“أحمد شاويش.” ذلك العبقري المتواضع … بقلم: مهدي يوسف إبراهيم
8 يونيو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
55 زيارة
أسماء كثيرة تستحق التأمل في السَودان… أرض الحكايات التي لم تروى بعد…
……..
“أحمد شاويش” … الصوت الذي يمطر كما الغيمة… و يتراقص في الوجدان كما قطعة حرير صيني… ولد في محلية “مروي” … و تفقت موهبة الغناء لديه أثناء دراسته في مدينة الحديد و النار . و ما بين نشأته فيها و محاولته إتقان الهيب هوب في بلاد العم سام.. كان صلصال عالمه الفني يتشكل في ثقة..و ثبات…
من بواكير صباه الفني.. عشق “شاويش” أغنيات الحقيبة.. بل و تغنى لاحقا ببعض دررها ، لعل أشهرها ” رشقتني عيونو” للكبير ” عتيق”… ..و ظل “شاويش” يؤمن ايمانا عميقا بأهمية الانفتاح علي تجارب الآخرين..بأن الفنان الحقيقي يبدأ من حيث ينتهي من سبقوه.. فيخلخل عوالمهم ليحجز وسطهم مكانا…. و لذلك استوعب الرجل أغنيات الكبار : وردي و الكابلي و محمد الأمين…و غيرهم… و الحق أن “شاويش” لم يكتف فقط بترديد أغنيات الكبار .. و لكنه فعل ذلك متقمصا أصواتهم نفسها.. و فلسفته في ذلك ان تجربة كهذه تجعل الحنجرة مطواعة و سلسة القياد..
تقدم “شاويش” لاختبار لجنة الأصوات في الإذاعة القومية و كان يرأسها زمانئذ الكبير ” العاقب محمد الحسن”.. فأجيز صوته بسهولة … ثم التحق بمعهد الموسيقى و المسرح.. ليزامل وردي و عركي و خليل اسماعيل و زيدان و غيرهم .. و هناك أجيز صوته ثانية..
عمل “شاويش” في أقسام عديدة بالإذاعة مثل الدراما و المنوعات و الموسيقى و غيرها…مما ممكنه من الاحتكاك بكبار الشخصيات الأدبية و الفنية في السودان.. قدم” شاويش” شعارات الأعمال الدرامية التلفزيونية و الإذاعية .. غير ان التفاتة النقاد و الجمهور العادي لفنه جاءت قوية حين قدم أغنية ” بتذكرك” للشاعر “النجيب محمد علي” :
بتذكرك
وكت الكلام يصيح صعب
و الليل يودع في النعاس
وكت النجم يتلالا زي
عقدا بيضوي عليهو ماس
يعتبر “شاويش” من الفنانين المقلين في الأغنيات – عددا -و ربما كان لانغماسه في عمله الوظيفي في الإذاعة السودانية دور في ذلك.. و هو من طينة أناس يترهبنون في معبد الفن.. لا يقصدون منه تكسبا و لا يركضون وراء أضواء الكاميرات… لدرجة أن الكثيرين من شباب اليوم يجهلون حتى إسم ” شاويش”…
تقفز علامات عديدة إلي ذهني كلما ذكر اسم هذا الفنان المختلف :
– “شاويش” مدرسة صَوتية متفردة، مثلها مثل مدرسة أبو داؤود و الكابلي و وردي .. إذ يتمتع الرجل بخامة صوتية نادرة جدا .. و هو يسرج خيول صوته و يقودها في شتى الانحاء .. فيرفع صوته متى يشاء.. و يخفضه متى يشاء.. و قد يقوده إلى قرار يرهق الكثيرين .. و هو يلون صوته للتعبير عن شتى المشاعر الإنسانية حزنا و فرحا و عتابا .. و لعل صوت شاويش هو ميزته الكبري.
– شاويش له مدرسة مختلفة في عزف العود.. ، مثلما لكل من برعي محمد دفع الله، و الكابلي و محمد الأمين مدارسهم في العزف.. .
و عشق شاويش للعود يتضح حتى من طريقة احتضانه إياه… فيشعر المرء و كأن عود “شاويش” ليس قطعة من خشب و لكنه كائن حي يبكي مع صوت عازفه وطنا مفقودا… لينطلق شاويش في حالة كالجذب عند المتصوفة…
– نصوص “شاويش عالية، باذخة الشاعرية، تنأى عن التقريرية و المباشرة.. و قد تتخذ من الرمزية أسلوبا.. و هي لذلك تحتاج قدرا عاليا من التامل..
يتغنى” شاويش” في رائعة ” بتذكرك” :
و عن عيونك كيف بتصدح
فيها أحلام الأماني
كيفن بتصبح لهجة تانية مع الأغاني
و السفر خلاني أشتاق لي السفر
لو ألقي لي خاطرا سمح
أَو كلمة واحدة أقَولا بتادوي الجرح
و يصدح في أغنية “كتاب الريد” :
اتمعنت في كتابك لقيت الوانو سحرية
ملون من خطوط الطيف غلافو سحابة وردية
و لوحة تغازل الإحساس و مقطوعات موسيقية.
و الأمثلة تترى..
– “شاويش” دوما يطارد حلما في أغنياته.. هو دائم الركض وراء بقعة ضوء……هنااااااك :
تعالي معاي عشان نرسم خريطة جديدة لي الأيام
يكون فيها الفرح شارع و تبقي العاصمة الأحلام
و نرفع لافتات الشوق و نقدل نمشي لي قدام
يعيش نبض الهوى و تحيا
عيونك ليا خير و سلام
و شاويش دوما في رحلة بحث عن فردوس ما :
انا في المداين الضايعة ضايع لي زمن
و غريب عيَون حزنان علي الأرض الغريبة و بسأل الشوق عن وطن
و بسال الناس عن شوارع فيها سافرت و مشيت
و عن كلاما داير أقولو و قلتا فيهو
َ يا غنيتا و بكيت
و شاويش يسود جل أغنياته تفاؤل استبشار عظيمان :
جاييك فرحان
الخطوة تسابق في الخطوة
و البسمة تغازل في النسمة
و الكلمة تناغم في الكلمة
و الدنيا قمر ضو الضلمة
و تتكرر في أغنياته مفردات مثل السحاب و الََورد و الصندل و الريحان . يصدح في أغنية ” انا ما جاييك” :
انا ما جاييك شال أفراح تملا الدنيا
عطر الريحان.. شوق الحبان
و أجمل غنية…
و يترنم في أغنية ” عن عيونك” :
في صدى الأحلام بشوفك
و من شذى الياسمين حروفك
و يقول في ” ست العينين ‘ :
ست العينين عطر الصندل
لو شفتها يوم عمرك يطول
يمتدَ سنين
.. و هذا التفاؤل لا يفارق” شاويش’ حتي حين يفارقه حبيبه فيقول :
عادي جدا إنت تقسى
و عادي جدا نحنا ننسىى
قدم ” النجيب محمد علي” لشاويش أغنيات ” بتذكرك” و” تعالي معاي ” و أغنية شعرية فصيحة اسمها ” قادمون”.. و قد فازت في مهرجان الأغنية ااوطنية في تونس… كتب شاويش لنفسه أغنيتي ” عطر الصندل” و ” وصف الجميل” و تغني لابو القاسم عجاج بأغنية” كتاب الريد”.. و تغني للعظيمة ليلى المغربي برائعة” انا ما جايك شايل أفراح تملا الدنيا” و تغني لمحمد أحمد سوركتي بأغنية ” عادي جدا إنت تقسى”.. بجانب شعراء آخرين..
و قد أشاد فنانون كبار بصوت شاويش و بمنهجه الفريد في الغناء.. لعل أبرزهم صاحب “الفراش الحائر” و” شجن”..
صديقي شاويش.. مزيدا من الجمال
…..
جدة
5/6/2020
twasool@gmail.com