).
وكان مُحَمَّدٌ و(سِتُّو كَتَبْ) يتلقَّيَان دروسهما على يدِ شيخٍ اعتادَ أن يأتيهما خصيصاً في المنزل لتدريسهما وتنشئتهما.
ولكن ما لم يكُن يعلمه أحد أو يصدِّقه، حتى ذلك الحين، ان الشَّيْخ كان في الأساس (سحّاراً) يتنكرُ في تلك الهيئة الوقورة: حتى يسهُلُ عليه اصطياد الفرائس.
وكبرا قليلاً: مُحَمَّدٌ و(سِتُّو كَتَبْ) وشبَّا عن الطَّوْق، ولمّا كان أبو (سِتُّو كَتَبْ) رجلاً مُستنيرًا، فقد دفعها لأن تُواصل تعليمها وتكمله، أسوةً بـابن عمها ورفيق دربها (مُحَمَّد)، بخلاف ما جرى عليه العرف بقطع تعليم البنات عند أهل تلك القرية المحافظة.
فصارا يترافقان في الذِّهاب والعودة في طرف القرية حيثُ كانت تقع خلوة ذلك الشَّيْخ السَّحَّار، بدلاً عن أن يأتي هو عندهم في البيت.
وكانت (سِتُّو كَتَبْ) تخلع حذاءَها الذهبي وتضعه على البساط المفروش في عتبة بابِ خلوةِ السَّحَّار،
نعم، لقد كانت تلبسُ حذاءً من ذهبٍ وثياباً مِنْ حرير.
وكانَ السَّحَّار يتحرّقُ شوقاً للانفرادِ بأيِّ منهما ليسهل عليه صيده وحيداً، ولكن مُحَمَّداً و(ستُّو كتب) كانا يأتيانه معًا، وينصرفا من عنده معًا، بحيثُ حمَىَ كلٍّ منها الآخر، وانقذا بعضَهما بعضاً من حيثُ لا يدريان.
ولكن، حانت اللحظة وحدثتِ الغفلةُ، وواتتِ الشَّيْخَ السَّحَّار الفرصةُ، في ذلك اليوم الذي سبق فيه مُحَمَّدٌ (سِتُّو كَتَبْ) ودخلَ وحدُه إلى خلوة الشَّيْخِ السَّحَّار.
و على الفور قبضَ عليه الشَّيْخُ السَّحَّار، وبدأ يأكل لحمه.
وجاءت (سِتُّو كَتَبْ) إلى الخلوة، ولمّا دخلت رأت ذلك المنظر الغريب، فهالها وأصابها بالذعر فهربت، ولكن ليس باتجاه القرية كما هو متوقعً وطبيعي…
بل اختارت الهرب في نواحي الفراغ العريض وجوف الخلاء.
ومرت في مسيرها بقرىً كثيرة، ولكنها من شدة الذُّعر، أرادت الوصول لأبعد مسافة ممكنة من قريتها، ومن خلوةِ الشيخ السَّحَّار، الذي رأته وهو يأكُل ابن عَمِّها الحبيب (مُحَمَّد).
وتعبت وعجزت عن المشي.
ولكنها قاومت التعب، وواصلت المسير حتى وجدت نفسها في طرف قريةٍ كبيرة وكانت أرضهُا نظيفةً ومبانيها تتسمُ بالجمال.
ففكرت بينها وبين نفسها ان تقيم في تلك القرية الآمنة، وتستقر فيها، ورحبَّ أهلُ القرية بمقدمها ونزولها عندهم، وابتنُوا لها داراً واسعة ومريحة.
ومر على اقامتها زمنٌ طويل، وفي أحد الأيام استدعاها السلطانُ إلى القصر، ولما رآها، أسره جمالُها، وأعجبهُ نبلُها وعرض عليها الزواج فقبلت فتزوج منها.
وبعد شهور حبلت منه بطفلها الأوّل، واقترب الموعد الذي ستضع فيه مولودها الأوَّل.
أمّا الشيخ السَّحَّار فقد ظلَّ مقتفياً أثر (سِتُّو كَتَبْ)، بلا طائل ولا جدوى، في القرى المجاورة والبعيدة، وكان هدفه أن يأكلها حبَّاً في لحمها أولاً، وحتى يسكتها إلى الأبد فتختفي جريمة أكله ابن عَمِّها الحبيب (مُحَمَّد) في الخلوةً:..
ولما لم يعثر على أثرٍ (لسِتُّو كَتَبْ)، عاد خائباً إلى القرية، ولكنه ظلَّ يتسقط عنها الأخبار، عله يسمع شيئاً يدله على مخبئها.
وما أن وضعت (سِتُّو كَتَبْ) طفلها الأوّل، حتى ذاع الخبر، وتسامع الناسُ بهذا الحدث العظيم، وصل النبأ إلى أذني الشَّيْخِ السَّحَّار، فباتَ يعرف أين يقع مقر إقامتها الآن.
وانطلق إلى القرية حيث تعيش (سِتُّو كَتَبْ) في قصر زوجها السلطان، وبعد محاولاتٍ عديدة وبحيلٍ كثيرةٍ، دخلَ إلى مَضْجَعِها، ولما رأته (سِتُّو كَتَبْ) ارتعبت، فقال لها الشَّيْخُ السَّحَّار:
– سِتُّو كَتَبْ يا سِتُّو كَتَبْ!
شِنْ شُفتي مِنْ عَجَبْ؟
لَامِنْ مَلَصْتِي نِعَال الدَّهَبْ
فُوْقَ العَتَبْ!
فقالت له (سِتُّو كَتَبْ):
– لا، لا! ما شُفْتَ شِيْ، يَا سَيَّدنَا…
ثم أخذ منها السَّحَّارُ طفلها الأوّل عُنوةً، وانطلق به هارباً من القرية.
وعندما سألها الناس عن مكان طفلها وكيف اختفى، أجابتهم:
– لا أعلم… فقد كنتُ بعيدةً عنه لغرضٍ مَا، عند اختفائه.
وظل السَّحَّارُ يتسقَّطُ أخبارَها، حتى ما إذا وضعت مولودها الثاني، أتى إلى مخدعها مرة ثانية فقال لها:
– سِتُّو كَتَبْ يا سِتُّو كَتَبْ!
شِنْ شُفتي مِنْ عَجَبْ؟
لَامِنْ مَلَصْتِي نِعَال الدَّهَبْ
فُوْقَ العَتَبْ!
فتقول له (سِتُّو كَتَبْ):
– لا، لا! ما شُفْتَ شِيْ، يَا سَيَّدنَا…
وظل السَّحَّارُ يتسقَّطُ أخبارَها، وداهم مخدعها بعد ان وضعت مولودها الثالث حتى أخذه منها.
وهنا شعر السلطان بأن هناك أمرٌ غير طبيعي يحدث.
وهداه تفكيره الى ان يظن ان (سِتُّو كَتَبْ) سحّارة وأنها اكلت اولادها الثلاثة بنفسها، فقرر قتلها، وأمر خادمه الخاص الأمين وأرسله لتنفيذ تلك المهمة، وطلب منه أن يأتيه، كدليلٍ على موتها، بدم (سِتُّو كَتَبْ) في جرّة!
وفي الطريق وهما سائران إلى حيثُ ستقتل، استطاعت (سِتُّو كَتَبْ) أن تستميل الحارس المكلف وتلين قلبه، واقنعته بأنها بريئةٌ من تهمة أكل أولادها أثنته عن تنفيذ الأمر بقتلها… وذبح الحارسُ بدلاً عنها جدياً، واعطى لحمَهُ وجلَدهُ (لسِتُّو كَتَبْ)، ثم صبَّ دمَ الجدي في الجرّة، وعاد به إلى السلطان.
واسدل الستار على قصة (سِتُّو كَتَبْ) وتهمة أكلها لأولادهاُ ومرت الأعوامُ والسُنُونُ ليحدث بعدها ما لم يكُن في الحُسبَان!
أما لم يكُنْ في الحُسبَان، فهو ان الشَّيْخَ السَّحَّار قد شارف على الموت ودنى أجلُه… فعمرت الرقّةُ قلبَهُ، واستعمرته عندما آن أوانُ احتضار…
ولأنه كان قد جمع أبناء (سِتُّو كَتَبْ) الثلاثة، الذين لم يكن أحدٌ ليظن، حتى أنت عزيزنُا القاريء، أنهم لا يزالون على قيد الحياة…
وباحَ السحَّارُ وهو في سكرات الموت لأولاد (سِتُّو كَتَبْ) بسرهم وبسر أبيهم السلطان وأمهم المظلومة.
وسأله الأولادُ المقسَّمًون الان بين مشاعر الحزن، والدهشة، والفرح، عن الكيفيّة التي والمكان الذي يمكن أن يجدوا فيه أمهم (سِتُّو كَتَبْ) وأباهم السلطان؟
ورد الشَّيْخُ الساحر، وهو يلفظُ انفاسَهُ الاخيرة عليهم قائلاً:
– لا أدري شيئاً عنهم ولا أعرف مكانهم، ولكن سأريكم الطريقة التي لو اتبعتموها لوجدتم أباكم وأمكم.
ثم أهداهُم خيولاً ذهبيَّة، مُطهمة، وقال لهم:
– ستمرون بقرى كثيرة أثناء بحثكم، وتجوبون بلاداً عديدة وودياناً، وفي كل قرية سيقدمون لكم الطعام، ولخيولكم البرسيم، وعليكم عندها (أن ترفضوا البرسيم وتقولوا لهم:
– (إن خيلُنا تأكُل المَحْلَبَ فقط!)…
وحينئذٍ سيستغربُ أهل القرية من كلامكم، وسيسألوكم:
– (وهل هنالك خيلٌ تأكُلُ المحلب؟).
فتجيبوا أنتم:
– (وهل هناك أم تأكل جناها؟).
وتلك هي الطريقة الوحيدة التي ستقودكم لمكان أمكم (سِتُّو كَتَبْ) وأبيكم السلطان، وغادر الأوَلادُ الثلاثة ديار السحار يمتطون صهوات جيادهم الذهبيّة، وانطلقوا في دروب الخلاء والوديان وجابوا القرى والبلدان بحثاً عن أمهم (سِتُّو كَتَبْ) وأبيهم السلطان.
وفي الأثناء كانت عوادي الدهر قد نالت من أبيهم السلطان وأفل نجمه، وزال ملكه وصولجانه، ولكنه ظلَّ محتفظاً بقسمٍ كبيرٍ من ثروته، يحدوه أملٌ ضغيفٌ ويتملكه أحساسٌ بلا منطق في أنه سيلتقي بأبنائه الأعزاء.
وظل كاتماً لقناعاته وأمله عن الناس، مبتعداً عنهم ومنعزلاً عن مجالسهم. وواصل الأبناءُ بحثَهم بلا كللٍ أو ملل، أطراف الليالي وآناء النهار.
وأخيراً وصلوا قرية أبيهم السلطان وأمهم (سِتُّو كَتَبْ)، ولكنهم لم يكونوا ليدركوا ذلك.
ونفذوا وصية الشيخ السحار، فرفضوا أن يقبلوا بالبرسيم علفاً لخيولهم، وقالُوا:
– (إن خيلُنا لا تأكل البرسيم، لأنها تأكُلُ المَحْلَبَ فقط!)…
فسألهم أهلُ القرية:
– (وهل هنالك خيلٌ تأكُلُ المحلب؟).
فتجيبوا أنتم:
– (وهل هناك أم تأكل جناها؟).
وانتبه من بين الحضور أحدُ الشيوخ المسنين، الذين صادف وجودهم في المكان عندما استقبل أهل القرية ضيوفهم أولاد(سِتُّو كَتَبْ) وأراحوا خيولهم، فقال:
– نعم هناك أمٌ أكلت جناها، واسمها (سِتُّو كَتَبْ)، وكانت زوجةً سابقةً لسلطاننا المُعْتَزِل (فُلان!).
ومن كلامه عرف الأولادُ مكانَ أبيهم، وذهبوا له والتقوه، وحكوا له قصتهم مع الشَّيْخ السَّحَّار… وأخبروه بنصائحه لهم عند احتضاره.
فسعد السلطانُ المُعْتَزِل بقدوم أبنائه إليه ومقابلته لهم، ولكنه يحزن، ويخجل حين يخبرهم بأنه كان قد أمر بقتل أمهم (سِتُّو كَتَبْ)، وطلبوا منه أن يسمح لهم بزيارة مقبرتها، على الأقل!
واستدعي السلطان المُعْتَزِل حارسه السابق، الأمين والذي كان قد أوكل إليه مهمة قتل (سِتُّو كَتَبْ)، وسأله عن أين دفنها وأين هو مكان قبرها.
ولكن (الحارسُ الأمين) فاجأ الأولاد وأبيهم السلطان حين أخبرهم بأنه لم يقتل (سِتُّو كَتَبْ) كما أمر وادعى… ولكنه تركها، وهي على قيدِ الحياة، في الخلاء، بعد أن أعطاها مِعْزَةً دارّةً تعينها على الحياة وتغذيها باللبن.
وذهبوا مسرعين إلى الخلاء حسب وصف الحارس الأمين، ووصلوا المكان المحدد، وجدوا أمهم (سِتُّو كَتَبْ) بخير وفي أتم الصحة والعافية.
وكانت تملكُ قطعاناً من المواشي ومراحاتٍ من الأغنامِ والإبل، وتفلح مزرعةً اشتعلت بالقمح والوعدِ والتمنيِّ…
واجتمعت الأسرةُ أخيراً والتأمَ شملُها من جديد، وعاشوا كلهم: السلطان المُعْتَزِل وزوجته (سِتُّو كَتَبْ)، وأولادها الثلاثة باقي عمرهم في سعادة وهناء!
amsidahmed@outlook.com
///////////////////