الدرس الرابع من «النوبة» في شرق السودان .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد
«كرم الطبيعة وبُخل السياسة في شرق السودان» هو العنوان الرئيسي لهذه السلسلة من المقالات، والتي نسطّر فيها مشاهداتنا ونتائج لقاءاتنا خلال زيارتنا لولاية البحر الأحمر في يناير/كانون الثاني الماضي. والعنوان يأتي تعبيرا عن ما رأيناه من مفارقة عجيبة تتلخص في أن ولاية البحر الأحمر غنية بموارد وثروات ضخمة، ومع ذلك تُعتبر من المناطق الأقل نموا والأكثر فقرا في السودان، حيث البنية التحتية والمشاريع التنموية شبه منعدمة، وتتفشى فيها المجاعات والأمراض والأمية.
ففي ثمانينات القرن الماضي، كانت قيادات الجبهة الإسلامية القومية تشحن أعضاءها وأنصارها في بورتسودان ضد النوبة بإعتبارهم كفرة وثنيين…! ومع إحكام الإنقاذ قبضتها على البلاد، تفاقمت المشاكل بسبب العطالة وعدم العدالة في فرص العمل، علما بأن بورتسودان كان بها 55 مصنعا، إضافة إلى الخطوط البحرية والسكك الحديدية، وكلها للأسف دمرتها الإنقاذ. بل الإنقاذ سعت إلى بث الفرقة داخل مجموعة النوبة عندما قسّمت الإدارة الأهلية الموحدة إلى نظارتين. كما أن مجموعات الجهاد الإسلامي الإريتري، وهي مجموعات مسلحة، لعبت دورا في تأجيج الصراع والهجوم على النوبة لأسباب عرقية وأيديولوجية. ويتواصل الحديث مع من إلتقيناهم من أعضاء «غرفة إدارة الأزمة» التابعة لرابطة أبناء جبال النوبة في ولاية البحر الأحمر، فيقول أحدهم أنهم لاحظوا محاولات الإنقاذ لتغيير ديموغرافية المدينة، خاصة عندما كان إبراهيم محمود وزيرا للداخلية، كما لاحظوا إستيلاء شركات مرتبطة بالخارج على مفاتيح مواقع الاقتصاد الرئيسية. ويتهم النوبة الإعلام بالعمل على تشويه صورتهم وإختلاق قصص عن فظائع يرتكبها آخرون وتُنسب إلهم. ويقولون أن ثقتهم في الحكومة والأجهزة العدلية والنظامية إهتزت بسبب عدم حيادية بعض هذه الأجهزة، وتقاضيهم عن السلاح الكثيف والمتطور، المتواجد في أيدي الجماعات الأخرى، في حين النوبة لا يملكون أي سلاح. وبسبب ضعف تحريات وكلاء النيابة، وإفلات الجناة الذين إستخدموا السلاح من العقاب، وبسبب أن الحكومة لا تنصفهم، ويتغذى فيهم الإحساس بالدونية وأنهم غرباء وغير مرغوب فيهم في بلدهم، وأن تجاهل الحكومة لمأساتهم يرسب في دواخلهم الغبن والشعور بالإضطهاد. وبعض أعضاء الغرفة توجه بالإنتقاد إلى أبناء شمال السودان، ومنهم مجموعات كبيرة في المدينة، لأنهم لم يتقدموا بأي مبادرة لإخماد الفتنة رغم أن قطاعات واسعة من أبناء النوبة توقعت منهم ذلك. وتشككت إحدى المشاركات في اللقاء من إمكانية إنهاء الأزمة قريبا لأن القبلية مقننة في بورتسودان، وأحياء المدينة السكنية مخططة على أساس قبلي وإثني، مما يجعل من التمازج الإجتماعي أمرا صعبا ولكنه ليس مستحيلا. وأشارت أخرى إلى أن النظام البائد يسعى جاهدا إلى العودة إلى السلطة مستفيدا من أجواء الفتن والتوترات، بل أنه يسعى لتقوية موقفه الانتخابي من خلال الصعود على ظهر بعض المكونات القبلية في الإقليم، مستغلا تقاربة مع بعض قيادات هذه المكونات.
لا توجد تعليقات
