حول الصراع السياسي في السودان (1) .. بقلم: غسان علي عثمان
10 ديسمبر, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
80 زيارة
تظل الحالة السودانية عصية على إيجاد المعنى الراكز في فهمها تراكيبها والوصول إلى نتائج موضوعية تخص الحضور الحقيقي للهويات السياسية المتعاركة منذ استقلالنا في فاتحة يناير 1956م، وأغلب التنظيرات التي قُدمت لصالح فهم أعمق لظاهرتنا السياسية لم تنتهي إلى توصيف مرضي يضع كل خلاف عاشته تجربة الدولة في موقعها الحقيقي من التحليل، إننا إذ نظرنا ناحية التحقيب المرجعي الذي نلجأ إليه لفهم طبيعة الظاهرة السياسية السودانية فإنه تحقيب مدرسي وممل للغاية لا يريد أن يجهد نفسه في البحث ملياً عن الأسباب الحقيقية لما عاشته الأمة السودانية، وليس الأمر بهذه البساطة عند البعض الذي يصور الأمر أنه صراع بين الأحزاب السياسية وبرامجها وكيف يتم قطع الطريق على تطور التجربة الديموقراطية في السودان عبر الإنقلاب العسكري، فمؤتمر الخريجين (1938م) والذي توج نشاطه باعلاء الأشقاء منه سطح الدولة والعمل في تدبير أمرها الاقتصادي والاجتماعي، فإنه لم يُدرس بشكل جيد وظلت الدراسات تقع أغلبها في كتابة تاريخ حركة المثقفين والترجمة لرموزها وكأننا أمام مُدرس يلقي حصته على عجل وهو ساخط على ما يعتريه من ملال إذ ظل يردد منذ فترات طويلة الأسماء ذاتها، فالذي غاب في تحليلنا لحركة المثقفين ليس طبيعة حضورهم السياسي بل تكوينهم المعرفي لفهم العالم، ولا أعني تحصيلهم الأكاديمي فهذا أمر يشترك فيه كل إنسان مع آخر دون أن يكون دافعاً قوياً لبناء تصوراته حول الإنسان والوجود والعالم.
إن الحكمة المغيبة في درسنا لتحليل حركة المثقفين هي كيف فهم المثقف السوداني موقفه من مجتمعه، موقعه من الإنسانية، وما حظوظه الملعونة من إصابة النجاح في تجاربه السياسية إلا حيلة تنجو بنا من الخوض أعمق في البنى التي خرجت منها تصورات المثقف؛ المثقف خريج مؤتمر الخريجين لم يكن على وعي بطبيعة أدواره تجاه مجتمعه بل لم المجتمع من الأصل في محيط تفكيره، لقد أعماه امتيازه وتوفقه الاجتماعي، فرادته وناطقيته، زيّه وتمثله الخواجة، فتركب في وعيه أنه بما يملك من اختلاف في السلوك والموقع يحمل مشروعاً فكرياً يستقي منه تصوراته، وحقيقة الأمر أننا لا نقع على أي مشروع فكري في حال نظرنا لتيار المثقفين السودانيين، كانت أفكاراً عالية، وتصورات مثالية لم تملك من أمرها شيء، وحتى الحركات السياسية التي قدمت منفستو لتغيير المجتمع، كانت تحمل على كتفها نُظم وأحكام، أفكار أولية ومبادئ عامة ظنت أنه من الممكن تجذيرها هنا، بل وأن تخوض بها معركة التغيير، يستوي في ذلك يمين ويسار، إن الصراع السياسي في السودان ليس صراعاً حول الأفكار، وإلا لنجونا منذ زمن بعيد، فحقيقة الصراع السياسي أنه ترميز لأفكار مثالية لم توطن في سياق الحالة السودانية، ولكنها عُرضت بشكل نهائي وحتمي وكأنها عقائد، ولذا لن تجد مشاريعاً فكرية تتناطح لتثبيت حضورها الاجتماعي حتى ننجو.