مات الحصان، صعقه تيار كهربائي من الأُميَّة الرابضة أمَام دكانِ عثمان، تلك الأمية التي غَمرتها مياه الأمطارِ، كما هُو معتاد في كلِ خَريف…
ومن فورِه خر صريعاً، بضعفٍ لا يتناسبُ مع فَتوته التي كانت بَاديةً للعيانِ، وشعرهِ اللامع البهيجِ، ووقع حَوافره الصَّلِفِ…
ولم يكن (شَطَّة) حِصان سباقٍ، بل كان حِصان عادياً يجرُّ كارُّو، لأنَّ الصدف وضعتهُ بين يدي العَم (طَهَ العَتَّالي).
وكان (الحِصَانْ شَطَّة) قد أكمل الفترة المقررةَ عليه لتسمينِه بغرضِ البيعِ ، وفقاً لديدنُ العمِ طَهَ العَتَّالي، الذي دأب على أن ويرعَي أحصنتهُ يعلفها فوقَ ما تستحقُ كحصينٍ للكارو، بغرضِ بيعِها بين الفترة والثانية، وإستبدال حصينه المسمنة بأخرى هزيلٍة، نحيلةِ الجسمِ، زهيدة الثمنِ، ليستفيد من حصوله على فرقِ السعر في تغطيةِ الديونِ، وسداد الإلتزامات، التي كانت تتراكَم عليه خلال الفترة ما بين شِراء الأحصنةِ وبيعِها…
ويُعيد تسمين الحصان الجديد بغرض بيعه، أثناءَ عملهِ في جرِالكارو، فيسمن الحصان بعد أن كان هزِيلاً ، ويباع كالحِصين التي سبقته!
وبشكلٍ عام، فإنَّ هذه التجارة كانت كل ما أتقِنه العم طَهَ العَتَّالي مِن أعمالٍ، مُنذ أن فر مِن قريته في شمال البلاد، وإستقر مُكافحا في العاصمةِ المُثلثة (الخرطوم)…
وها قد مَات (الحِصَانُ شَطَّة)، وليس عنده حِصانٌ بديل، أضف إلى ذلك إن (العم طَهَ العَتَّالي) لم يكن مُستعدا لهكذا خَطب، ولم يخطر بباله ذلك الإحتمال، وتلك الإبتلاءة!
– فما العمل؟
كان العمل، وفقَ المنطق، وطبيعةِ الأشياء، هو أن يبحثُ العم عن حصانٍ بديلٍ (لشَطَّة).
– ولكِن مِن أين؟ ولمَن يمكن اللُجوء؟
والسُؤال لغَير الله، حسب يقين العم طَهَ العَتَّالي: مَذَّلة!
ولهذا لجأ، باديء الأمر،ِ إلى مدخراته، فأحصَى ما كان يملكُ، ولكنه لَم يجد شيئاً يستحق الذكر، لأنه لم يعتاد أن يوفر المال ولم يتحسب لعَوادي الدهر، ومَوت الحصين.
وكان عليه، إذن، أن يتحدثَ ولا بد إلى أم العيال (عَائشة).
كانت فجِيعةُ أم العيال في نفوق (الحِصان شَطَّة) تفوق فجيعة العم، لأنها وضعت آمالاً عِراض، وخُططٌاً عديدة، للإستفادةِ من فرقِ السِعر عند بيع (الحِصان شَطَّة)، وكان أكبرُ تلك الآمال هِو تزويجُها (إحسان) بنتها في الموعِد المضروب مع النسابة الجُدد…
ولكن، ها قد أهارت أحلامها في التمتع بأيام سلسة، كهرباءُ الأُميَّة، بالتضامُن مع مِياهِ الأمطار!
وسيعكر صَفوها ويقلق منامها غياب حصان زوجها، لأنه سيقود الى عطالته، وشلهتته بحثا عَن البَديل، ولكنَها لم تبتئِس فيما يتعلقُ بزواجِ (إحسان)، وتفائلت، بوصفِه عَمل خيرٍ، بتمامه، و تردِّدْ لنفسها:
– إن شاء الله عَمل الخير، ورَبَنا بِتِمُّو!
ولكنَها عجزت عن الإجابة على السؤال الحلي المطروح:
– (من أين لهم بِحصانِ جديد يجر الكارُو؟).
كانت حِيلتُها وكل ما عندها لترد عَمليا على ذلك السؤال، هو أن تتنازل عن القطعة الذَهبية مُتناهية الصِغر، والعَنزات الثلاثة.
وأقـبـلت على زوجِها (العم طَهَ العَتَّالي)، ووضعت أمـامهُ، الآن، كـل ما تَمـلـك، بحقٍ وحَقـيقةٍ، ويـشهـدُ الله عـلى ذلـك!
ولكنهُ قبل بالعَنزتين، ورفض أن يبيع العنزة الثالثة، أو قطعة الذهب، لأنهُم كانوا بحاجةٍ إلى رطلَي اللبن التي تدرهما تلك العنزة، في الصباح والعشية، لصنع الشايِ للكبارِ، ولتحضير غذاءِ الصغار. أما رفضه بيع القِطعةُ الذهبية فقد كان بسبب أنها، ورُغما عن كل شيء، تبثُ بوجودِها الطُمأنينةَ في قلبِ زوجته (عَائشة)، وشرح لها موقفه، فقال:
– الدِهِيْبَايَة نَخَلِيها، وما نبيعها إلا في الشَدِيد، القَوي!
والحقيقة، أن الظرفَ الذي كان يتعرض له (العم طَهَ العَتَّالي)، كان هو:
– الشَديدُ القَوي ذاتَ نَفسِه!
لأن ريع الغِنيمايتَين، ومدخرات العم طَهَ العَتَّالي تحولت لتغطية الصرف في ميزانية تزويجِ (إحسان).
وبعد مرور المناسبةِ بسلامٍ، صَارالعم (العم طَهَ العَتَّالي):
– أباطُو والنَجِمْ!
بالمعني الحرفي، والتام، للمثل الشعبي الدارج.
وضعفت آمالهُ وتقلصَت، فقنع من مُساعداتٍ الأقاربٍ، أو زملاءِ مهنته، لأن زواج إحسان كان قد إستنفدَ كل تلك المصادر، واستهلك جميع المساعدات.
وهَكذا تدهورت خطةُ (العم طَهَ العَتَّالي)، وتنازلت عن الحِصان الذي سيجرِ الكارو، إلى حِمارٍ يجر برمِيلاً للماء.
وكان من المُمكن مقايضة صِهريج الماء المطلوب بمُقابل هيكل الكارو، الذي بَاتت بلا الحِصان.
ولكن بقيت المعضلة في الطريقة لإيجادِ الحِمار، وكان حال (العَم طَهَ العَتَّالي) يحاكي القول المرير:
– (رضِينَا بالهَم، والهَم مَا رَاضِي بِينا!).
وهكذا، تَقهقرَ حال العَم طَهَ العَتَّالي، فصار إلى مَا كَان عليهِ قَبل سِتة عشرَ عاما، عندما كان يعملُ في العِتالةِ، وتَحميلِ البضائع بيديهِ المُجردتينِ، يحسدُ أصحابَ الكاروعَلى نِعمائهم وإمتلاكِهم حَصينٍ، ويُمنِي نفسه بامتلاك المِثلِ، كُلما مَر أمامهُ (حِمارٌ)، يجرُ خلفهُ برميلَ مَاء !
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم