قراءة في اورق كولينالي خبيث .. سلاطين باشا نموذجا .. بقلم: د. البشير احمد محي الدين


 

 

لم يكن من العسير علي الاسير السابق كارل رودلف سلاطين ان يقف علي ثقافة شعب السودان فقد قدم اليه مغامرا طالبا للسلطة في العام ١٨٦٩ وهو صغير السن علي امل ان يعينه غردون في وظيفة وقبل ان يتم له ما اراد استلم خطابا من اسرته فعاد الي اوروبا وبعد ثلاث سنوات استلم خطاب تعينه في وظيفة فعاد للخرطوم وعين معاونا ماليا وسافر للمسلمين ليقدر ضرائب الاهالي ولكنه مكث وقتا قصيرا ودفع باستقالته التي بررها بأن موظفي وجنود الخديويه فاسدون وان تقديرات الضرائب لا تتوافق مع الاهالي ..
وبعد فترة عين مديرا علي دارفور وشد الرحال اليها الي ان استسلم في اعقاب نشوب حوادث المهديه ليصبح اسيرها وشاهد وقائعها وصادق امراء المهديه واصبح نديم الخليفة عبد الله الي ان هرب فكان يقول بملء فمه ( انا المصيبة المعلقة بالسبيبه ان ان انقطعت السبيبة وقعت المصيبة) وكان ادعائه في محله وهرب لمصر..

ماذا كان يفعل النمساوي
خلال فترة وجوده كان قد درس المجتمع ومحركاته ادرك دور الادارة الاهلية ومحركات الصراعات واهمية الدين والسلطة عرف كيف يمكن ان تدير شأن السودان فهم قواعد اللعبه الاجتماعيه ودرس دور الرق والتجارة وتحوين الاسرة وفهم سبل كسب العيش ودرس الشخصيه السودانية استمع الي قصصها واحاديثها وهمومها ودوافع نشوب المهديه ومدي ايمان اهل السودان بها قسم المجتمع الي متعصبين وغير مبالين اناس محركهم الدين واناس محركهم المصلحة وكيف ان الولاء يصنع وماهي الادوات التي يمكن انتاجها لحكم السودان مستقبلا وكيف يهدئ روع من يكره الاجنبي..
ادرك ان السودان لا يدار بالحديد والنار فقط لان تاريخه كله حكم فيدراليا وان الفونج والفور وتقلي تركوا المشيخات والحواكير للزعامات المحليه وارغموا قيادات الحواكير والمشيخات بالولاء فنعموا بالحكم..
ادرك ان القهر ضروري وحيوي لكن اقهر القوم وابسط لهم طوق حرية في ادارة شئونهم ..

السيف والنار
هذا المؤلف ليس حكي وسرد لقصته او توضيح لسيرته بقدر ما ان السرديات الي دونها حملت اشارت في اساليب الحكم والبقاء ودراسة انثرولوبجية واقتصاديه وسياسية .. فقد تناول علاقات الزعامات بالسلطة المركزية ودور القبيله في التكوين السياسي كوحدة قوية تطرق لعلاقات الرق والانتاج وقسم المجتمع الي ملاك وشغيله وعلاقة السيد بالعبد في الانتاج ووصفه بالرق الابوي ..
درس اهميه التجارة والموارد وكيفية الافادة منها وكيفيه تحويل المقاتل الي منتج ووضع استراتيجية شركة السودان لا المستعمرة .. من بنات فكره كانت صيغة الحكم الثنائي والحكم غير المباشر واخراج مصر وبناء الطبقة ( الافندية) وتدجين الصوفية وبناء الطوائف واستخدام العنف بحذر تجاة السوداني (استراتيجية قهره لا كسره)

من هو سلاطين
هو يهودي ومسيحي ومسلم واخرا يهودي ماسوني استاذ وماكر ومخادع ودراس لعلم الاجتماع ثقف نفسه واستفاد من تجاربه المرة في السودان ليضع نظريات اعادة احتلال السودان بوضع قانوني شاذ في النظام الدولي فالسودان مستعمرة تتبع للخارجية لا للمستعمرات يدار باقل عدد من الانجليز مع تأكيد سلطتهم علي زعماء المجتمع الضغط علي الكبار لتدجين الصغار وأد اي تحرك في مهده مع منح وعطايا للكبار من الزعماء..

سلاطين والرق
علي الرغم من سياسة الانجليز الواضحة تجاة الرق وتحريره الا ان نصائح سلاطين بالتحرير المتدرج فالرق في السودان في نظره واحد من ادوات العجله الاقتصاديه يسكنون وياكلون مع اسيادهم ان حرروا فورا ستواجه الحكومة معضله الرق المحرر في اعاشته وسكنه بل وتمرده لكن ان حرر تدرجا واصبح الرق عمال بأجر معلوم ومن يطلب حريته يعطي لها فورا سيكون انفع للحكومة التي كونت شرطه مكافحة الرق واطلقت عليها قوات باندا وحررت جزء منهم واصابت الحكومة متاعب النهب وشح الانتاج في الزراعة فوقعت مجاعة ١٩٠١ الشهير وامسكت السماء وعاني السودانيون كانت افكار مفتش عام حكومة السودان هبدي الحل الامثل في منح تذاكر الحرية المتدرجة..

سلاطين وكرري
بعد كرري كان سلاطين قد وضع كرسيا في ميدان الربيع ومعه فرقة اعدام جاهزه يتعرف علي اسري المهديه ويصدر احكامه اعدام اطلاق سراح سجن واعدم بأمره عدد كبير من امراء المهديه وحول الباقي الي سجن رشيد بمصر وبذلك صفي كل من كان يدرك خطره ودجن كل من يمكن ان يعاونه ..
بل انه اختار عدد من الزعماء ليصبحوا نظار وعمد وشيوخ قبائل بمعرفته ونجح في هذا الامر لانه اعتق عدد منهم من فرق الاعدام

اوراق سلاطين
ما يدركه الكثيرون ان سلاطين دون اوراق كثيره اصبحت هي الهادي الي حكم السودان المستعمرة الجديدة وهو من اشرف علي تدجين الانصار وتحويل الفكر القتالي الي شغيله ودعم سياسة التحول المتدرج ومنح طائفتي الختمية والانصار التي تكونت بصورة متدرجة وقوي عود الادارات الاهليه والشيوخ والمتصوفة ليجعل الناس تنكب علي دينها الاسلامي بنهج جديد بعيدا عن الفكر المقاتل وبذلك يضمن ولاء القيادات ويجعلها لاحقا بعد ذهابه تقدم سفر الولاء وتصف ثوار ١٩٢٤ بثورة اولاد الشوارع والملقطين

بناء النخبه
وهي ثمرة ارشادته بفتح التعليم لابناء الذوات وصناعة ( الانجليز السود) الافنديه المنفصمين عن مجمتعهم اصحاب الشهادات الحالمين بنقلنا للحياة الغربية مع بناء عوامل الفشل في دواخلهم وحملهم الي استنكار كثير من القيم السودانية ومنحهم سلطات صغيرة واموال وخلق عوالم تخصهم

سلاطين والانتاج
في فكره ان الانتاج المنظم اعادة تخطيط الاراضي وقيام المشروعات ستزيد من فرص الحكومة والتحول للانتاج سيطمس كل فكر مقاوم فمنحت الاراضي لخلق طائفة الراسماليه الوطنية ومنح الاعيان المشاريع وسمح لهم باستغلال العوام بفكر ديني او راسمالي او بايطريقة المهم الانغماس في الانتاج مع هيمنه الحكومه علي الانتاج… وان افادتسياسته السودانيون فظهرت لاحقا مشاريع وفئات راسماليه من همها الاستقرار الامني والسياسي لمزيد من الانتاج

والنخب السودانية التي كتبت في تاريخنا تعاملت مع سلاطين كأسير سابق ومفتش عام حكومة السودان الاستعمارية ولم تجد شخصيته واعماله التفيك الازم والضروي لفهم السياسات الكولينالية التي ساهم في رسمها ومن توابعها نشوء التمرد وحمل السلاح في دولة ما بعد الاستقلال وادوار الادارات الاهليه في حكم السودان الذي كان كان عدد الموظفين الانجليز فيه اقل عددا في اي مستعمرة بريطانية في ذلك الوقت…
ما لا يقال في تاريخنا ان الحكم الخديوي المصري والحكم البريطاني المباشر اسهم فيه سودانيون بل ان اغلب عبء المعارك شارك فيها سودانيون فانظر لتاريخ حسب الله هجام زعيم المساليت بعد سقوط سلطنه دارفور فقد حارب بقواته واخضع القبائل للحكم الخديوي المصري في العام ١٨٧٥ ( انظ غرائب الزمان في فتح السودان) وانظر الي كرري فهي معركة سودانية سودانيه قاتلت فيه عشر كتائب سودانيه من اصل ١٩ كتيبة وانظر لقوات العرب الاصدقاء .. ستدرك ايها القارئ كيف ان الاستعمار نجح في توظيف النخب السودانية وهذا ما اكد عليه المعلون سلاطين او شواطين باشا ادركه بالتجربه نفذه علي ارض الواقع عندما اصبح مفتش عام حكومة السودان الاستعمارية

Boshker100@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً