دَوَّامة التُوهـــان: بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الالتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجاً (11) .. بقلم: محمد فقيري
10 سبتمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
48 زيارة
في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتحسس طريقها للخروج من ظلام القرون الوسطى لتسلك طريق النهضة ،كان العالم الإسلامي ما زال يعيش في تطوره الفكري والعلمي ، ولكن ضعف الخلافة الذي نتج عن كثرة الصراعات على المناصب الدنيوية ، والمؤامرات والقتل والخيانة التي صاحبت تلك الصراعات ، أدت إلي تفتت الدولة وإنفصال الأطراف وتوتر الوضع السياسي ، في تلك اللحظة من التاريخ ، القرن التاسع الهجري ، حدث في العالم الإسلامي شئ شبيه بما حدث في أوروبا عند إحتلال الجرمان لروما ، تسلط رجال الدين وإستولى فقهاء الإسلام على المجتمع ، وبدأ عصر خضع فيه كل شئ إلي يجوز ، لا يجوز ، حلال ، حرام ، بدعة ، زندقة ، هرطقة ، خروج عن الملة ، وصُنفت العلوم إلي علم شريف وعلم غير شريف ، ووضعوا بيتين من الشعر كشعار:
كل العلوم سوى القرآن منقصة … إلاّ الحديث وعلم الفقه في الدين
العـــلم ما قـــال قــــال حدثــنـا … وما سوى ذاك ، وسواس الشياطين
ودخل العالم الإسلامي فيما نحن فيه ، وما نحن فيه يصف نفسَه بنفسِه ،عصر مُظلم يتراوح في مكانه بين فساد السلطة ، وإنغلاق العقل ، ومهادنة الشيوخ لمن يسمونه بولي الأمر ، وسيطرة الفقيه بإجتهاداته الإنسانية الخاصة. وتكونت الجماعات الإسلامية الكثيرة ، معتمدة على نفس الفقه ، كلٌ يجد فيه ما يعضد به مذهبه ، وتغلّب مذهب واحد من المذاهب على الفكر الديني ، وهو ما يُسمى الآن بمذهب السلف ، أو السلفية ، صاغ هذا المذهب تشريعاً متشدداً متزمتاً منغلقاً وأضافوه إلي الدين اليسير المنفتح الداعي إلي حرية الإنسان ، وصوروا هذا التشريع وكأنه هو الدين ، وحجّموا العقل الذي هو أصلاً مناط التكليف ، ووضعوا من الأحكام والتشريعات ما يتنافي مع الدعوة المبدئية الأُولى للإسلام ، وهي الحرية ، وفرضوا على الناس رؤيتهم هم للدين ، وتفسيرهم هم للآيات ، وفهمهم هم للسنة ، وأصبح من يخالف رؤيتهم ،ويصل إلي تفسير غير تفسيرهم ، مخالفاً للدين ، وضالاً مُضلاً ، ناقص الإيمان ، من ذوي الهوى والزيغ ، وإذا حاورتهم في أمر من أمور الدين ، ومن حقك أن تحاور ، وإذا خالفتهم فيه ، ومن حقك أن تخالف ، بل من حقك أن لا تؤمن به أصلاً ، يأتونك بآيات من القرآن ونصوص من الحديث ويقولون لك هذا هو الدليل ، ولا ينتبهون إلي أنك تعرف هذا الدليل كما يعرفونه ، ولا ينتبهون إلي أنك لست مختلفاً معهم في نص الدليل ، إنما الخلاف في معني الدليل وتفسيره ودلالته ، ولا ينتبهون إلي أنك وليد اليوم ، وتريد أن تفهم القرآن بعقل اليوم ، وتحت ظروف اليوم ، وأنك لا تبحث عن ما فهمه أحدهم قبل آلاف السنين.
للفكر السلفي منهج غريب ، ذلك أنهم يفترضون في دواخلهم أن ما توصلوا إليه بعقولهم هو الدين الصحيح ، وأن ما توصلتُ إليه أنا بعقلى هو الضلال المبين ، هذا ، رغم أن القرأن يخاطب العقول جميعاً ، ويجعل من العقل أداة الفهم الأول ، والقرآن حمال أوجه ، وملئ بدلالات مختلفة تتوفر للناس حسب عقولهم ، والعقول تتفاوت ، ولكنهم يفترضون أن الوجه الذي رؤوه هو الوجه الصحيح ، وأن ما رآه غيرهم ، بالضرورة ، هو(القفا) أو الوجه الخطأ ، وإذا قلتَ شيئاً أو كتبتَ شيئاً ، يبدؤون الرد عليك بـ (قال كذا ، هداه الله ، هذا مخالف لقول السلف) ، فهم يفترضون أنك غير مهتدي ، فقط لأنك إختلفت معهم في رؤيتهم ، وخالفتَ ما قاله بعض السلف ، وما دُمتَ مختلفاً معهم فأنت على ضلال ، والغريبة أن الفرق الإسلامية إنشقت في تاريخها إلي فرق ، وأنشقت الفرق المنشقة إلي فرق ، وما زال الإنشقاق مستمراً ، وما زالت الفرق تتكون ، ومن كانوا متفقين على أمور كثيرة إختلفوا فيها ، وأصبح بعضهم يكفّر بعضاً في نفس المسائل التي كانت مُتفق عليها بينهم بالأمس ، ووصلوا من الفجور في الخصومة ، والتعصب لفرقهم وشيوخهم، وصلوا إلي أنهم خصصوا مساجد سموها بأسماء فرقهم ، ولا يصلّون الصلوات في مساجد مخالفيهم.
لكل هذه الإنشقاقات عدة دلائل ، الدلالة الأولى ، هي أن رؤيتهم الأولية تحمل إحتمال الخطأ ، كأي رؤية إنسانية ، وتحمل بلا شك بذرة الخلاف ، وإلاّ لما حدث الخلاف والتفرّق ، ويؤكد هذا التفرق أن إمتلاك الحق الكامل والمطلق ممتنع بطبعه ، فالدين ليس مسألة رياضية ، ولا موضوعاً مُختبرياً ، الدين برسالته العالمية ، وشموليته الكونية ، وخطابه التخييري ، وغايته الأخلاقية ، وموضوعيته العقلية ، وأصله التكليفي ، وعموميته الزمنية ، فيه مجال واسع للإختلاف ، والتباين في الفهم ، والإختلاف في الرؤى ، والتفسير ، والإيمان والكفر ، والقبول والرفض ، الدين ليس شيئاً مادياً جامداً يُلمس ويُرى ويُفاس ويُوزن ويُحد. الدين معاني أخلاقية ، وآداب إنسانية ، وعبادة ربانية ، يتفاوت الناس في إلتزامها والتمسك بها ،
والدلالة الأخرى هي ، أن ما ينادي به غيرهم من المفكرين والعقلانيين والتنويرين والحداثيين ، ليس نهجاً مضاداً للدين في ذاته ، وليس كُفراً بالله ، وليس عدم إيمان بالنبوة ، وليس نكراناً للمعاد ، وليس خروجاً عن الملة ، وليس حديثاً عن هوى في نفوسهم ، إنما هو مخالفة في التفسير ، وإختلاف رأي ، كلإختلاف الذي حدث بينهم ، وإختلاف رأي مع آراء أناس مثلهم ، سبقوهم في الزمان ، ومحاولة لتكريم العقل الذي وهيه الله للإنسان أولاً ، قبل الرُسل والرسالات ، هو محاولة لتأصيل المبدأ الديني الأول أولاً ، قبل كل شئ ، وهو حرية الإنسان في قبول الدين أو رفضه ، وإذا كان الإنسان الفرد مخيراً في إعتناق الدين أو رفضه ، فكيف لا يختلف معك في جزئياته وتفاصيله؟ ، وإذا كانت الرسالة تخاطب الأفراد ، ولكل فرد عقل مغاير عن عقل الآخر ، فكيف لا يختلف معك في فهم الدلالات؟ ، وإذا كانت رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات ، فهي خاتمة بمعنى أنها آخر الرسالات ، وتلك الصفة هي ذاتها التي تُأسس مجال التحديث والإستنباط المختلف من زمان لآخر ، فهي ليست خاتمة للعقول ، وليست خاتمة للفكر ، وليست خاتمة للزمان. بل العكس ، هي تدعو إلي التعقّل ، وتنادي بالتفكّر ، وتدلنا على خضوع خصائصه لأحوال الزمن. على هذه الأسس ، ينادي الحداثيون بإعمال العقل ، العقل الحاضر ، وليس عقل القرون الأولى ، العقل الإنساني يتطور بتطور ما حوله ، ويتسع أفقه يإتساع مجالات المعرفة ، ويتفتح بتفتح ما كان مبهماً ، ويكبر سعة العقل بإستيعابه لهذا الكم الهائل من المعلومات والمنجزات المتسارعة ، هذا التسارع المتزايد يهئ العقل ويجعله متحفزاً لإستيعاب وقبول كل جديد ، ولأن عقل الإنسان يكبر مع مرور الزمن ، جاءت الرسالات على تدرُّج في مخاطبتها للعقل ، ليس العقل الجمعي الإنساني هو نفس العقل قبل مائة سنة ، دعك من ألف سنة.
نواصل
fageer05@gmail.com