النيابة بين المطرقة والسندان .. بقلم: د. الصديق عبدالباقي

لا يخفى علينا أن النيابة العامة تواجه حملات غاضبة كاسحة من رموز النظام السابق ومن مكونات المنظومة الثورية الحاكمة على وجه السوا.
و تعمّد غض الطرف عن سلوك جميع مكونات المنظومة الحاكمةً وإلصاق إخفاقاتها بفلان أو علاّن تبسيط مخل و ابتسار للحقيقة ونهج خطابي انتهازي يروم في حال الشركاء في الحكم الإثارة و تبرئة الذات و شخصنة الأزمةً و البحث عن كبش فداء لخيبة إجمالية لا تستثني أحدا.
و قد سبق أن كتبت في أعقاب مليونية الخميس في الثالث عشر من سبتمبر ٢٠١٩ ألتي خرجت للمطالبة بتعيين رئيس القضاء و النائب العام أنه يجب على الحكومة أن تولي القضاء و النيابة أهتماما خاصا و أولوية قصوى لمقاربة سقف توقعات عامة الشعب و أولياء دماء الشهداء و الضحايا لعدالة مستقلة و مؤهلة و ناجزة و ذلك وفقا للقواعد القانونية المرعية التي تناسب ظرف السودان الراهن و تتوافق و موجهات المفوضية العامة (الأمم المتحدة) لحقوق الإنسان و العدالةً الانتقالية.
و أشرت في ذلك المقال أن القضاء و النيابة مؤسستان يتشكل متنهما من مداميك ذات ديمومة نسبية هي ١ /قوانين و لوائح تنظم ولايتهما و تشغيلهما و ٢/ قوانين و لوائح تحكم منتجات العمل القانوني و القضائي و ٣/ كادر بشري ذي ديمومة قصيرة بما فيهم قضاة و مستشارين و وكلاء . و أن تعيين رئيس قضاء أو نائب عام لن يؤدي بمفرده الى تغيير بنية القضاء أو النيابة أو استقامة أو اعوجاج عمل القضاء و النيابة ( على افتراض أصل الاستقامة أو الاعوجاج) حتى و إن كان القادم معصوما و سيوبرمان.
و المفارقة الماثلة أمام الحميع حتى تاريخ اليوم أن البنية التشريعية و المؤسسية التي تقولب العمل القانوني و القضائي و تتحكم في منتجاته ما زالت هي نفسها الموروثة من النظام البايت و ليس البائد. فما زالت قوانين الإصلاح القانوني والمؤسسي التي تستهدف تلك البنية ، مجرد مشروعات تتغذى حتى اليوم أثداء المقترحات من كل حدب و صوب رغم تجاوزها عمر الرضاعة والعمر الافتراضي للمشروعات.
ومما ضاعف من عجز الأداء القانوني و إقعاده أن المجلس العسكري الانتقالي و من بعده الشريكين العسكري و المدني تقاعسوا جميعهم عن سن قانون سيادي يضمن سلامة و أمن الفترة الانتقالية و قدرة سلطتها في التصدي الفعال لتحديات المرحلة. ويعتبر تفكيك الفساد و استرداد مغانمه من صميم التحديات ومهام السلطة الانتقالية و مناط بيعتها و غاية وجودها و مما لا يقبل الإسناد وما كان له أن يسند أو يعهد به للغير و لا أن يعتبر إسناده وتلجينه مسوّغا لرفع السلطة الانتقالية يدها عنه دعك عن انضمام بعض رموز السلطة لخانة المنتقدين و المخاصمين للمتعهدين بمهام التفكيكً من الباطن.
و ما ينطبق على لجنة التفكيك ينطبق بعضه كذلك على النيابة. فلا يخفى على علم القانونيين و غيرهم أن النيابة لا تملك فكاكا من القوانين و اللوائح و تعديلاتها التي سنّها النظام البايت و ليس البائد و ما زالت سارية. فما زالت القوانين الجنائية و قوانين الشرطة و الأمن و القوات المسلحة تضفي على منسوبيها حصانة تزيد على الإجرائية و تلامس الإطلاق و لبعضها سلطات نيابية و قضائية و شرطية موازية . كما أن سلطة وقف الإجراءات الجنائية ضد أي شخص أو جهةً التي يكفلها القانون للنائب العام ما زالت كاملة غير منقوصة. و معلوم للقانونيين أن هذه الصلاحية القانونية المكفولة بموجب قانون الإجراءات الجنائية منذ ١٩٢٩ لا بمارسها في واقع الأمر النائب العام من تلقاء نفسه بل كانت في جميع السوالف المدونة و غير المدونة منذ الستينيات من القرن الماضي تمارس بسبب تدخل مسبب يرسل للنائب العام من رئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء أو وزارة الخارجية أو غيرها من أجهزة الدولة. و معلوم للقانونيين أن بعض هذه الحالات تعتبر من قبيل العلم القانوني صنو العلم القضائي لا تملك النيابة سوى الاستجابة لها.
يضاف الى ذلك أن القوانين التي ظل يستقوي بها النظام السابق و تستند عليها الأحهزة الأمنية و النيابية و الشرطية لأداء المهام قد تم انتزاع شوكتها بناءا على طلب بعض فصائل المجلس المركزي للحرية و التغيير بذريعة كونها مقيدة للحريات. و إذا كانوا يقصدون حرياتهم و حريات خصومهم السياسيين فلا داعي إذن للطم الخدود و شق الجيوب على ما يعتبرونه الآن تطاولا من أنصار النظام السابق أو تقاعسا من الأجهزة الأمنية و الشرطية و العدلية عن دورها في حفظ الأمن و ضبط السوق و سرعة الأداء و إنفاذ القوانين.

drsiddig57@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً