ثمن الضعف .. بقلم: أحمد علام

 

 وسط الضباب الكثيف من همجية المشاعر المتناثرة في كل الأركان الكئيبة التي تملئ بالرغبات الشبقية لمن يتوحشون علي غيرهم حيث تتواري الفضيلة، ويجف نهر المحبة بين الناس، وتضمر نية إعمار الأرض، لبيرز علي السطح عكس ذلك وتختفي الترانيم والتسابيح لتحل محلها اللعنات والصخب في كل مكان ومن ثَم يحاصر الكلم الطيب التي راقت إليه النفس لتكون الأيام أكثر إشراقاً ولكن أصبحت الأموال والأعراض والنفوس مستباحة تصدح في البرية وتلهث لشفق الفجر من بعيد، ولمقاربة الحقيقة يستحيل ذلك في اجواء غربة المصطلح، وخناق المنهج بإعدام كلا إرث حضاري وطمس جوهر الشخصية من الداخل، وفرض القطيعة مع العلم ويلوح في الأفق غياب كل البديهيات المعرفية بغير عودة ليتبقى فتات العقل وسط شجون الندم التي تتعلق بأهداب الحضارة التي تؤذن بخراب العمران، وهدم الإنسانية أمام جماح تيار الجهل والهمجية.

 كل ماتبقي من تركة الرجل المريض هو أحلك ساعات الظلام التي يتصاعد فيها القلق لعموم الناس شاكية الظلم والظلام جالدة لذواتهم وضعفها تطرح الأسئلة مرتابة من الكلمة، والجملة، والمعني ، والمقصد الذي ينحو بهم نحو سفح جبال الفشل، والحزن فمالبث أن نما إلي وعينا رجل تجري دموعه علي وجهه بعدما تخلي عن ضميره ومسئوليته في عمله لصالح عجلة التنمية في مجتمعه ويقبل مقابل هدمه لإنسانيته في مزاد علني لمن يدفع أكثر ليلقي به في السجون والدهاليز الضيقة الخانقة للأنفاس، يتصفح كتاب حياته وكيف كان له بدائل متاحة تغنيه عن كل مايري ولكنه ضن علي نفسه العزة والكرامة ليسبح مع تيار الهمج ومايزال يطرح علي نفسه الأسئلة المزدحمة حول عقله وتحاصره وتبارزه بسيوف الكلمات الشاذة والجمل المعقدة والمعاني الملتوية والأفكار الغامضة ويكاد عقله ينفرط منه عقدة بجروح غائرة لاتجد لها بلسماً لها شافي للآلام الموجعة تاركة أطلال عقله السليم وسط ركام من فٌتات نفسه المدمرة التي استجابت للحظة ضعف.
 حينذاك ظهرت فتاة مضطربة مذهولة من صدمة الأيام التي لم تمهلها حين أعلنت ضعفها وتركت له العنان ليقود تصرفاتها بعقل اعمي لا يبصر شيئاً بل لا يرتقي حين يهبط هبوطاً مدوياً يخسر فيه كل شئ، وجسداً يذبل بعد نضارته، تحاول أن تلملم مابقي لها من حياة غامضة بائسة حين استسلمت لضعفها ومات شرفها علي مائدة الصالة وبين أيدى مرتادي المكان حتي استهلكت كل مافيها وعيناها تتحسس القمة فسقطت بين أغلال الظلام والضيق تتلمس نسمة الهواء لتحيا راحة الجفون بلا مأوي فلا تجد شيئاَ سوي سراب خادع لتتوالي محاولاتها البائسة مستصحبة دموع ندم ترسم الأيام التي كانت تتمناها، ولكن ضعفها دفعها إلي ماوصلت إليه و آل إليه حالها حتي إستقرت نفسها في محل الخزي والإنكسار الذي لا ينصلح و النابع من ضعفها في لحظة مهينة.

 الحق كل الحق يكمن وراء اليقظة الكاملة علي مدار الساعة المتيقظة لبناء حائط صد للإنسان يحيل دون سقوطه في بئر الندم بعدما يُسلم نفسه ذليلة بين ثنايا لحظة الضعف لاتملك أدني مقاومة أو موقفاً، بل تكون تابعة منساقة وراء رغباتها الجامحة مستندة علي أوهام وأضاليل لا أساس لها سوي النفس ورغباتها الطفولية التي لاتهدأ حتي تحصل علي ماتريد مهما دفعت من ثمن، وحينذاك يسكن العقل إلي التقليد، ويفر من الإبداع حتي يصطدم بنفسه فيلقيها من فوق كل منطق، فلا يستغرق في التأمل أو يستنفذ طاقته في الوصول إلي الحقيقة بعيداً عن عالم المثل والقيم الذي هو ملاذ البشر من الهلاك والفَناء ليصل إلي ضياع لا يُرى طرفه وتلك هي العقبة الكؤود التي يجب أن يتخطاها كل إنسان حتي يصل إلي مايريد وهي لحظة الضعف، فلا يجد نفسه دافعاً للثمن الفادح وهو ثمن الضعف.

a.allam@ahmedallam.net

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً