الإعلاميون .. وبئس الإعلام .. بقلم: محمد عبدالله ابراهيم
لا شك أن الإعلام لعب دورا كبيرا ومؤثرا في نجاح الثورة السودانية التي أسقطت نظام البشير، وذلك من خلال نشر ونقل مجريات الأحداث والفعاليات الثورية وتمليكلها للجماهير وكشف مخططات النظام البائد الرامية إلى إجهاض الثورة وفضح ممارساته وسلوكه الإجرامي ضد الموطنيين العزل ونقله عبر المنصات والوسائط الإعلامية في الداخل والخارج لكشف الحقائق وتمليكها لكآفة السودانيين والمهتمين بالشأن السوداني خاصة الجهات الإقليمية والدولية التي تهتم بحقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية، بالإضافة إلى دور الإعلام المؤثر في حشد وتوجيه الجماهير الثائرة في شوارع المدن والقرى السودانية، وان من أكثر وسائل الإعلام مساهمة في الثورة هى الزوايا والمواقع الإعلامية الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي العامة والخاصة، وانني لستُ بصدد البحث عن تقييم دور الإعلام؛ ومدى مساهمته في الثورة السودانية المجيدة، وذلك لأن قدراتي الإعلامية لن تؤهلني لذلك، وكذلك لا أريد الإدعاء والإفتاء فيما لا أملك فيه علماً ومعرفة، ولا سيما أن الفتوى من غير علم جهل عظيم، ولكن لدي ملاحظاتي إلتى ما فتئت تعطيني الضوء في قراءة المشهد الإعلامي الذي على حسب وجهة نظري أصبح يعاني كثيراً من عدة تعقيدات وصُعوبات أفقدته الميزة والقيمة الرئيسية في أن يطلق عليه السلطة الرابعة في الدولة، وذلك بفعل الخج والمج وهمجية مدراء المؤسسات الإعلامية خاصة أولئك الذين جعلوا من الإعلام وظيفة محصوره في رغباتهم ويتخذونه كمصدراً للإرتزاق والكسب الرخيص حتى صار بائساً، ونحن ندرك أن الإعلام بكافة وسائله تضرر أيما ضرر من سياسات الأنظمة الديكتاتورية القعمية التى أصابته في مقتل؛ ومارست أجهزتها الأمنية أبشع أساليب القمع والإضطهاد ضد الوطنيات والوطنيين من الصحفيات والصحفيين والكُتاب مستخدمين أدوات الإرهاب واقبح أساليب المعاملة والإعتقالات ومصادرة الدور وحجز وإتلاف الممتلكات والأدوات الإعلامية ومصادرة حرية الرأى والتعبير، ولم يتوقف الدمار عند هذا الحد بل طال حتى الأخلاق الصحفية، وهذه الممارسات السياسية ساهمت في أفرغ الإعلام عن دوره الطبيعي وتحجيمه في القيام بأداء دوره الأساسي في الدولة والمجتمع، وحيث صنعت الشموليات إعلام مؤدلج وموجه لتنفيذ سياساتها ولخدمة أهدافها طوال تاريخ بلادنا السياسي، وحتى وقت قريب في ثورة ديسمبر المجيدة كنا نشاهد ذلك الإعلام المؤدلج والموجه الكاذب في كآفة المؤسسات الإعلامية الرسمية المملوكة للدولة والخاصة أيضاً، وكانوا يعملون ليلاً ونهاراً لتخوين الثوار وإجهاض الثورة ويدافعون بقوة مستميتة عن النظام البائد وقياداته، وان من فضائل ثورة ديسمبر المجيدة أنها ميّزت لنا إعلاميي النظام البائد والوطنيين وايضا بَيّنت لنا أؤلئك الجبناء الذين نراهم يتطاولون اليوم يملئوا الأرض ضجيجاً بلا حياء وبلا خجل بعد أن كنا لم نسمع لهم صوتاً ولم نشهد لهم موقفاً واضحاً ضد سياسات النظام المباد؛ بل كانوا متسقين معه طيلة فترة وجوده في السلطة وكان هنالك اعلاميان يعملان إحداهما مع الثورة والآخر مع النظام ويعمل ضد الثورة، كما أن ثورة ديسمبر استطاعت أن توحد قبلية الإعلاميين من الصحفيات والصحفيين والكُتاب الوطنيين تجاه قضية إسقاط النظام، وظللنا طيلة فترة الحراك الجماهيري الثوري نشهد إعلام مهني منظم ومسؤول وموحد تجاه القضية والهدف ولم يكون هناك انقسامات تذكر سوى بعض التباينات في وجهات النظر، وان إعلاميي النظام ظلوا يعملون من أجل إجهاض الثورة ويدافعون عن النظام وقياداته حتى سقطوا معه، وعلى الرغم من سقوط النظام إلا أنه وبكل أسف نجد أن بعض أولئك الذين ينتسبون الى النظام البائد من الاعلاميين وكانوا يدافعون عنه موجودين ويعملون بكل نشاط في المؤسسات الإعلامية الرسمية الحكومية والخاصة وبعضهم قد لبسوا جلباب الثورة دون خجل ولا حياء واصبحوا يمارسون أنشطتهم التى ليست لها أهداف غير العمل ضد مكتسبات الثورة وزرع الفتن والإنقسامات في الدولة والمجتمع، ومن الملاحظ بعد سقوط النظام؛ ان إعلامنا الوطني الثوري قد أصابه ما أصاب المسلمين من فتنه في عهد الخليفة عثمان بن عفان أدت إلى مقتل عدد كبير من الصحابة على رأسهم الخليفة عثمان بن عفان نفسه، وذلك من خلال الفتنة الكبرى التى تسببت في إنشغال المسلمين بالقتال ضد بعضهم البعض وبداية الصراع المذهبي لأول مرة حيث ظهور الخوارج كجماعة تطالب بالإصلاح وايضا جماعة السبئية الغلاة التي تطالب بتقديم أهل البيت على جميع الناس، وخلال هذه الفتنة حدثت حروب ونزاعات كبيرة إمتدت إلى فترة خلافة على بن أبى طالب، وكذلك أن الماخذ على الإعلاميين الوطنيين من صحفيات وصحفيين وكُتاب الذين كانوا على الدوام منحازين الى جانب الحقيقة دافعاً عن الوطن وقضايا الشعب السوداني انهم لم يستطيعوا أن يحافظوا على وحدة وتناسق الخط الإعلامي تجاه القضايا مثلما حدثت في ثورة ديسمبر المجيدة؛ فبعد سقوط النظام سرعان ما عاد العديد من الإعلاميين إلى العادة القديمة والتمسك بالأمراض والممارسات السابقة، وهى التى تعمق الانقسامات السياسية في الدولة والمجتمع وتبحث عن ما يفرق الناس أكثر مما يوحدهم بعد أن كنا نعتقد أن ثورة ديسمبر المجيدة قد أحدثت شيئاً من التغيرات في هذا المجال المهم، ولكن بكل آسف لقد شاهدنا إعلام غير مسؤول يمارسه العديد من الصحفيات والصحفيين والكُتاب ويمكن أن نطلق عليه إعلام مزاجي، وكذلك أجهزة إعلامية ضعيفة الأداء وهى أقل قامة من الثورة وتضحيات الشهداء، خاصة الأجهزة الإعلامية الرسمية في الدولة من إذاعة وتلفزيون والتى لا تمتلك بجانب نشرات الأخبار سوى البرامج الإنصرافية واستضافة شخصيات خاوية في السياسة والفكر والثقافة ويتحدثون عن أشياء ليست لها أي علاقة بالواقع وكذلك بث مواضيع ليست ذات قيمة أو منفعة للمشاهدين أو المستمعين، وأصبح الحقل الإعلامي في البلاد يتسم بالفوضى ويعج بالعديد من التعقيدات والغش والكذب في ظل وجود آلاف من الإعلاميين والصحفيات والصحفيين والكُتاب الذين يفتقدون المعرفة والثقافة والخبرة وأبسط مقومات العمل الإعلامي ناهيك عن آلاف الذين حشروا أنفسهم في هذا المجال وليس لهم علاقة أو أدنى صلة به، وكذلك هناك مئات المواقع الإلكترونية والعديد من الصحف إلتى تنشر مواد إعلامية دون مراجعته أو تقييمه وكذلك مقالات وكتابات ليست ليها اي قيمة وأخرى ضررها أكثر من نفعها حتى اصبحنا لا نستطيع أن نفرق بين الإعلام السالب والغير سالب والإعلام الذي يقف مع الثورة وقضايا التغيير وتلك الذي يعمل ضده.
محمد عبدالله ابراهيم
لا توجد تعليقات
