أَبْ لِحَايَة- أَبْ لِحَايَة، قَصَصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانِيْ- الحَلَقَةُ الخَمْسُوُنْ، وَالأَخِيِرَةْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.
17 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
56 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كَانَ مَحَمَّدٌ وَدْ السُّلْطَان، طِفْلاً يتِيم الأُمْ، تَزَوَّجَ والدُه السُّلْطَان، بعد وفاة أمه، إمرأةً شريرةً أنجبت ولداً، كَانَ يصغرهُ بعامين، واسمه حَسَنْ، وأشرفت على تربيتهما معاً.
ولكنها كَانَت تغار عندما تقارن بينهما، لأن محمد كان يتفوق في تلك المقارنات، لفروسيته، وشجاعته، ووسامته، وخصاله الَحْميدة، ولم يَكُنْ يعبأُ بِها، فقد كَانَ مشغُولاً مع مُهْرَتِهِ الَّتِي أهدته إيَّاها أُمُهُ قَبْل مماتِها، ولم يَكُنْ يعي نوايا زَوْجَة أَبِيْه، كما أنه لم ينتبه، إطلاقاً، لخوفها من أن تؤول إليه ولاية العَهْد، هو، وليس لإبنها حَسَنْ.
وواصل انشغاله برعاية المُهْرَة، الَّتِي صارت أقرب إلى الفَرَسْ، الآن، من الصَّبَاح إِلَى المَسَاءْ، لا يفترقان، إلا حينما يذهب مَحَمَّدٌ إلى النوم.
وَقّرَّرَتْ زَوْجَةُ الأَبْ، وتدعى (زَيْنَبْ)، التخلُّصَ مِنْ مَحَمَّدٍ، حتى يخلُو الجَوْ، وتتسع فرصُ ابنها (حَسَنْ)، وتغيب المنافسة بينه وبين محمد أخيه.
ولأجل هذا الغرض، فقد قّرَّرَتْ أن تضعَ زَجَاجَاً مَكْسُوراً ومسموم في مَدْخَلِ البَيْتْ، وحرُصَت على تحذيرِ ولدِها (حَسَنْ) من المرورِ فوقَ عتبةِ الباب، وأمرته بتسلق السُّوْر، عندما يعود مع أخيه للبيت
وعادَ الأخوان، فتسلَّق حَسَنٌ السُّوْر، وتسلّق مَحَمَّدٌ بعده السُّوْرَ، أيضاً، لأنَّ الفَرَسْ كَانَت قد استمعت لحوار زَوْجَة الأَبْ الشريرة مع ابنها حَسَنْ حول الزجاجِ المسمُوم، ونصحت الفَرَسُ لمَحَمَّدٍ، بأن يحذو حذو أخيه حَسَنْ، ففعل.
ولكن زَيْنَبْ غضبت، غضباً شديداً، لفشلِ خطتِها، في الباطن، ولتسلُّق مَحَمَّدٍ السُّوْر في الظاهر، وعنفته، وَقَالَتْ له:
– لا تُقلِّد أخاك الصغير مرةً أُخرى.
وأهانته، إهانةً شديدةً، آلمته، ولكن، سُرعان مَا زالَ أثرُها، عندما بدأ يُلاعِب فرسَهُ الحبيبة.
محاولتها الثانية، للتخلص من محمد، كَانَت بتسميمها نصف الطعام، الذي كَانَ سيأكله مَحَمَّد، حسب ظنها.
ولكن مَحَمَّداً، الذي تزوَّدَ بالنصائحِ مِنْ الفَرَسْ، أكلَ من نفس الجهة من الطبق، الَّتِي كَانَ يأكلُ منها أخوهُ حَسَنْ، ولمّا توقف حَسَنْ عن الأكل، توقف أخوهُ مَحَمَّدٌ، أيضاً.
وغضبت زَيْنَبٌ من جديد، ولكنها بعد تعنيفها لمَحَمَّد، شَكَّت في أنه كان على علمٍ، مسبقٍ، بخططها.
وتملكتها الحيرة، فيمن كان الوَاشِي؟ إذ لم تكن على علمٍ بأمرِ الفَرَسْ، وبأنها تفهم، وتتكلم، وتنقل خططها لمَحَمَّد، ، منبهة له وناصحة، فإن محمد كان هو سائسها، ومربيها، وصديقها الحَنُوُن!
واستدلت، بعدَ تفكيرٍ عَمِيْق، إلى أن الفَرَسْ هي الَّتِي تُخبرُ مَحَمَّداً بخططِها، ومكائِدِهَا، فقررت التخلص من الفرس، أوَّلاً.
وفي سبيلِ إبعادِ الفَرَسْ عن محمد، إتفقت مع حكيم البلاط، أن يصِف، لها في مجلس السُّلْطَان، لَحْمَ الفَرَسْ علاجاً من مرضَ مفضٍ إلى الموت، وتظاهرت أمام المجلس بالمرض الشديد.
وكَانَ مَحَمَّدٌ، في هَذِهِ الأثناء، قد توجَّس شرّاً من زَوْجَة أَبِيْهِ، وَخَافَ من أن تقتله بمؤامرةٍ جديدةٍ، لا قِبَل له بها، منعاً لتَوَلِيْهِ العَهْد.
فجلسَ مهمُوماً، يُفكِّر. ولما فاضَ به القهرُ، بكى، فسألتهُ الفَرَسُ عمّا يؤلمه، فبثَّها همومَهُ، وأَشجَانهُ، وشرَح لها خوفَهُ من أن يُقتل بيديْ زَيْنَبْ.
فَقَالَتْ لَهُ الفَرَسْ:
– ليس أمامنا سوى الهَرَب، على أن ننتهز فرصةَ ختانك، أنت وحَسَنْ، ونهرُب.
ووصفَ الطَّبِيْبُ لَحْمَ الفَرَسْ، في مجلس السُّلْطَان، علاجاً وحيداً لزَيْنَبْ، من دائها العُضال.
ولم يستطع مَحَمَّدٌ الرفضَ أمام سطوة أَبِيْه، ولكنه ترجّاهُ بأن يَدَع الفَرَسْ حيَّةً، حتى يعرِض بها، يَوْم ختانه هو وأخيه حَسَنْ، على أصوات طرق الطبول، وإيقاعات النحاس الحماسيَّة.
ووافق والدُهُ السلطان، وأجَّل ذبحَ الفَرَسْ إلى ما بعد انتهاء مَرَاسِمْ الخِتَانْ.
وعرفت الفَرَسُ بعزمِ السُّلْطَانَ على ذبحِهَا، ليُهدي لَحْمَها لززوجته الشريرة (زيْنَبْ)، فزادها ذلك، إيماناً على إيمانها، بضرورة الهرب!
وفي يَوْمِ الخِتَانْ ظهرَ مَحَمَّدٌ في أبهى حُلَّة، ملابسٌ من حرير، وجرتق، وهلال من الذهب المرصع بالألماس.
وعرض وسط الدَّارة ، هو، والفَرَسْ.
وكَانَ جِدُّهُ قد أحضر عنقريبه ، بجوار ساحةِ الاحتفال، فلمحت الفَرَسْ (خَاتْم المُنَى) معلَّقاً بسبحة الجد، وَقَالَتْ لمَحَمَّدٍ:
– أنا سأقتربُ من الجد، وعليكَ أن تسحب من يده السبحة، والخاتم الثمين، وأن تستعد بعد ذلك، للهربِ فوراً!
واقتربت الفرسُ، من عنقريب الجد، فعلاً، وسحب مَحَمَّدٌ السبحةَ الَّتِي تربُط (خَاتْم المُنَى)، وطارت الفَرَسُ إلى أعلى، وغابت في جوف السماء.
وَغَابَ معها أيُّ أثرٍ لمَحَمَّدٍ، ولم يَسْمَع أحدٌ عنه شيئاً بعدَ تلك الليلة!
وأوصلته الفَرَسُ إلى مدينةٍ بعيدةٍ جداً من مدينةِ أَبِيْه، وهناك قالت له:
– الآن، سنفترق، أنت معك خَاتْم المُنَى، ويمكنك طلبُ ما تُريد، ولكن، وما أن تحتاجني، فسآتيكَ على الفور، وما عليك إلا أن تفرُك هَذِهِ السَّبِيْبَاتْ من ذيلي، لتجدني أمامك، في الحال.
وأَعطتهُ السَّبِيْبَاتْ.
وخلعَ مَحَمَّدٌ، بغرض التخفِّي، ملابسه، وأوشحته، وكل ما كَانَ على جسمه من ملابس الأمراء، ما عدا سروال صغير، يستر به عورته، وأودع كل ذلك على ظهر الفَرَسْ.
وَقَالَتْ له الفَرَسْ:
– اصنع لكَ ثوباً من لحاء هَذِهِ الأشجار، فإنه لا يصح أن تظل عارياً، هكذا.
ثم طارت، وهي تلوحُ له، حتى اختفت في الأفق البعيد، وغابت عن الأنظار.
وبدأْ مَحَمَّدٌ في جَزِّ اللحاء، والصفق، حتى أكمل صنع الثوب الذي أوصت به الفرس، وارتداه، ثم دلف إلى داخل المدينة.
وهناك استقبله الناسُ باستغرابٍ، ودهشةٍ، وظنوا أنَّهُ فقيرٌ، فعطفُوا عليه، وأسموه (مَحَمَّدٌ أَبْ لِحَايَة) بسبب الثوب المصنوع من لحاءِ، وصفقِ الأشجار، ثم صاروا، بعد فترة، ينادونه (بأَبْ لِحَايَة) فقط، دون ذكر اسمه الأول (مَحَمَّد).
وسَمِعَ السُّلْطَانُ بأمرِهِ، فاستدعَاهُ إلى مجلسه بلقصر، وسأله:
– من أين أتيت يا (أب لحاية)؟
– من مدينةٍ بعيدةٍ، لا أذكرُ عنها، الآن، شيئاً، وقد جئتكُم، هنا، بعد أن ضللت الطريق، وتُهت في الصحراء لزمن.
وهكذا، فإنَّ السُّلْطَانَ لم يظفر منه بأيَّة معلومةٍ مُفيدةٍ، بل ولا حتى معلومة تُذكَر.
فسأله، وهو ينوي مساعدته:
– ماذا يمكنك أن تعمل؟ لتكسب عيشك عندنا؟
فأجابَ محمدٌ، وفي ذهنه فرسه الحبيبة، وقال:
– يُمكنني أن أَسُوُسَ الخَيْلَ، وأرعاها!
فوافق السُّلْطَانُ بأن يعهد إليه رعايةَ الخَيْل الَّتِي كَانَ تفيضُ بها إسطبلات القَصْر.
وهكذا استقرت أمورُ أب لحاية لحدٍ ما، بيد أن الاضطهاد، والتحقير، كَانَا يلازمانه كلما مرَّ بجمعٍ من الناس، فقد كَانَوا يتهامسون، ويتغامزون:
– شُوُفُوا أَبْ لِحَايَة، شُوُفُوا أَبْ لِحَايَة!
أبدعَ أَبْ لِحَايَة في رعايةِ الخَيْل، واندمج مع مهنتهِ الجديدة، وكَانَ كأنه يرى فرسه وسط تلك الخيول، فلم يحس لا بغربة، ولا تعب، ولا وحشة.
وكَانَ الإسطبل يقع في مدِّ بصر الأميرة الصغرى، وكَانَ من عاداتها أن تتأمل القَصْر في الأمسيات، من مقصورتها المطلة على ذلك الأسطبل، وانتبهت لأَبْ لِحَايَة، وأثارَ فضولَها، فطفقت تراقبه، وترى ما يقوم به من نشاطٍ، وهمة في رعاية الخيول.
وزاد فُضُولها، فصارت تقدِّم لهُ الشَّايْ، بنفسها، في الصَّبَاح، بعد أن ترُد الخادمة المكلفة بتلك المهمة، وتتجاذب معه أطراف الحديث، إلى أن صارحته، ذات صباحٍ، بأحاسيسها نحوه، وقالت له:
– أشعر أنَّكَ عالي المقام، وَإِنَّ صُورة (أَبْ لِحَايَة) المَرسُومة عنك صورةٌ وهميّة!
ولكنه كان ينكر، ويزداد نكراناً، فتمعن هي، بالمقابل، في تقديره، واحترامه، وتزدادُ إمعاناً!
وكَانَ أب لحاية يفرك خَاتْم المُنَى، بعد أن ينتهي من شراب الشاي، ويطلب منه مُنْقَارَاً يضعه، لها، في الكوب الذي فرغ، ولكن، لم تسأله الأميرة، يوماً، عن مصدر الذهب، ولكنها كَانَت تحتفظ به في خزانتها، وتوليه عنايتها الفائقة، وكَانَت، يَوْماً بعد يَوْم، توقن بأن أب لحاية شابٌ غير عادي، بل هُوَ ذو شأنٍ عظيم!
وكَانَ أَبْ لِحَايَة يستدعي فرسه في الليالي المُقمرة، ويسرجها بالحرير، ويرتدي رداء الأمراء، ثم يبدأ العرضة، لساعاتٍ وساعات، وقبيل الفجر ، يصرف الفَرَسْ، ويرتدي ملابسه العادية، ويتقوقع، مرة أخرى، في شخصيّة (أَبْ لِحَايَة!).
وفي ذات ليلة، جلست الأميراتُ، بنات الملك (السبع)، يتأملن حياتهن، ويحاولن السيطرة على مستقبلهن، ويقررن مصيرهن.
وأبدت الأخوات امتعاضًا من تعنت أَبِيْهن في أمر زواجهن، وشروطه التعجيزية للشباب العازمين على الزواج من بناته.
– ولكن ما العمل؟ وكيف يصارحن والدهنَّ بهواجسهنَّ، ورغباتهنَّ، إن هذا، لعمري، يفوقُ ارتكاب الكبائر.
قالت الصغيرة:
– نرسل له سبع عجورات كبيرة، ذابلة، ومعها سبع عجورات صغيرة رخصة ، وسيفهم والدنا، أن العَجور الصغير يتلف، ويصيرُ عجوزاً، مكرمشاً، بفعلِ الزَّمن، فينتبه عندئذٍ لحالنا!
وأرسلن العجور، وجلسن ينتظرن!
ووصل المرسالُ للملك، الذي استغربَ استغراباً شديداً في أمر ذلك العجور، ولم يفهم مغزى الرسالة، فاستعان بخاصته، فلما فشلوا في معرفةِ الإجابة، استعان الملك بجميع من في المجلس، وكَانَ أَبْ لِحَايَة من ضمن الموجودين، فقال له:
– لقد فهمت من العجور الرخص، إشارة لحال بناتكم الآن، اللائي يعتريهن الخوف من الذبول، فيصرن كالعجور العجوز، وهن يطلبن منك تزويجهنَّ، قبل أن ينقضي الزمن، فيذهبُ شبابهنَّ قبض الريح!
وفي الحال، أمر السُّلْطَانُ بأن يُقام احتفالٌ كبيرٌ، يضم أهل المدينة، والمدن المجاورة، حتى يتاح لبناته، أن يخترن عريساً ملائماً، لكل واحدة منهن.
وأمر بدقِّ النحاس، وطرقِ الطبول، وذبح الذبائح.
وكَانَ يَوْماً فخماً، ومشهوداً لمن حضروه، أمّا (أَبْ لِحَايَة) فقد كَانَ بعيداً عن مكَانَ الاحتفال، هُناك في الإسطبل، يسُوس الخَيْلَ ويرعاها.
ورقصت بناتُ السُّلْطَان، وبدأت الكبيرة بالرقص، فتفننت، وأجادت ثم ألقت منديلها فوق نجل الوزير، ثُمَّ تبعتها أختها الَّتِي تليها، والَّتِي اختارت نجل كبير التجار، فالثالثة… وهكذا أختارت الأخوات الست أبناء الأعيان.
ثُمَّ دخلت الدّارة، بنتُ السُّلْطَان الصغرى، ورقصت رقصاتها البديعة، وهــاج الناسُ وماجـُــوا، وتمنّى أي شابٍ مِن الحُضور، أن تُلقى الأميرة الصغيرة، منديلها عليه.
ولكنّها خرجـت من الدّارة، بعد انتهائها من الرقص، وهي ممسكةٌ بالمنديل، دون أن تلقــــِهِ على أحـدٍ منهم!
فسأل السُّلْطَانُ عن الغائبين، وكلما تذكَّر الحضورُ ابن وزيرٍ، أو تاجرٍ، أو عظيم، أتوا به.
فترقص بنت السُّلْطَان الصغرى، وترقص، ثم تخرج، من الدارة، وهي ممسكة بمنديلها.
وفجأة، تذكر السُّلْطَان (أَبْ لِحَايَة)، وأمر بإحضاره.
وضجَّ الحضورُ بالضحك، وتعالت صيحاتُ السخرية، فقال السُّلْطَانُ:
– لو ألقت منديلها عليه، لأزوجنَّها له!
وعندما حضر (أَبْ لِحَايَة)، رقصت الأَمِيْرَة الصَّغِيْرَة كالجِنيَّة، كما لم ترقص بنتٌ من قبل، ورقصت، ثم رقصت، وعندما تعبت، اقتربت من (أَبْ لِحَايَة)، وألقت عليه المنديل.
وهاجَ القومُ، وامتعضُوا، فقال لهم السُّلْطَانُ:
– هذا عهدٌ، وهو اختيارُها، ولذلك، فإنني لن أتردَّد في قُبُولِ (أب لحاية)ِ زوجاً لابنتي!
ولكن، لم يتم إكرامهما أسوةً بأخواتها، وأزواجهن.
وأعطاهما السُّلْطَانُ نزلاً، صغيراً، ملاصقاً للقصر، وقبل، ولكن على مضض، (بأب لحاية) زوجاً للأميرة الصغيرة.
وحاولت الأَمِيْرَةُ الصَّغِيْرَةُ أن تُطمئن (أَبْ لِحَايَة)، وقدمت له ذهبها، ومجوهراتها، ولكنه رفض أن يأخذ منها شيئاً!
وزودها (أَبْ لِحَايَة) بالمزيد من التفاصيل، عنه، وعن حياته، وطلب منها أن تكتم الأمر، وتظل قصَّة حياتهِ سرهما الخاص، ولا يجب أن يطلع عليه كائن من كان.
ولكن، الحُنُق، ومحاولة الدفاع عن (أَبْ لِحَايَة) أمام أَبِيْها، جعلها تبوحُ ببعضِ الأسرار، ولكن، ومع ذلك، لم يصدِّقها أحد!
وهجمَ الأعداءُ، بغتةً، على المدينة، واضطربَ فُرسانُها، وتناثرُوا، وكادُوا أن يهزمُوا، ففرك (أَبْ لِحَايَة) سبيباتِ ذيلِ الفَرَسْ، فأتتهُ في الحال، ولبسَ ملابسَ القتال، وامتشق سيوفَه، الَّتِي كَانَت تجرى بين يديه كالماء، وضربَ أعداءَهُ ضربَ غرائبِ الأَبِل، وأثخنهُم جراحاتٌ، وأسالَ دماءَهم ، ففرُّوا، وارتدُّوا على أعقابهم، مُدبرين!
ولفتَ هذا الفارسُ، المغوارُ، نظرَ السُّلْطَان، واستطاع، بالكاد، أن يضربه في يده ليميزه في الصَّبَاح.
أمّا (أَبْ لِحَايَة)، فقد جمعَ الغنائمَ، من سيوفٍ، ودروعٍ، وخيولٍ، وأدخلها في حرزٍ أمينٍ، عنده في الإسطبل، ثُمَّ دخلَ دارَهُ، وَنَامْ!
وفي الصَّبَاح، دُقَّ النحاسُ، وجُمِع الناسُ، وأعلن السُّلْطَانُ بأنه يبحثُ عن فارسِ الأمس، المِغْوَار، وقال:
– لو لا هذا الفارس، لسقطتِ المدينةُ في أيدي الأعداء، ولقتل شبابنا، وسبيت نساؤنا.
وأخبر السلطان، الجميع، بأنه قد جرحَ ذلك الفارس، في يده اليمنى ليميزه.
فما كَانَ، من جميع الشباب، إلا أن حضروا، وهم يربطون أيديهم، أولاد الوزراء، والمسئولين، وكبار التجار، كلهم يدعي بأنه هو الفارسُ المغوار.
ولما أتى (أَبْ لِحَايَة)، وهو يربطُ يده، كَانَ مثاراً للسخرية، والتهَكُّم من الجميع، وتصايحوا يتمايلون من الضحك:
– كمَان! شُوفوا أَبْ لِحَايَة، الجَّانَا رابِط إيدُو؟
فقال (أَبْ لِحَايَة) للسلطان:
– العِبْرَةُ ليست برباط اليد، وإنما بوجود الغنائم، وإلا فأين ذهبت؟ الأَسلِحَة، وَالدُّرُوع، وَالخُيُول؟
فصمت الجميعُ، وتكلَّم (أَبْ لِحَايَة)، فقال:
– كلَّ الغنائم موجودة في الأسطبل.
وكَانَت، تلك، هي أول نقطةُ تحوّلٍ في علاقةِ السُّلْطَان الشخصيَّة (بأَبْ لِحَايَة!).
وحدثَ أن مرضَ السُّلْطَانُ مرضاً شديداً، أعجز حكماء المدينة، والمدن المجاورة، ولكن، في النهاية، قال كبير الحكماء:
– إن دواءَ السُّلْطَان هو لبنُ الظبيةِ البِكْر.
وكَانَ ذلك من رابع المستحيلات: أن تكون البكرُ مدرّةً للبن.
وبحثَ شبابُ المدينة، بمن فيهم أزواجُ الأميرات الست عن ذلك اللبن، فما وجدوه، وكَانَوا يأتُونَ بألبانٍ لا مفعولَ لها، ولا تُسمن، ولا تُغني من جوع.
فلم يتعافى السُّلْطَانُ من المرض.
أمّا (أَبْ لِحَايَة)، فقد طلب من خاتم المنى، والفَرَسْ، أن يأتياهُ بقطيعٍ كاملٍ من الظباء، ونصبَ مُراحاً في الجوار، وتهيأ بزي رجلٍ وقور، بالكتّان والحرير، وفرش بساطاً فاخراً، وأنتظر!
وأتوه، فسألهم:
– ماذا تبتغون؟
وترك لهم الحبلَ على القارب، يحلبُون ما يشاءون من لبن الظباء، ولكنه أشترط عليهم ألا يأخذ أحدٌ معه اللبن، دون أن يسمه في ظهره، بالنار، فوافقوا.
ووسم (أب لحاية) أزواج بنات السُّلْطَان الستة، بالنار.
وحملوا اللبن فرحين، للسلطان، ولكن، لم ينجح أحدٌ منهم في علاجِ مرضِ السُّلْطَان.
ولكن (أَبْ لِحَايَة) عاد، ومعه لبن الظبية البكر، الذي وفراهُ له الفَرَسْ، وخاتم المنى.
ورفضه السُّلْطَانُ، بادي الرأي، ولكن الأميرة الصغيرة ألحت عليه، فشربَ اللبنَ الذي أحضرَهُ (أَبْ لِحَايَة)، إرضاءً لها.
ولن ويا للفرحة، فقد تم علاج السُّلْطَان، اكتمل شفاؤه بحمد الله…
وهنا، والآن فقط، انتبه السُّلْطَان (لأَبْ لِحَايَة)، واستمع لقصته! وشهدت لجانبه زوجته، الأَمِيْرَة الصَّغِيْرَة الجميلة.
وأضاف (أَبْ لِحَايَة):
– إن ستةً من عبيدِ والدِيِ، الموسمين، قد هربوا من مدينتي.
فكشفوا على أزواجِ الأميرات، ووجدوهم موسمين من ظهورهم، فعلاً، بتلك الأختام الَّتِي وضعها (أَبْ لِحَايَة) على ظهورِهِم، مُقابل لبن الظباء.
فحكم السُّلْطَان بملكية (أَبْ لِحَايَة) لهم، وأمر له بالسكنى الدائمة، معه، داخل القَصْر!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إِنتَهى الكِتَابْ، أَبْ لِحَايَة- قَصَصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودَانِيْ ).