حتى لا يصير التطبيع تطويعاً .. بقلم: الفاضل إحيمر – أوتاوا
بدءاً، هكذا نهج في ممارسة سياستنا الخارجية غير صحيح وليس بالمفيد، وعلى الرغم من أن مبرراتٍ ما، أمنية، لوجستية، عملية …. إلخ ربَّما تكون قد أملت أن يتمَّ اللقاء بنتنياهو بالصورة التي جاء بها، فإنه من المرجو أن يكون ذلك آخر مظاهر العشوائية والارتجالية والتخبط في سياستنا الخارجية. لقد آن أوان أن تكون لنا سياسة خارجية محددة الأهداف، واضحة المعالم، بيَّنة الإستراتيجية، بعيدة النظر لها ثوابت ومبادئ، فيها خطوط حمراء، بها مساحات للتفاوض والمساومة وتتوفر بها آليات ليس فقط للرصد والمتابعة بل أيضاً التنبؤ والاستقراء حتى لا تفاجئنا الأحداث أو نلهث حول التطورات خاصة ونحن نعيش في عالمٍ مضطرب، تتسارع فيه الأحداث وتتشابك وتتقاطع المصالح وتتبدل الاستراتيجيات. هكذا تصور في مجال السياسة الخارجية يقتضي الإحجام عن الفوقية ويستدعي أن تكون هناك أجهزة متخصصة ذات دراية وقدرات عالية وأن تكون هناك آلية فعالة للتنسيق فيما بينها وأن يكون بها أكفاء مؤهلين للتعامل بمهنية عالية مع تحديات المرحلة وعِظمِ المسؤولية.
وعودة إلى اللقاء بين السيد/ عبد الفتاح برهان والسيد/ بنيامين نتانياهو، فإنه على الرغم من أهمية مناقشة كيف تمَّ التخطيط والتمهيد ثم الإعداد له من قبل الجانب السوداني، فإن ما قد تسفر عنه هذه الخطوة غير المسبوقة، على الأقل في العلن، أكثر أهمية. إن قرار الانصياع لطلب/ طلبات إسرائيل والإدارة الأمريكية او رفضها قرار خطير سوف تكون له في كلتا الحالتين بالنسبة للسودان تبعاته الخطيرة والبعيدة المدى والبالغة الأثر محلياً، إقليمياً وعالمياً وعلى العديد من الأصعدة، السياسة والاقتصادية وغيرها. ليس ثمة دولة، خاصة حينما تكون في وضع وحال دولتنا تتمنى أن تجد أو تضع نفسها في مثل هذا الوضع الحرج والذي هو مأزق وورطة. إنه بواقعيةٍ وبكل أسفٍ وضعٌ لا نملك في الوقت الراهن مقومات أن نخرج منه رابحين، كما نشتهي، مهما كان خيارنا، رفضاً او قبولاً. إننا نتواصل، ولا أقول نتفاوض، مع دولة إسرائيل ونحن في أسوأ حالات ضعفنا وهي في عنفوان قوتها ومجدها، نتواصل معها ويدها هي العليا ويدنا السفلى، ظهرنا إلى الحائط وظهرها إلى أكبر قوة في العالم، نتواصل معها كيتيمٍ يسعى لنيل ما يسد رمقه من مائدة متخمٍ لئيم، نتواصل معها ونحن على دراية تامة بما جناه من سبقونا على هذا الدرب وعلى الرغم من ذلك نمضي فيه، وهي على دراية بأننا تمنَّعنا في السابق بل تعاملنا معها بعدوانية لم يظهرها أصحاب القضية والآن جئنا تائبين ولا أريد أن أقول صاغرين.
قبل أن أختم، أورد، على سبيل العظة والاعتبار، أن دبلوماسياً أمريكياً مرموقاً سُئل أن دولةً ما قدمت الكثير من التنازلات ونفَّذت كل ما طُلب منها فلماذا لا تمنحها أمريكا مكافأة على ذلك؟ فأجاب لماذا ندفع لشراء ما نحصل عليه أو يُقدم لنا مجاناً؟ وأن دبلوماسياً آخراً من ذات البلد سُئل أن دولةً ما قد رضخت بعد أن اشبعتموها عِصياً فلماذا لا تقدمونا لها بعض الجزر؟ فأجاب: طالما العصي تؤدي الغرض، فلماذا نخسر بعض الجزر؟ أرجو ألا ينطبق هذا علينا ونحن نلج المجهول ونقبل على مغامرة ومقامرة تفوق كل ما أقدمنا عليه وعرفناه في السابق وتختلف عنه.
لا توجد تعليقات
