بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة عيد الأضحى المبارك 1441هـ
الموافق 31 يوليو 2020م
التي ألقاها الإمام الصادق المهدي بساحة مسجد الهجرة بودنوباوي
الخطبة الأولى
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر
الحمد لله الوالي الكريم، والصلاة على الحبيب محمد وآله وصحبه مع التسليم.
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز
الحج لـ(مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) من فرائض الإسلام. كان يمارس قبل الإسلام إحياء لسنة إبراهيم عليه السلام ثم خالطه الشرك. الإسلام أبقى على الشعيرة الإبراهيمية وطهرها من الشرك. وصارت من أقوى رموز التوحيد لله ووحدة الأمة المؤمنة به. ولكن في موسم الحج الحالي قيدت إجراءات الحج مراعاة للجائحة الصحية، والضرورات تبيح المحظورات.
أما الأضحية فهي قربان يحاكي قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. الأب امتثل لوحي: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ). والابن امتثل للأمر: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).
الصلاة يوم العيد ضحى وفي فلاة سنة، وفي جماعة حاشدة لإظهار قوة وفتوة الإسلام ولكن في عامنا هذا قيدتنا ظروف الجائحة، فعلينا بالتواصل والتراحم بالاتصالات لا بالزيارات تقديراً للظرف الصحي.
الأضحية ينبغي أن تخلو من العيوب، وأن تذبح برفق، وأن يكتفي صاحبها بثلثها ويهدي لأحبابه ثلثها وأن يتصدق بثلتها وجلدها. هذه السنة للمستطيع الذي يملك ضروريات الحياة وإن عجز فالسنة ألا يضحي بل يكتفي بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن أمته. والتيسير من مقاصد الشريعة: “يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا”.
أحبابي في الله واخواني في الوطن العزيز.
إن رمزية قصص الأنبياء مهمة، ولكن المعاني الكامنة فيها هي الأهم. وفي هذه القصص أركز على خمسة معاني:
أولاً: أن الرؤية الصادقة إلهام ولدى الأنبياء وحي.
ثانياً: أن غاية التضحية دليل على قوة الإيمان.
ثالثاً: أن للأديان الإبراهيمية الثلاثة أصلاً إيمانياً واحداً.
رابعاً: أن دين أهل القبلة واحد يتطلب الإخاء بينهم.
خامساً: أن الشعائر خاوية ما لم ترتبط بالمعاني، كما قال الإمام المهدي عليه السلام: “إن للدين أغواراً وبواطن لا يصلح الظاهر منه إلا بإصلاح تلك البواطن”.
أقول:
إن عهد إبراهيم عليه السلام لم يكن معه ومع إسحاق كما توهم اليهود بل بينه وبين ابنيه إسماعيل وإسحاق عليهم السلام. نعم تفرقت بين أتباع هذا العهد السبل ولكنها تتفق على ثلاثة مبادئ وهي: التوحيد لله، مكارم الأخلاق والمعاد.
الأصل في المسيحية توحيدي، لكن القديس بولس أدخل عقيدة الأقانيم الثلاثة. أما السيد المسيح نفسه فقد كان موحداً بلا شائبة.
ولكي نعمل من أجل ما يوحد الإيمانيين أصدرنا في عام 1999م نداء الإيمانيين. هذا التضامن الملي لا يشمل الصليبية والصهيونية، فهما يمثلان خطط عدوانية سياسية. كذلك أصدرنا في عام 1994م نداء المهتدين. وفي عام 2001م نداء حوار الحضارات.
أمتنا الان ممزقة ومتحاربة في تناقض مع الإخاء الواجب.
الآن أقدمت جماعة من العدول معنا هادفة لتحقيق الآتي:
أولاً: القضاء على تراشق أهل القبلة بين روافض ونواصب، والالتزام بقطعيات الوحي، واعتبار ما عداها اختلافات مذهبية تلزم أصحابها لا غيرهم، اختلافات: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
والواجب الآن التعايش بين كافة مذاهب أهل القبلة والتعامل مع بعضنا بالحسنى.
ثانياً: العمل على وقف الاحتراب في اليمن، وفي سوريا، وفي ليبيا، وفي كل موقع يقتتل مسلمون. سخرت منا السيدة ميركل أن دول آسيا: الصين والهند يؤمنون بمئات الآلهة والملل ويتعايشون بسلام بينما المسلمون يؤمنون بإله واحد ورسول واحد وكتاب واحد ويقتتلون في مئات المعارك القاتل والمقتول يصيحان الله أكبر.
ثالثاً: العمل على وقف الحرب الباردة بين دول مجلس التعاون الخليجي، فهم لحمة دينية وثقافية واحدة.
أحبابي في الله واخواني في الوطن العزيز
في سبيل هذه الأهداف فإن بعض الناس يسخرون منا من باب: الأقربون أولى بالمعروف.
الحقيقة هي أن عالم اليوم متداخل لدرجة قصوى، والقضايا العربية والأفريقية بل العالمية ذات أثر مباشر في حالنا ومآلنا.
وفي آخر محاضراتي في أبوظبي اجتهدت في بيان القدوة المحمدية وأثرها في إحياء الأمة في الحاضر وكذلك بيان دورها في إسعاف الإنسانية أن تجد معادلة مجدية بين حقائق الوحي ومعارف العلم الحديث.
ولكن بعض الناس يعتب علينا ذلك لأنهم لا يرون أكثر من موطئ أقدامهم، وقديما قال أبو الطيب:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
الحقيقة أن لكل القضايا التي نطرقها مهما بدت بعيدة آثاراً كبيرة في حالنا ومآلنا. الحكمة تقول: الجدية تتطلب الإحاطة.
أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز.
أبارك لكم العيد متمنياً أن يعود علينا جميعاً باليمن والبركات.
اللهم إن عفوك عن ذنوبنا، وتجاوزك عن خطيانا، وسترك على قبيح أعمالنا، أطمعنا أن نسألك ما لا نستوجبه مما قصرنا فيه، ندعوك آمنين، ونسألك مستأنسين، فإنك المحسن إلينا ونحن المسيئون إلى أنفسنا فيما بيننا وبينك، تتودد إلينا بنعمك، ونتبغض إليك بالمعاصي، ولكن الثقة بك حملتنا على الجراءة عليك، فعد بفضلك وإحسانك علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم آمين يا رب العالمين.
