وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ السَّابِعَةُ عَشَر .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.
21 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صارت مقابلةُ (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) صدمةً قاسيةً ومن المتجنبات، بعد أن تأكد للناس أنه نهض من قبره، بعد وفاته ودفنه المحضور في مقابر القرية، وصار بعاتيًّا، وصار أهلُ القرية يهابونه وهم الذين ودَّعوه وهم يذرفون دَمع الدَّم عليه لما عُرِف عنه من طيبة، ومسالمة، وحلو الشمائل، ويتفادون لقاءه، في المناطق التي اعتاد أن يظهر فيها، مثل الخرابات، و الأماكن المهجورة، وبالذات في أوقات المغارب، وعند حلول الظلام، أو حين ينفرد بأحد أفراد القرية…
والحقيقة أن (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) كان يريد استعادة وتائر حياته الطبيعية ولكن الناس، الذين تسامعوا بقيامته، كانوا يرهبونه، ويجتنبون لقاءه، ويهربون من أين ما كانوا، بمجرد سماعهم صوته المنخنخ بسبب تلف أنفه الذي انكسر في القبر.
وفي ذات يوم، وعندما ذهب مُحَمَّدٌ إلى الجزيرة ليحش القَشْ ليعلف بهائمه، وكادت الدنيا أن تمغرِب عليه ويحل الظلام، استأذن أصحابه في السماح له بالعودة إلى البيت، حتى لا يلاقيه (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ).
ولكن أصحابه استبقوه، وقالوا له:
– سنربط القَشْ على ظهرك، فيطفو في الماء، ويغطيك، فلا يراك (وَدْ أُمْ بِيْنَا) حين تعود عائماّ إلى البيت.
وعلى ذلك، بقي معهم يتسامرون إلى أن من شبعوا الونسة اكتفوا، وانفضَّ سامرُهم… و
وربطوا ربطة القَشْ على ظهر (مُحَمَّد)، وقفز هو إلى النهر، عائداّ إلى البيت.
ولكن ما لم يعلمه، الأصحاب ولم يتوقعه مُحَمَّد: (أن وَدْ أُمْ بِيْنَا كان قد استمع إلى حديثهم كاملاً، وجلس ينتظر مُحَمَّدَاً في القيف ).
ولما قفز مُحَمَّد إلى الماء،قفز (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) وراءه، وتابع (وَدْ أُمْ بِيْنَا) مُحَمَّداً، بهدف التودد إليه، فصار يخاطبه:
– يا قَشْ، أقيف!
فيتوقف القَشْ (أي مُحَمَّد).
– يا قَشْ، أَمِشْ!
فيواصل القَشْ (مُحَمَّد) مسيره، عائماً في الماء.
واستمرت الحال كذلك، إلى أرهق مُحَمَّدٌ وتملكه الخوف وارتعدت أوصاله، فتملص من القَشْ وعام بأقصى سرعة وما أن وصل الحَجْرة، ثم أطلق ساقيه للريح…
و(وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) من خلفه، يصيح به:
– يا زول أقيف ! هاك القَشْ بتاعك ده…
واستمرت شبه المطاردة هذه، إلى أن دخل مُحَمَّدٌ إلى (كتريقة )، كان فيها إثنان من الجزارين يسلخان جلد بهِيْمةٍ كانت معلقةً على أعوادِ سقف الكترِيقة، وطلب الرجلان من (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) أن يساعدهما بأن يمسك لهما برجل البهِيْمة، فقال لهما (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) معتذراً:
– لا ياستطيع، لأن الأرضة قد أكلت يديَّ في قبري.
فألتفت إليه الجزاران، مرعوبين، وسألاه:
– ومن أنت؟
– أنا وَدْ أُمْ بِيْنَا…
ولم ينتظر الجزاران ولو للحظة: ليسمعا كلمة أخرى من (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ)، ووليا الأدبار، وهما يعضان على العراريق ، تاركين بهِيْمتهما المذبوحة (لوَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ).
ولكن (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) الودود، جرى خلفهما بنيةٍ حسنة، ليرد لهما بهِيْمتهما، ويطمئنهما، وهو يصيحُ بهما مترجياً:
– يا ناس هِيْ! تعالوا شيلوا بهِيْمتكم، هِيْ تعالوا شيلوا بهِيْمتكم…
وهكذا بدأت المُطاردة الثانية…
وجرى الجزاران اللصان، تاركين بهِيْمتهما (المسروقة أصلاً)، ووَدْ أُمْ بِيْنَا يجري خلفهما…
وفي تلك الأثناء، مرَّ من الطريق شابٌ كان قد خطب بنت خالته، مؤخراً، وكان الشاب يحمل أغراضًا احتفالية في مخلاية ، ويمم صوب بيت بنت خالته لعمل الاحتفال هناك.
ورآه (وَدْ أُمْ بِيْنَا) فخاطبه بصوته الأخن:
– يا أخي، أوقف لي هذين الرجلين!
فسأله العريس المستقبلي المزمع:
– وَإِنْتَ مِنُوْ ؟
– أنا وَدْ أُمْ بِيْنَا…
وعلى الفور، أسقط المخلاية التي حوت أغراض الاحتفال، وفر هارباً بأقصى سرعته، ووَدْ أُمْ بِيْنَا يجري خلفه في المطاردة الثالثة، محاولاً أن يرد له مخلاته، وهو يُناديه:
– يا زول هِيْ! تعال شيل مخلاتك، هِيْ تعال شيل مخلاتك…
وتلَّب ذلك الشاب المرتعب من فوق سور البيت، ليلتقي وجهاً لوجه مع خالته (أم العروس).
وغضبت الخالة الجاسرة، المُسترجلة من هذا الشخص الذي يُطارد ابن أختها، وهاجت وماجت، مستنكرة أن يُهان ابن أختها خطيب ابنتها الحَسْنَاء، والتي كانت متاحة ولسنوات لِأَنْ يخطبها أيٌّ من الشباب، لأنها تصورت أن سبب المطاردة هو خطوبة ابنتها الحسناء.
وصاحت بالرجل الذي يجري خلف عريس بنتها ويطارده، وقالت له تلومه:
– لِمَ تطارده، ولماذا تغير منه، وقد كان بمقدورك أن تخطب ابنتي قبله، من منعك؟
فرد عليها (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ)، شارحاً موقفه ومبرئاً ذمته:
– أنا ما مطاردو، أنا عايزو يشيل مني مخلاتو!
وانتبهت لصوت الرجل الغريب، فسألته وقد تملكها الخوف:
– وَإنُتَ مِنُوْ ؟
– أنا وَدْ أُمْ بِيْنَا…
وتملكها الرعب من مجرد الأسم، وصوتت وسكلبت:
– وَيَيْ بُوْيْ… وَيَيْ بُوْيْ!
واجتمع أهلُ القرية على اثر سماعهم نواحها، والتفوا جميعاً حولها، وحاصروا (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ).
ولكن (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) إستطاع الهرب منهم بأعجوبة ونفد بعظمه، إذ لم يكُن له جلد، فقد أكلت الأرضةُ جِلدَه كله.
ومن يومها تاب (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ) من ملاحقة الناس وترك التودد إليهم، وصار فقط يرقبهم من بعيد، دون أن يروه، أو يسمعوا عنه شيئاً، وخفتت سيرته بين أهل القرية، مع مرور الأيام، وشيئاً فشيئاً، بحيث صار (وَدْ أُمْ بِيْنَا البَعَّاتِيْ)، الآن، نَسْيَاً مَنْسِيَّا!
amsidahmed@outlook.com