اعلان المبادئ وآمال الانفراج! .. بقلم: عبدالله مكاوي
2 أبريل, 2021
المزيد من المقالات
120 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
احدث اعلان المبادئ بين القائد الحلو والجنرال البرهان، ارتياحا عاما داخليا وخارجيا. وذلك ليس بوصفه اختراقا في ملف السلام المتعثر فحسب، ولكن قبل ذلك في تحريك حالة العجز والاحباط التي تراوح مكانها منذ السيطرة علي الثورة، وحرفها عن مسارها في التغيير الجذري، من حالة انحطاط قيمة السلطة ووظيفة الدولة وتردي الحياة السياسية والتدهور الاقتصادي والتحلل القيمي والتفكك المجتمعي، وضبابية المستقبل وفقدان الامل، لصالح انجاز شعارات الحرية والعدالة والسلام وترقية الحياة، في دولة تليق بكرامة الانسان في العصر الحديث.
وعموما، اي اتفاق سلام امر جيد، ولكن الامر غير الجيد، هو اعادة ذات سيناريوهات اتفاقات السلام، التي لم تؤدِ لسلام! وهذا ما نخاف عليه من الاتفاقية القادمة ما بين الحركة الشعبية شمال جناح الحلو والحكومة الانتقالية التي يمثلها البرهان. وخصوصا ان التجارب السابقة علمتنا ان العبرة ليست بجودة النصوص المتفق عليها، ولكن بانجازها علي ارض الواقع المحكوم بتوازن القوي. واجمالا المخاوف تتمثل في الآتي:
اولا، اعلان المبادئ الذي طالعنا يحمل طابع الثنائية التي حكمت كل الاتفاقات السابقة، التي تمت تحت حكم الامر الواقع بين الطرفين المتفاوضين. اي بعيدا عن التشاور والرقابة المجتمعية.
ثانيا، البرهان الذي يمثل الطرف الحكومي في الاعلان، يكرس مثل هذا الدور الذي لعبه (من غير مسوغ)، لوضعية التجاوز التي استمرأها البرهان، في سعيه المحموم لاعادة انتاج السيسوية علي الطبعة السودانية.
ثالثا، البرهان لا يمثل شخصه، ولكنه تجسيد لمسيرة طويلة من سيطرة واستحواذ المؤسسة العسكرية علي السلطة، ومصادرة مصير المحكومين، من غير وجه حق، وفي تعارض صارخ مع اي امكانية لبناء الدولة المدنية، كحل جذري لمشكلة الدولة السودانية، التي لم تفارق محطة التشكل. اي عسكرة السلطة ليست اكثر من محلك سر للدولة غير المتشكلة. وما يستصحب ذلك من عقابيل غياب الدولة علي حقوق المواطنين.
رابعا، البرهان الذي يمثل سيطرة العسكر علي السطة، يشكل جزء من المشكلة وليس الحل. ولذا قيادته لهذه الحوارات (خارج اختصاصه)، يثير الشكوك حول اهدافه! مع العلم انه لم يقدم عمليا، اي دعم للثورة او الاقتصاد المنهار او الامن الفالت او لمستقبل الديمقراطية في البلاد! بل الارجح انه يستغل هذه الاتفاقية ليمدد بقاءه في رئاسة المجلس السيادي بعد انتهاء دورته؟!
خامسا، هذه الاتفاقية تاخرت كثيرا، وكانت كلفة هذا التاخير باهظة جدا، خاصة بعد ان اصبحت الثورة كحاضنة شعبية للاتفاقية، في اسوأ لحظات ضعفها. وللاسف لعبت مماطلة الحركات المسلحة، بما فيها الحركة الشعبية شمال، دور في هذا الضعف (مما يدلل علي قلة كفاءتها/خبرتها السياسية)، بعد ان احدث غيابها فراغ تمدد فيه المكون العسكري وجماعات الهبوط الناعم. اي كأن الحركة الشعبية شمال، كسبت القبول باعلان مبادئها، ولكنها خسرت الثورة!
سادسا، الحركة الشعبية التي رفضت شروط للتفاوض افضل، بعد ذهاب البشير وحالة الضعف التي انتابت لجنته الامنية، وحضور زخم المد الثوري، نجدها الآن ستفاوض بعد ان استردت منظومة الحكم السابق انفاسها، ولكن باوجه مغايرة، خصوصا اذا ما اعتبرنا ان الانقاذ في تحليلها النهائي، حكم لاقلية جشعة وعدوانية وفاسدة، رهنت موارد البلاد ومصالحها وامنها، في سبيل شراكة ومصالح متبادلة (علاقات زبائنية) بينها، وبين رعاة خارجيين، علي حساب مشاركة عموم المواطنين في ادارة دولتهم وتقاسم مواردها. وهذا للاسف ما ينطبق علي حكومة الفترة الانتقالية بشقيها، العسكري ومليشياته وحركاته، والمدني وتقسيماته.
اذا صح اعلاه، يصح اكثر ان جذور المشكلة السودانية التي تتطلع الحركة الشعبية لحلها جذريا، يستدعي ان توسع الحركة منظار رؤيتها لجذور هذه الازمة، مستصحبة معها اشكالية العلمانية، من منظور التحليل الثقافي كما ابدع في انجازه دكتور محمد جلال هاشم، ليشمل ايضا، بل بشكل اساس، تصور ان جذور المشكلة تعود لاشكالية انتقال مجتمع تقليدي لمجتمع حديث، وحالة رخاوة وتشويش الدولة الي دولة حديثة، وهكذا انتقال يسع كل الاشكالات الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية..الخ وبما ان هكذا اشكال يحتاج لدقة التحليل وتنوعه (نخبة مفكرة) وحوامل التغيير/الانتقال (مشروع طموح واحزاب سياسية ناضجة ومجتمع مدني حيوي وقادة اكفاء/رجال دولة، اي تقديم نموذج مقنع وجاذب) ومقومات التغيير/الانتقال (معرفة حديثة، قابلية للتغيير، اكتفاء ذاتي) وقبل كل شئ بيئة حرة تتفاعل فيها كل هذه المعطيات. نجد للاسف ان هذه البيئة تمت مصادرتها مسبقا، بواسطة المؤسسة العسكرية المؤدلجة (يسار يمين) او بصورة منفردة. وعليه من دون تحرير هذه البيئة من قبضة العسكر (واضيف لها لاحقا المليشيات والحركات المسلحة المتحالفة معها، والانجرار لمهاوي القبلية والجهوية). لن يكون هنالك امكانية لمعالجة جذور الازمة، سواء تعلمنة الدولة او لم تتعلمن، لانها في الاساس رهينة لتطلعات العسكر او مخاوفهم علي امتيازاتهم، وبعضهم علي ارواحهم.
وعليه اكبر خدمة تقدمها الحركة الشعبية شمال، لمستقبل البلاد ومصلحة الدولة وقبلها مصلحة الحركة الشعبية نفسها، هو تحويل اعلان المبادئ الي مشروع تحرر وطني، يستصحب ليس اشكاليات جذور الازمة فقط، ولكن كل القوي ذات المصلحة في مشروع التغيير، او الانتقال بالدولة الي مرحلة مواكبة عصرها، وتصالحها مع ذاتها ومكوناتها. وذلك يتم من خلال عدة خطوات منها:
1/ تحديد اطراف الصراع، اي انصار الدولة/اللادولة القديمة، التي تكرست لخدمة اقلية تدعي امتلاكها قدرات وصلات وصلاحيات خاصة، تبرر احتكارها للامتيازات، وهي تتوسل العنف لحراسة هذا الادعاءات (هي الدولة والدولة هي). اي هي تلخيص لكل عيوب التقليد المضاد للحداثة. وهذا الطرف يمثله البرهان ومن يقف خلفه من ذيول الدولة/العقلية القديمة، والدعم السريع والهبوط الناعم والدول الراعية. وطرف حديث يتطلع لمواكبة عصره، يمثلهم الشباب اصحاب الثورة (الوجعة) حاضرا، وكل المستقبل. ويضاف لهم قوي تقدمية كالحزب الشيوعي وغيره من تيارات اليسار بعد مراجعتها لتاريخها ونقدها لاخطاءها، وتحررها من اوهام الوصاية واحتكار الحكمة والمعارضة الصمدية. ومن الافضل ان اقناع حركة عبدالواحد نور بكل السبل للانضمام لهذا الطرف، بعد ان اصبحت مع الحركة الشعبية شمال، دفة كل تغيير مستقبلي. اي كامل اخير في احداث فارق معنوي (مؤثر بلغة الاحصاء)، اقلاه لم تختبر مصداقيتها بعد مشاركتها السلطة وامتيازاتها، كما خذلاتنا بقية الحركات المسلحة.
2/ ان لا تدعي الحركة الشعبية شمال انها تمثل كل البلاد لمجرد طرحها لاعلان المبادئ اعلاه، لانه والحال هذه ستقدم اكبر خدمة للبرهان ومن يقف خلفه، عبر الاستفراد بها لتمرير اغراضهم، بعد تقديم كل ما يحتاجه الحلو من ضمانات، يملكون امكانية التراجع عنها في المحكات من غير مبالة للعواقب.
3/ ستمثل الحركة الشعبية شمال، لسان حال اصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير، بالتواصل معهم والتنسيق بينهم، للاتفاق علي مشروع التغيير الحقيقي. فعندها يحق لها الكلام بلسان كل قوي التغيير.
4/ لا يمكن الحديث علي مشروع تغيير شامل، يتطلع للمستقبل، ويعالج جراحات واخطاء الماضي، من دون التئام كل القوي المنادية والمؤمنة بالتغيير في جسم واحد، وبالاستفادة من كل المعطيات المتاحة. والمقصود اعادة بناء تجمع المهنيين علي اسس جديدة وبقيادة جديدة. رجوع الحزب الشيوعي لقوي الحرية والتغيير ليخدم خط التغيير من الداخل. عمل خطوات تنظيم للجان المقاومة، والخروج بها من ضيق المعارضة والاعتراض الي رحاب البناء والتعميير، عبر المشارك السياسية من موقع سياسي وحقوقي مدني، كما نصحها كثير من المفكرين الكبار. اي ليس هنالك وجه للحكمة والعدل في شئ، مطالبة الحركة الشعبية بالمستحيل، من جانب قوي فشلت في لملمة اطرافها، والاجتماع علي صعيد واحد يخدم هدفها الاسمي.
5/ ليس المقصود من ذلك، احراج الحركة الشعبية او تحميلها فوق طاقتها، او مصادرة ثمرات كفاحها وتضحياتها، وهي تواجه خصم (طرف) يملك كل مقومات التمسك بامتيازاته، والتلاعب والتحايل من مصدر قوة، ويساعده علي ذلك اصحاب مصالح لا حصر لهم، داخليا وخارجيا، اضافة لامتلاكه قدرات عالية (دينية ومالية واعلامية ودبلوماسية وامنية) علي تشويه وحصار الطرف الآخر. ولكن المقصود ان واحدة من اسباب تعقيدات المشكلة السودانية، هي التفنن في اهدار الفرص، والحرص علي المصالح الضيقة، وعدم وضوح او التشويش علي مكونات ومعرفة المصلحة العامة، لانتماءها لفضاء حداثي غائب سلفا. وبما ان الكرة اصبحت في ملعب الحركة الشعبية شمال، بعد ان فقدت كل القوي المتطلعة للتغيير امكانات المبادرة، بعد ان استهلكتها تعقيدات وتشابكات القضايا المتراكمة، وما تعرضت له من ضربات منذ قيام الثورة. وتاليا هي احوج ما تحتاج لجهة تملك امكانية الالتفاف حولها، لتعيد تنظيم صفوفها، وتواجه مصيرها بقدرات اكبر وطموحات اعلي.
واخيرا
من يصدق ثورة بهذه العظمة، يرثها المجرمون والافاكون والانتهازيون. ودمتم في رعاية الله.