حول ما جاء في حديث السيد رئيس الوزراء في المؤتمر الاقتصادي .. بقلم: الهادي هباني
أولا: أن نجاح تجربة فيتنام لم يكن بسبب تعاملها وخضوعها لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين. فقد خرجت فيتنام من حربها مع أمريكا بمعدل تضخم 770%، ومعدل فقر 70%، وأراضي زراعية متآكلة بفعل الحرب. ولكنها واجهت ذلك بصبر وواقعية وبإرادة فيتنامية مستقلة تماما وفق برنامج للتحول الاقتصادي منذ انعقاد المؤتمر السادس للحزب الحاكم في ديسمبر 1986م وليس بإيعاز من صندوق النقد أو البنك الدوليين حيث اعتمد المؤتمر إصلاحات كبيرة عُرفت تاريخيا بخطة )دون موي) راجع: (مصطفى أبو العلا، جريدة لوسيل، الاقتصاد الفيتنامي القادمون من الخلف، 29 يناير 2020، الدوحة/ قطر متوفر علي الرابط الاقتصاد-الفيتنامي-القادمون-من-الخلف https://lusailnews.net/knowledgegate/opinion/29/01/2020/). وهي خطة خمسية تمثل حزمة متكاملة من الإصلاحات تشبه لحد كبير النموذج الصيني أو نموذج النمور الأسيوية، استندت إلى دروس السياسات الاقتصادية المستقاة من تجربة هوشي منه (1945م-1969م) حول تبني اقتصاد متعدد القطاعات والأنماط قائم على أشكال مختلفة من علاقات الإنتاج، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية والتجارة الخارجية. وقد تمثلت خطة (دون موي) في الإصلاح الضريبي، تعديل علاقات الإنتاج الزراعي وقوانين ملكية الأراضي الزراعية، والتي كانت بحق أهم الإصلاحات الفيتنامية التي تمت بإرادة فيتنامية خالصة تمثلت في إعادة الزراعة إلى نمط الزراعة الأسرية حيث سمحت الخطة بالملكيات الأسرية للأراضي الزراعية وهي أشبه بالإنتاج الزراعي التعاوني في وقت كانت ملكية الأراضي الزراعية ملكا وحكرا للدولة فقط ولا يحق للأسر الملكية الثابتة للأراضي القابلة للتداول. حيث منح قانون الأراضي لعام 1987م المعدل 1993م حقوق استخدام الأراضي للمزارعين مما أدي إلي زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة 20% وأصبحت فيتنام ثالث أكبر دولة مصدرة للأرز في العالم عام 1989م بعد الصين وأمريكا. هذا بجانب السماح للشركات الخاصة في العمل في مجالات التوسع الحضري والمطاعم وخدمات السيارات والحرف والصناعات الصغيرة والتي لم تكن موجودة سابقا، بجانب اتباع سياسة الانتقال التدريجي من الركود إلى النمو بشكل بطيء واقعي، واعتماد دور القطاع الخاص في التنمية مع سيادة ورقابة وإشراف الدولة على الاقتصاد عموما. وقد ساهم قانون الشركات للعام 1990م في تشجيع القطاع الخاص الوطني، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري والتركيز على التدريب، والانسحاب من كمبوديا عام 1989م وفتح المجال للعلاقات مع أمريكا والغرب ولدخول الاستثمارات الأجنبية. حيث سمح قانون الاستثمار الأجنبي الجديد للعام 1987م بتدفق الموجة الأولى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى فيتنام لتصل إلى 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي عام 1994م. وقد ركزت فيتنام على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بموجب التوكيلات الصناعية للعلامات التجارية العالمية المعروفة (كتجربة الصين) وليس التوكيلات التجارية لضمان توفير فرص العمل الكثيفة ولزيادة الصادرات من الأنشطة الصناعية. وقد نجحت فيتنام وفقا لخطة (دون موي) لاحقا في استقطاب شركة سامسونغ الكورية لتفتح أحد أكبر مصانعها في العالم، وشركات صناعة الملابس والأحذية وأشهرها أديداس. وأصبحت من أكبر البلدان المنتجة والمصدرة لهواتف سامسونغ الذكية وأجهزتها ووسائطها الالكترونية، إضافة إلى شركات إل جي، مايكروسوفت، إنتل، وغيرها من العلامات التجارية العالمية المشهورة للدرجة التي أصبح فيها أي هاتف من كل 10 هواتف ذكية في جميع أنحاء العالم يتم تصنيعه في فيتنام. وقد تم توفير أكثر من 10 مليون فرصة عمل بواسطة قطاع التصدير المباشر للعلامات التجارية المصنعة داخل فيتنام وأيضا في مجال التصدير غير المباشر في الشركات الصغيرة والمتوسطة التي نشطت في تصنيع وتوفير قطع الغيار والخدمات والقطع المكملة لإنتاج الشركات الكبيرة المصنعة والمصدرة للمنتجات النهائية وهو ما يشبه أيضا نموذج الصين. بمعني أن القيمة المضافة لإدخال التوكيلات الصناعية للعلامات التجارية العالمية الكبرى ليتم تصنيعها في فيتنام وإعادة تصديرها للعالم قد امتد للجزء الأدنى من الاقتصاد المحلى المتمثل في الشركات الصغيرة والمتوسطة. وقد تمكنت فيتنام أيضا من إبرام اتفاقيات تجارية هامة كاتفاقية رابطة جنوب شرق آسيا (الآسيان) واتفاقيات مباشرة مع أمريكا ودول الإتحاد الأوروبي وكثير من بلدان العالم، بجانب اتفاقية منظمة التجارة العالمية. وظلت فيتنام طوال الفترة 1986م-1993م وفقا لخطة دون ماي تعكف على إعادة بناء اقتصادها الوطني وتعديل مؤشراته وتحسين ملفها الائتماني ولَم تحصل على قروض من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي الا في نهايات عام 1993م ولكن من موقع مستقل وفقا لشروطها واستنادا لقاعدتها الاقتصادية القوية، ولتمويل مشاريع تطوير بنيتها التحتية من جسور وطرق، والقليل منها كان للدعم الفني أو برامج صغيرة لمحاربة الفقر. علما بأن صندوق النقد الدولي هو الذي سعي للتعامل مع فيتنام منذ عام 1989م بعد النجاحات التي حققتها خطة (دون ماي) وظهور فيتنام كثالث مصدِّر للأرز وثاني أكبر منتج للبن بعد البرازيل، بالإضافة إلى تصدير الخضروات والمطاط، وزيادة انتاجها من النفط والغاز. ولم يتم التعامل مع صندوق النقد الدولي إلا في نهايات عام 1993م نتيجة لتردد وتمنع الحكومة الفيتنامية، وأيضا بسسب ضغوط الحكومة الأمريكية على صندوق النقد والبنك الدوليين كضغط غير مباشر لإجبار حكومة فيتنام لتسليم رفات الجنود الأمريكان المفقودين في حرب فيتنام. ولذلك فإن كل برامج التمويل التي أبرمتها فيتنام مع صندوق النقد الدولي دون استثناء كانت تدخل ضمن ما يعرف بالقروض الميسرة التي يمنحها الصندوق بأسعار فائدة مخفضة وصفرية في كثير من الأحيان (راجع: صندوق النقد الدولي، صحيفة وقائع، الإقراض من صندوق النقد الدولي، مارس 2016م). حيث دخلت فيتنام (حسب بيانات الصندوق) في ثلاثة برامج للقروض الميسرة مع الصندوق هي أولا: اتفاقية استعداد ائتماني (Standby Agreement “SBA”) بتاريخ 6 أكتوبر 1993م إلي 11 نوفمبر 1994م بقيمة 145 مليون وحدة حقوق سحب خاصة تم سحب ما قيمته 108.8 مليون وحدة فقط منها وثانيا: تسهيل ائتماني ممدد (Extended Credit Facility “ECF”) بتاريخ 11 نوفمبر 1994م حتي 10 نوفمبر 1997م بقيمة 362.4 مليون وحدة حقوق سحب خاصة تم سحب ما قيمته 241.6 مليون وحدة فقط منها وثالثا: تسهيل ائتماني ممدد آخر بتاريخ 13 أبريل 2001م حتي 12 أبريل 2004م بقيمة 290 مليون وحدة حقوق سحب خاصة تم سحب ما قيمته 124.2 مليون وحدة فقط منها. علما بأن الوحدة الواحدة من حقوق السحب الخاصة (Special Drawing Right “SDR”) تعادل تقريبا حوالي 1.86 دولار أمريكي، أي أن إجمالي ما سحبته فيتنام من الصندوق في القروض الثلاثة المذكورة أعلاه لم يتعدى ال 883 مليون دولار فقط وهي أقل من ديون الصندوق علي السودان البالغة 1.8 مليار دولار حتي تاريخ اليوم (راجع: (IMF, Vietnam, Financial Position in the Fund, August 31, 2020, available at: https://www.imf.org/external/np/fin/tad/exfin2.aspx?memberkey1=1060&date1Key=2020-08-31) .
تعليق واحد
