مستقبل الاعلام الرسمي في عالم متغير .. بقلم: د. النور دفع الله أحمد

 

الاعلام الرسمي او ما يطلق عليه ايضا الاعلام الحكومي هو ذلك الذي يتبع بصورة مباشرة لحكومة بلد ما ويستمد وجوده وبنائه التنظيمي من مجموعه الافكار والمقاييس التي تحكم رؤية النظام الحاكم أيا كان نوعه تعبيرا ودعما ومساندة اخذين في الاعتبار ان النظم الاعلامية في مجال الاعلام لا تعدو ان تكون في مجملها هي اما نظاما حر يسمح بحرية التعبير الفائقة او نظاما سلطوي يتحكم في الاداء الاعلامي او نظام اشتراكي وهو اقرب الى النظام السلطوي . 

واذا ما نظرنا الى بداية الاعلام الرسمي نجده قد ظهر الى الوجود مع وجود تكوين الاسرة في المجتمع وما ذلك الا لان الاسرة هي التي تقوم بالدور البارز والاهم في صياغة وتكوين اراء افرادها وذلك لتوجيه سلوكهم نحو أمر معين خاصة في المجتمعات المحافظة حينما تصبح الاعراف والتقاليد والعادات كلها مسلمات غير قابلة للنقاش في اوساط المجتمع …. وكذلك نجد الاعلام الرسمي قد عرفه الناس من عصور سحيقة حينما كانت السلطة الدينية التي تمثلها الكنيسة بيد الباباوات في المجتمعات الغربية لتصبح هي المسيطر الوحيد على فروع العلم والمعرقة واسس توزيعها ونشرها بين الافراد سبيلهم في ذلك (ان المعرفة قوة على حد قول الفيلسوف ارسطو) كذلك فان مجموعه حمورابي للقوانين في بلاد ما بين النهرين ماهي الا وجه من وجوه الاعلام الرسمي في ذلك الزمان ..اذ الغاية من كل ذلك هو تدفق سريان الرسائل الاعلامية في شكل رأسي من اعلى الى اسفل أي من الحاكمين الى المحكومين بشكل احادي ليس فيه مجال للرأي الاخر في ان يقول كلمته بالرفض وهذا يتمثل في عالم اليوم التي تخضع فيها ملكية الصحف للدولة خاصة في دول العالم الثالث حيث لا تتسع صفحات الصحف الا لوجهات النظر الرسمية المتمثلة في كبار القادة والمسؤولين من اصحاب النفوذ في الحكومة القائمة في بلد ما .
وبالرجوع الى السمات العامة للأعلام الرسمي بالدول النامية نجدها كثيره ومتعددة ولكننا نتعرض بالحديث الى ابرزها التي تتضح اكثر مما تتضح في الاهتمام بإبراز الاخبار الايجابية للدولة الحاكمة ومجموعه الدول التي تربطها بها علاقات جيده سواء ان كانت من دول الجوار او الصديقة وفي مقابل ذلك نجد التركيز على الاخبار السالبة للدول التي لا تتمتع بعلاقات طيبة معها هذا بالإضافة الى ان وكالة الانباء المملوكة للدولة تصبح هي المصدر الوحيد للأخبار لكافه المؤسسات الاعلامية هذا بالإضافة الى ان مجموعه الوزراء وغيرهم من كبار المسؤولين للدولة يعتبرون من المصادر المعتمدة بما يجب ان يذاع او ينشر مع قلة الانتقاد الموجه لهم في اداء اعمالهم الرسمية كذلك نجد ان الاعلام الرسمي يكاد ينصب معظم ادائه في ابراز وانجازات الحكومة بشيء من الاهتمام المتزايد والمبالغ فيه وذلك في مقابل الحجب او التعتيم على بعض المعلومات التي تتعلق بالنظام الحاكم كذلك من سمات هذا النوع من الاعلام انه دائم التقليل مع التشكيك لكل الاصوات المعارضة لا طروحاته الامر الذي يجعله مصدر شك وعدم موثوقية مما يعطيه من معلومات للجمهور .
من خلال هذا التطواف كما تتبعناه من خلال الاسطر السابقة والذى لم يكن بأكثر من التعاريف والمفاهيم والسمات المتعلقة بالأعلام الرسمي او الحكومي بشكل عام لمجموعه الدول النامية وما السودان الا واحد منها ونحمد الله انه قد تجاوز الكثير من السلبيات خاصه تلك التي تتعلق بحرية التعبير التي لا زالت تشكو منها بعض الدول على الرغم من الثورة المعلوماتية الهائلة التي يعيشها العالم الان ذلك ان التدفق المعلوماتي الهائل في عصر الانترنت اعطى للمعلومات قوة هائلة في عملية تكوين الرأي العام وقيادته بالصورة الاقناعية المثلى وليس القسرية وفقا لنظرية القطيع كما كان في السابق .
وعليه نحن نقول انه لابد للإعلام الرسمي في عالم ما بعد الحداثة ان يقدم بل ويؤسس لنفسه معايير جديده في الاداء الاعلامي وبقيم جديدة في التعامل الاعلامي حتى تتماشى مع الواقع الجديد لعالم بلا حواجز فى عصر السماوات المفتوحة على كل ارجاء الكرة الارضية …… اذا نريد من الاعلام الرسمي السوداني ان يزود مواطنيه بكل المعلومات والحقائق خاصه التي تتعلق او توصف بالقضايا الملحة و العاجلة وذلك بشيء من الشفافية والصراحة والوضوح حتى نسد الطريق أمام الشائعات حتى لاتكبر وتنمو وتزيد بحيث لا يؤدي ذلك الى بلبلة واضطراب في تكوين الراي العام السوداني بشكل صحيح تجاه قضايا الوطن آخذين في الاعتبار ان المعلومة التي يتم التستر عليها قطعا سيعرفها الناس في حينها من خلال التطبيقات والمنصات لمواقع التواصل الاجتماعي بالشبكة العنكبوتية فما عادت هنالك اسرار نخفيها او نخاف عليها كيف لا ونحن على الدوام خصوصياتنا مخترقة لكل قول او فعل يرتكب وما الكاميرات الخفية واليوتيوب والوا تساب الا دليل صدق على ما نقول

كذلك نريد من اعلامنا الرسمي ان يكون مبادرا وقائدا لا منقادا مرددا لصدى القرارات الرسمية حتى يكون على الدوام في قلب الحدث في كل قضايا الوطن الكبرى ومن اهمها قضية الوحدة الوطنية بعيدا عن الجهوية ونبذا لعصبية القبيلة والتشرذم فان كان لابد من ذلك فليكن تشرذمنا وتحيزنا للسودان اولا واخيرا فما عاد الاقصاء للأخر ونبذه وابعاده هو الحل الامثل لكافة القضايا حتى ا استدركناه في حوار جوبا ايمانا مننا ان ذلك هو السبيل الوحيد
كذلك ينبغي ان يركز الاعلام الرسمي على الاذاعات المسموعة والقنوات الفضائية الولائية بشكل اكبر وامل ان تكون في كل محلية اذاعه تمثل نموذج راديو المجتمع اخذين في الاعتبار ترقية حياة اهل الريف حتى لا يتحولوا الى مستهلكين بالمدن بدلا من كونهم منتجين للأرض طمعا في زيادة الانتاج والانتاجية التي تعد الضمانة الكبرى لانتعاش الاقتصاد السوداني .
وفي النهاية لم يتبق لي سوى القول ونحن نتحدث عن مستقبل الاعلام الرسمي في عالم متغير او عالم ما بعد الحداثة اقول ان هذا النوع من الاعلام سيشهد انحسارا كبيرا ولا اقول اختفاءا كليا للشكل التقليدي المتعارف لدينا الان وذلك بحكم التطور الكبير الذي شهدته تقنيات الاتصال بعد ظهور الانترنت وذلك عندما اصبحت كل وسائل الاعلام تجتمع داخل جهاز واحد فماعادت الصحيفة هي نصا مطبوعا فقط ولا الراديو هو صوتا فقط ولا التلفزيون صورة فقط وحتى المستمع ما عاد هو المتلقي فقط وانما اصبح الان هو المشارك والمتابع والمتفاعل وفوق كل هذا وذاك اصبح صانعا للمعلومة ومنتجاها وموزعها وبالتالي قطعا سنشهد في المستقبل القريب جدا ما يطلق عليه الراديو الذكي او راديو الانترنت من خلال الموبايل والذي لا يخضع للرقابة التقليدية او التصديق المسبق عليه او حتى توقفه عن البث من جانب السلطات الرسمية اضافة فأننا لا نحتاج الى تأسيس محاطات اذاعيه بالشكل الماضي سواء من حيث الادوات والمعدات الخاصة بالبث او الاستديو هات بل ولانحتاج حتى الى جحافل من البشر تعمل في تلك المحطات وغير ذلك من المتطلبات الإذاعية الاخرى وماعلينا الا ان نعد العدة منذ الآن لما هو ات لشكل الاعلام الجديد بنوعيه الخاص والرسمي حيث بدأت عناصر العملية الاتصالية تتهاوى برمتها وتتكسر من حيث الرسالة والمرسل والمستقبل والوسيلة ورجع الصدى كما تعلمناه ونحن بمقاعد الدراسة بكليات الاعلام في زمن مضى

dafallanour@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً