الحكم الإقليمي على الأبواب … اصحى يا بريش! .. بقلم: محمد علي مسار الحاج
17 مارس, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
29 زيارة
في ظني، ان في عقلية النخبة السودانية المثقفة عيبٌ خطير وهو الإنشغال والإنفعال بالآني، بصورةٍ تجعل الجميع يغرقون في (شبر مية) هذا الآني، بل والأدهى وأمر، هو أنهم يستميتون في الإنخراط فيه بكل جوارحههم وعواطفهم وافكارهم واقوالهم وافعالهم للدرجة التي يهملون فيها أي قضايا كبرى أخرى سواه، ربما تكون هي أهم وأخطر من هذا الأمر الذي هم مستغرقون فيه، حتى إذا فقد هذا الآني توهجه وبريقة، سرعان ما وثبوا إلى تخوم مستجدٍ آخر يكررون فيه نفس السلوك، وهذا ربما الذي يجعل من هذه العقلية النخبوية، رغم الفشخرة والبوبار، عقلية فهلوية وانطباعية وسطحية وغير عقلانية البتة، ما يجعلها ضحيةً مثالية للتوظيف والإستغلال والإستهبال.
خذوا مثلاً الزخم الذي قابل به السودانيون، خاصةً أهل الثقافة والفكر وصناع القرار، دخول طلائع قوات الحركات المسلحة للعاصمة وكمية وشدة ردود الفعل التي واجهوه بها بين مؤيدٍ ومعارض، ليجئ بعد ذلك مباشرةً موضوع إطلاق سراح الشيخ موسى هلال فيتحول الكل فجأةً إلى ذلك الموضوع، رغم الاقرار بأهميته ورمزيته، وترتفع وتيرة السجالات حتى كأنه ليس هناك موضوعٌ غيره، رغم أن الساحة الوطنية حالياً تمور بالتطورات الخطيرة، منها مثلاً إعلان حكومة المحاصصات الجديدة دون تعيين وزيرٍ للتربية والتعليم، وقرار توحيد سعر العملة، وزيارات رئيس الوزراء لكلٍ من مصر والسعودية، والتطورات الخطيرة على الحدود الشرقية ومعركة عض الاصابع الدبلوماسية الصامتة حول ملف سد النهضة، وكلها مستجداتٌ مهمةٌ وخطيرةٌ تستحق أن يفرد لها السودانيون من اهل الفكر وصناع الاحداث، حيزاً واسعاً من اهتمامهم واقوالهم وافعالهم، واعتقد ان السبب ببساطة هو أن عقلية النخبة السودانية (عقلية ود اب زهانة) عقلية كسولة وغير مدربة على توزيع المهام والاهتمامات الوطنية، لذلك تجدهم منخرطون بشدة في حدثٍ واحد حتى يفقدوه البريق بالتكرار والتركيز. والشاهد ان القضية ليست فقط في مجرد الاهتمام، فلا شك ان تطورات مثل دخول طلائع قوات حركات الكفاح المسلح للعاصمة، أو إطلاق سراح الزعيم القبلي موسى هلال هي بالقطع تطوراتٌ مهمة وتستحق أن يتم تناولها بعمقٍ واستقاء الدروس منها، ولكن ليس إلى حد الانشغال المرضي بهذه المستجدات إلى درجة الهوس وترك ما سواها. واضرب لذلك مثلاً حيث أنه في غمرة إستغراق عقلية النخبة في تناول هذه المستجدات، هناك موضوعٌ خطيرٌ آخر يجري الإعداد له بصمتٍ مريبٍ، ووتيرةٍ متصاعدة، وهو تطبيق بند الإنتقال للحكم الإقليمي في إتفاقية سلام جوبا، وهو لعمري من القضايا المصيرية الخطيرة التي تستحق ان يركز الكل عليها حتى لا تتكرر أخطاء الماضي، أو تمرر الأجندات التي تعقد مسيرة بناء وتطور الوطن.
المنشور في وسائل الاعلام يشير إلى أن وزارة الحكم الإتحادي تحت إشراف عضو مجلس السيادة الموقر محمد حسن التعايشي يعكفون هذه الايام على الترتيبات لاتخاذ الخطوات الإجرائية لتنفيذ هذا الاستحقاق المهم، ويعدون العدة لانعقاد (مؤتمر نظام الحكم في السودان) الذي سيحدد الأقاليم وعددها وحدودها، وهياكلها، واختصاصاتها وسلطاتها ومستويات الحكم والإدارة.
انا متأكدٌ أن هذا الحدث بمجرد الإعلان عنه والشروع في خطوات تنفيذه، سيثير ضجةً كبرى ربما ستفوق كل زوابع الاحداث التي أعقبت توقيع إتفاقية جوبا، وربما يكون أخطر بنود الاتفاقية وأشدها تأثيراً ووقعاً على الجميع، بما في ذلك مستقبل السودان، خاصةً اذا تمت (كلفتت) الموضوع، او سرقته، كما سرقت بعض شعارات واستحقاقات ثورة ديسمبر العظيمة…
لذلك اقول للجميع: “اصحى يا بريش”.
محمد علي مسار الحاج
الخرطوم
١٧ مارس ٢٠٢١
mohamedmassar@yahoo.com
//////////////////////