أغنية مدنية حرية وسلام: تعقيب على القدال .. بقلم: د. محمد عبدالرحمن أبوسبيب
أجدني، كمستمع، أقرب إلى ما ذهب إليه القدال. وعلى المرء، كمتلقي لعمل فني كالأغنية، أن يركن إلى سمعه ، ومثلما “عينك سِرّك” في تقييمك لما تراه كما جاء في أمثالنا فكذلك “أضانك سِرّك” في تقييمك لما تسمعه، فهي مستودع خبرتك على كل حال وكسبك من سماع الغناء السوداني، مع إختلاف الأذواق والمشارب. كما أن ما حدث في إحتفال لجان البراري بمرور مائة يوم على شهداء مذبحة الإعتصام أمام القيادة العامة للجيش يؤيد تقييم سماعي لأداء الأغنية موضوعنا وكذلك ما توصل إليه صديقنا القدال في تقييمه لها، وسأرجع لهذه النقطة لاحقاً. لكن لنذهب في سياحة قصيرة نطل فيها على أمثلة من تاريخنا للمقارنة في ضوء المناحة كجنس أدبي وغنائي في موروثنا. فالسياق الذي جرت فيه هذه الأغنية هو هذه الكارثة الوطنية متمثلة في مذبحة الإعتصام. وتاريخنا القديم والحديث والمعاصر يشهد بالمذابح، بعضها إرتكبها الغازي المستعمر وبعضها إرتكبها جيشنا الوطني وبعضها مذابح جرت بين القبائل والجماعات، والسجل الشعبي للقصيد المنائحي عامر كذلك بسير الأشخاص والأبطال الذين إستشهدوا في المذابح أوالمعارك. وهناك عل الأقل مناحتين أضحيا أغنيتين سائرتين في إعلامنا تغنى بهما كبار الفنانون وصغارهم، وهما “حليل موسى” و”الواعي ما بْوصّو”. مناحة/أغنية حليل موسى مسجلة في برنامج ربوع السودان منذ أوائل الستينيات بصوت سيّدة عادةً لا يذكر المذيع إسمها، وكل من غناها، ومنهم الكابلي، غناها بنفس لحن تلك السيدة، وهي تدور حول إستشهاد الفارس موسى أبحجل في معركة وادي الكربكان أمام الجيش الإنجليزي. وتبدأ هذه الأغنية/المناحة ب”حليل موسى يا حليل موسى، حليل موسى للرجال خوسى”. وكلمة حليل في العربي السوداني لها عدة معاني حسب السياق، فهي تستدعي التاريخ والذكرى أو التشوّق والحنين أو الشفقة أو المغادرة والتحسر على الفراق، وإن كان المعنى هنا مقصود به الفقد والتحسر لكنه مقرون مباشرةً بمناقب الفارس. ومناحة/أغنية “الواعي ما بْوصّو” التي يؤديها بادي محمد الطيب نظمتها بت مسيمس لعبدالقادر ودحبوبة تعدد أيضاً مناقبه وتصف شجاعته لحظة إعدامه. في هاتين المناحتين يبدو ميزان المناقب أثقل من توصيف الفقد، وإستدرار الدمع تعترضه نوع المفردة ومتانة صور المناقب، وحتى مناحة أخته رقية له، وهي المعاصرة للحظة إعدامه، ختمت نظمها بأبيات تحبس الدمعة في مرقدها إذ تقول: جابوكْ للشنِق لا كلّيتَ لا ملّيتْ، تسلم يا عشاي إتفرّشتَ واتغتّيتْ، يا مُقنَعْ وليّاتو.
لا توجد تعليقات
