الصداقه فى زمن الغدر .. بقلم: أحمد علام
14 مارس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
33 زيارة
ما زال صوت يصدح فى أعماقى ، يبحث عن مجهول غير موجود ، وسط زخم من مقاصد شخصية،تتعارض وتتوافق هنا وهناك، بإسلوب عبثي يسقط الكل فى اللا معنى .ويحيل الحياة إلى حلبة يصرع القوى فيها الضعيف بلا رحمة أو هوادة ، ليدور الجميع فى دومات لا تنتهى باحثين عن معنى الحياة وجدواها ، ما بين عقوق أبناء ، وخيانة زوجة، وحقد قريب، وغدر زميل ،وفساد مسئول، وطعنة جار، وسرقة شريك ، وسخرية الحضور ، وقذف صديق، وتخلى رفيق، وتوحش حبيب، وضلال معلم ، ومادية طبيب ، وغش مهندس ، وكذب محامى، وندالة حبيب .
فإن طعنك أحدهم فى ظهرك فذلك أمر طبيعى أعتادنا عليه ، ولكن أن تلتفت وتجده أقرب الناس إليك فهذه هى الكارثه التى تقع على العقل فتفقده بوصلته ، فكم من خائن اليوم لا يشنق بل يشنق الاّخرين .حيث أن الغدر يأتى من منبع الثقه التى تضعها أنت بنفسك ومنها يتولد ذلك الوحش الذى ينتهك خيوط نفسك بشكل لا تستطيع إعادتها إلى ما كانت عليه ، فكل شئ يمكن إعادته من جديد إلا الثقه والزمن – فإن سقطوا من دائرة الأيام فهيهات هيهات لمن يأمل أن يعودوا.
بعد توغل لوحات الظلام من تحول الجميع فيمن أراه إلى ذلك المسلك المخزى , يطل ذلك المجهول من أعماقى ليتصدر مشهد حياتى ، فالصداقة حين تصدق تكون من أنبل أنواع الحب ولم لا فهو الحب بلا هدف ، بلا منفعة ، بلا أغراض سوى الإستمتاع بالصحبة حيث تشعر بروح صديقك تبادلك الحب ، لأنها تبنى على التقارب الروحانى ، ولذلك فهى تتخطى كل الحواجز حيث يمكن أن تقوم بين رجل وإمرأه أو بين شاب وكهل أو بين أناس ينتمون إلى ثقافات و حضارات مختلفة.
فالصداقة هى متعة سامية تعطى للحياة أخيرا معنى ومذاق . فهى لا يمكن أن تفرضها على أحدا أبدا حتى الزواج يمكن أن تفرضه بالقوة ، ولكن الصداقة إما أن توجد من تلقاء نفسها أو لا توجد . فإذا وجدت الصداقة الحقيقية فقد عثرت على كنز دفين وسط أشلاء إنسان تفرقت وسط أنياب الخونة , فهو الطبيب النفسى التى تلقى عند عتباته خواطرك واّلامك وأفراحك ، ليصفى عندك ما تجد ويلقى به فى أعماق البحار ، وتعود ماءك إلى النقاء والشفافية ، وكأن الزمن عاد بك إلى الوراء طفلا يبتسم لنسمة هواء ، وطائر يرفرف فى السماء لتخرج الضحكة من صميم القلب متمسكة بالأمل وبهجة الحية تتناسى كل ما دار بينهما وبين الحياة سابقا ، لتوقع على عقد جديد مع الأيام بألا تفقد تلك الروح وتظل مفعمة بالحياة والجمال – ملتحفة بالسعادة الغامرة التى لا تعرف العبوس واليأس .
الصداقة كلمة فوق الكلمات ، ومعنى فوق المعانى ، وبحر بلا نهاية . تحلم بها دائما تتمناها وتترقى لتحقيقها ، فحروف صديق ( الصاد عن الصدق ، والدال عن الدم الواحد ،والياء عن اليد الواحده ، والقاف عن القلب الواحد) فالصداقة كالمظلة كلما أشتد المطر إزدادت الحاجة لها ، فهى ود وإيمان وحلم وكيان يسكن الوجدان ، ولا توزن بميزان ، ولا تقدر بأثمان ، ولا تغيب مثلما تغيب الشمس ، أو تذوب مثلما يذوب الثلج ، ولا تموت إلا إذا مات الحب . وهى أسمى حب فى الوجود – بل رمز لحب الخلود ، والحب الطاهر بلا نفاق ولا حسد ، وليس لها حدود ، فهى إحترام للود , حيث أنك تذهب إلى الصديق متكدرا وحزينا فتعود صافيا وسعيدا .
فالصديق علاقة فارقة فى الحياة وليس علاقة فارغة ، حيث ينحت فى الأعماق مشاعر رائعة لذكرى خالدة لا تمحى ، فإن كانت حروفها قليلة – فإنها كثيرة المعانى ولا تباع ولا تشترى بل لقاء بلا ميعاد . فهى أغلى من الذهب ، ومفاتيحها الحب والصدق والوفاء ، وبعد الفراق لا تنتظر بزوغ القمر لتشكو له ألم البعاد ، بل أبحث عن الصداقه فى زمن الغدر ….
a.allam@ahmedallam.net