دَوَّامة التُوهـــان: بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الالتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجاً (11) .. بقلم: محمد فقيري

 

في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتحسس طريقها للخروج من ظلام القرون الوسطى لتسلك طريق النهضة ،كان العالم الإسلامي ما زال يعيش في تطوره الفكري والعلمي ، ولكن ضعف الخلافة الذي نتج عن كثرة الصراعات على المناصب الدنيوية ، والمؤامرات والقتل والخيانة التي صاحبت تلك الصراعات ، أدت إلي تفتت الدولة وإنفصال الأطراف وتوتر الوضع السياسي ، في تلك اللحظة من التاريخ ، القرن التاسع الهجري ، حدث في العالم الإسلامي شئ شبيه بما حدث في أوروبا عند إحتلال الجرمان لروما ، تسلط رجال الدين وإستولى فقهاء الإسلام على المجتمع ، وبدأ عصر خضع فيه كل شئ إلي يجوز ، لا يجوز ، حلال ، حرام ، بدعة ، زندقة ، هرطقة ، خروج عن الملة ، وصُنفت العلوم إلي علم شريف وعلم غير شريف ، ووضعوا بيتين من الشعر كشعار:

كل العلوم سوى القرآن منقصة … إلاّ الحديث وعلم الفقه في الدين
العـــلم ما قـــال قــــال حدثــنـا … وما سوى ذاك ، وسواس الشياطين
ودخل العالم الإسلامي فيما نحن فيه ، وما نحن فيه يصف نفسَه بنفسِه ،عصر مُظلم يتراوح في مكانه بين فساد السلطة ، وإنغلاق العقل ، ومهادنة الشيوخ لمن يسمونه بولي الأمر ، وسيطرة الفقيه بإجتهاداته الإنسانية الخاصة. وتكونت الجماعات الإسلامية الكثيرة ، معتمدة على نفس الفقه ، كلٌ يجد فيه ما يعضد به مذهبه ، وتغلّب مذهب واحد من المذاهب على الفكر الديني ، وهو ما يُسمى الآن بمذهب السلف ، أو السلفية ، صاغ هذا المذهب تشريعاً متشدداً متزمتاً منغلقاً وأضافوه إلي الدين اليسير المنفتح الداعي إلي حرية الإنسان ، وصوروا هذا التشريع وكأنه هو الدين ، وحجّموا العقل الذي هو أصلاً مناط التكليف ، ووضعوا من الأحكام والتشريعات ما يتنافي مع الدعوة المبدئية الأُولى للإسلام ، وهي الحرية ، وفرضوا على الناس رؤيتهم هم للدين ، وتفسيرهم هم للآيات ، وفهمهم هم للسنة ، وأصبح من يخالف رؤيتهم ،ويصل إلي تفسير غير تفسيرهم ، مخالفاً للدين ، وضالاً مُضلاً ، ناقص الإيمان ، من ذوي الهوى والزيغ ، وإذا حاورتهم في أمر من أمور الدين ، ومن حقك أن تحاور ، وإذا خالفتهم فيه ، ومن حقك أن تخالف ، بل من حقك أن لا تؤمن به أصلاً ، يأتونك بآيات من القرآن ونصوص من الحديث ويقولون لك هذا هو الدليل ، ولا ينتبهون إلي أنك تعرف هذا الدليل كما يعرفونه ، ولا ينتبهون إلي أنك لست مختلفاً معهم في نص الدليل ، إنما الخلاف في معني الدليل وتفسيره ودلالته ، ولا ينتبهون إلي أنك وليد اليوم ، وتريد أن تفهم القرآن بعقل اليوم ، وتحت ظروف اليوم ، وأنك لا تبحث عن ما فهمه أحدهم قبل آلاف السنين.
للفكر السلفي منهج غريب ، ذلك أنهم يفترضون في دواخلهم أن ما توصلوا إليه بعقولهم هو الدين الصحيح ، وأن ما توصلتُ إليه أنا بعقلى هو الضلال المبين ، هذا ، رغم أن القرأن يخاطب العقول جميعاً ، ويجعل من العقل أداة الفهم الأول ، والقرآن حمال أوجه ، وملئ بدلالات مختلفة تتوفر للناس حسب عقولهم ، والعقول تتفاوت ، ولكنهم يفترضون أن الوجه الذي رؤوه هو الوجه الصحيح ، وأن ما رآه غيرهم ، بالضرورة ، هو(القفا) أو الوجه الخطأ ، وإذا قلتَ شيئاً أو كتبتَ شيئاً ، يبدؤون الرد عليك بـ (قال كذا ، هداه الله ، هذا مخالف لقول السلف) ، فهم يفترضون أنك غير مهتدي ، فقط لأنك إختلفت معهم في رؤيتهم ، وخالفتَ ما قاله بعض السلف ، وما دُمتَ مختلفاً معهم فأنت على ضلال ، والغريبة أن الفرق الإسلامية إنشقت في تاريخها إلي فرق ، وأنشقت الفرق المنشقة إلي فرق ، وما زال الإنشقاق مستمراً ، وما زالت الفرق تتكون ، ومن كانوا متفقين على أمور كثيرة إختلفوا فيها ، وأصبح بعضهم يكفّر بعضاً في نفس المسائل التي كانت مُتفق عليها بينهم بالأمس ، ووصلوا من الفجور في الخصومة ، والتعصب لفرقهم وشيوخهم، وصلوا إلي أنهم خصصوا مساجد سموها بأسماء فرقهم ، ولا يصلّون الصلوات في مساجد مخالفيهم.
لكل هذه الإنشقاقات عدة دلائل ، الدلالة الأولى ، هي أن رؤيتهم الأولية تحمل إحتمال الخطأ ، كأي رؤية إنسانية ، وتحمل بلا شك بذرة الخلاف ، وإلاّ لما حدث الخلاف والتفرّق ، ويؤكد هذا التفرق أن إمتلاك الحق الكامل والمطلق ممتنع بطبعه ، فالدين ليس مسألة رياضية ، ولا موضوعاً مُختبرياً ، الدين برسالته العالمية ، وشموليته الكونية ، وخطابه التخييري ، وغايته الأخلاقية ، وموضوعيته العقلية ، وأصله التكليفي ، وعموميته الزمنية ، فيه مجال واسع للإختلاف ، والتباين في الفهم ، والإختلاف في الرؤى ، والتفسير ، والإيمان والكفر ، والقبول والرفض ، الدين ليس شيئاً مادياً جامداً يُلمس ويُرى ويُفاس ويُوزن ويُحد. الدين معاني أخلاقية ، وآداب إنسانية ، وعبادة ربانية ، يتفاوت الناس في إلتزامها والتمسك بها ،
والدلالة الأخرى هي ، أن ما ينادي به غيرهم من المفكرين والعقلانيين والتنويرين والحداثيين ، ليس نهجاً مضاداً للدين في ذاته ، وليس كُفراً بالله ، وليس عدم إيمان بالنبوة ، وليس نكراناً للمعاد ، وليس خروجاً عن الملة ، وليس حديثاً عن هوى في نفوسهم ، إنما هو مخالفة في التفسير ، وإختلاف رأي ، كلإختلاف الذي حدث بينهم ، وإختلاف رأي مع آراء أناس مثلهم ، سبقوهم في الزمان ، ومحاولة لتكريم العقل الذي وهيه الله للإنسان أولاً ، قبل الرُسل والرسالات ، هو محاولة لتأصيل المبدأ الديني الأول أولاً ، قبل كل شئ ، وهو حرية الإنسان في قبول الدين أو رفضه ، وإذا كان الإنسان الفرد مخيراً في إعتناق الدين أو رفضه ، فكيف لا يختلف معك في جزئياته وتفاصيله؟ ، وإذا كانت الرسالة تخاطب الأفراد ، ولكل فرد عقل مغاير عن عقل الآخر ، فكيف لا يختلف معك في فهم الدلالات؟ ، وإذا كانت رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات ، فهي خاتمة بمعنى أنها آخر الرسالات ، وتلك الصفة هي ذاتها التي تُأسس مجال التحديث والإستنباط المختلف من زمان لآخر ، فهي ليست خاتمة للعقول ، وليست خاتمة للفكر ، وليست خاتمة للزمان. بل العكس ، هي تدعو إلي التعقّل ، وتنادي بالتفكّر ، وتدلنا على خضوع خصائصه لأحوال الزمن. على هذه الأسس ، ينادي الحداثيون بإعمال العقل ، العقل الحاضر ، وليس عقل القرون الأولى ، العقل الإنساني يتطور بتطور ما حوله ، ويتسع أفقه يإتساع مجالات المعرفة ، ويتفتح بتفتح ما كان مبهماً ، ويكبر سعة العقل بإستيعابه لهذا الكم الهائل من المعلومات والمنجزات المتسارعة ، هذا التسارع المتزايد يهئ العقل ويجعله متحفزاً لإستيعاب وقبول كل جديد ، ولأن عقل الإنسان يكبر مع مرور الزمن ، جاءت الرسالات على تدرُّج في مخاطبتها للعقل ، ليس العقل الجمعي الإنساني هو نفس العقل قبل مائة سنة ، دعك من ألف سنة.
نواصل

fageer05@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً