tajmultimedia@gmail.com
ولدنا و نشأنا في السودان، عرفنا التعدد في كل شىء، الذوق، الروائح، الألوان، الأشكال، الهيئات، السحنات، الألسن، اللهجات، الإيقاعات، وجهات النظر، فرق الرياضة و فرق السياسة، كل الأشياء عندنا متنوعة و متعددة، إلا المناخ، فهو حار فقط. من بداية العام وحتى نهايته، حار حار حار، عدا رعشة يجيء بها تيار نفاث في أواخر ديسمبر، تتيح لك ارتداء (السويتر) الذى حفظته في الدولاب، حتى نسيت لونه. و تنويعات الصيف الممتد في بلادنا، تقتصر على موجتين قصيرتين، ( كتاحة) و ( امطار)، هي في حقيقتها سيول، سمعنا بالربيع في الأغاني، و الثلج شاهدناه على شاشة السينما، أما البَرَد الذي يسقط مع الأمطار، في بعض الأحايين، مثل قشر السمك، فإن بقاءه لا يتعدى جزءاً من الثانية، تراكضنا وراءه و نحن صغار، فانتهينا بمضغ قطع الزجاج، ظناً منا بأنها ثلج.
و حرارة السودان تجعل من الثلج نوعا من الحلوى، فمن الطبيعي ان تجد طفلاً او بالغاً ، يمص في قطعة ثلج بلذة، لا تعادلها لذة، و ليس أدل على ذلك، من قصة الرجل الذي شحن لوح تلج، إلى (منصور كتي) من الخرطوم، ليشرك أهله هناك، في هذه المتعة العظيمة، ولك أن تتصور الرجل، و هو يصعد الى سطح اللوري الساخن، فلا يجد اثراً للنشارة حتى. وقد تفلسف بعضنا في موقف الدفاع عن لالوب بلدنا، فقالوا تأففاً وعناداً، في وصف حر الخليج، حر السودان أحسن، (ميزتو) انو ما فيه رطوبة !! فتذكرت شهادة صديقي عماد العطبراوي ( عطبرة بتسخن لمن الزول يحس ببرد).
و للحرارة في السودان شواهق تعتليها في لحظات جنونها، وتجليات تجاريبها، أتاحت لنا الفرصة في غضون بأسها، لقاء رجل ذو هيئة (فرانكشتاينية)، يحمل فراراً، فأسميناه طبيعيا ب ( ابو فرار)، كان كلما التقيناه، صاح بنا ( اقوم اديكم طقة هسة). و قد قدر له النجاح في ( طق) من أراد فأرداه، و اكتفي بإعاقة من بقي على قيد الحياة، فتركه عائلا. لم يقيض حسن الطالع لأحد من شعوب العالم الأخرى رؤيته، مثلما رأينا رعبه الهازىء، فاكتفوا بتسميته ( السحائي).
و حر السودان ( عينة)، بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ، سواء في قاموس الفصحي، وكل قواميس الدارجة، يجف في حضرته الزرع والضرع، وشعر الرأس وخلايا الجلد، يحدث نوعا من (الزهللة)، التي تجعل من مجرد وجود جريدة في يدك، مشروع (مكيف هواء)، يبدأ في التبريد الفوري الأوتوماتيكي، في اللحظة التي تضع الجريدة فوق رأسك، و قد يحسدك منتسبي الطرقات والهاجرة على الهناء الذي انت فيه.
وقد تبينت لي بشاعة تأثير الحرارة في السودان، على المخلوقات، أحياء وجمادات، حين قدر لى السفر خارج البلاد لأول مرة، و قبل ذلك لقاء العائدين من الخارج، مكتسيين هيئة جديدة، أسماها الناس في بلادي ب (النورة)، وهي لمعة جذابة، بائنة بينونة كبرى، في وجوه العائدين من الخارج، فبعد ثلاثة اشهر، من إقامتي خارج البلاد، تبين لي أن شعر رأسي أسود في الحقيقة، و ليس بنيا محروقاً، كما يظن الناس، وبعد ستة اشهر، علمت علم اليقين، أن لون بشرتي أصفر، وأن تلك الغبشة التي احتوتني، وطوتني في أحشائها زمنا، ليست سوى، خط دفاع وطواطي مستميت، بناه جسدي، لحمايتي من الإشعاعات الكونية، وبعد سنة، يزيد أو ينقص قليلاً، غازلتني فتاة بقولها، ما أجمل وجنتيك عندما تضحك، وعندما نظرت وجهي في المرآة، وجدتني مثل منحوتة السيد ( جيبيتو) ، أتحول من أراجوزه ( بينوكيو)، إلي ذلك الفتى الوسيم، واكتشفت أن تلك ( الجلافيط)، التي كانت مثل قوسين بارزين حول فمي، لم تكن سوى مشروع وجنات، ذبلت فاعليتها بفضل شمس السودان القاسية، فسارعت إلى زواج الفتاة، قبل أن يذوب الجليد ، و تكتمل استدارة القمر، فتعوي المرافعين.
تحول شعر رأسي إلى سبيبي، و تحسن سمعي، واتسعت حدود صبري، حتى وصلت إلى نهاية أغنية كاملة لأم كلثوم، ولم تعد أغنياتها، نواح منتصف نهار الجمعة القائظ في الخرطوم، وتطور الذوق في لساني، فعرفت أن ملعقة سكر واحد في الشاى، كافية لا خمس، ولم أعد أشتم رائحة البمبان، واللساتك المحروقة، و(الكوش)، وتعرفت على عالم فسيح بهيج، من النكهات، وتعرفت على سويعات جديدة في النهار، استمتعت برفقتهن، وقضيت في صحبتهن شئوناً، تعذر قضاءها من قبل بفعل ( الدي هايدريشن) المقيت، ونومته القيلولية، التي تشبه الإغماءة.
ثم إنني تعرفت على الربيع، فلم أجد أى علاقة بينه وبين ميدان الربيع، تداعب الكرة بقدمك فيه، فتتساقط الأزاهير ، وتفوح روائح البنفسج، عدا ميدان الربيع، تداعب الكرة فيه، فتخرج قدمك، وقد تعلق على اصابع قدمك ( كانون ) قديم، أو ( كبك) وفي أفضل الأحوال، فك حمار.
وحدثني صديق عزيز، عن رحلته الأخيرة، إلى بلاد النهرين، فقال بأن حكة استشرت في جسده، وهو واقف، مع مجموعة من أقاربه، في انتظار المواصلات، و حينما اشتد عليه أمر الهرش، صاح مستفسراً، (يا جماعة الناموس شنو البقرص بالنهار ده)، فما كان من الشباب، إلا انفجروا ضاحكين ساخرين، قائلين
( ناموس شنو يا زول انت ما شادي حيلك.. دي شمس الله دي)
وقد بلغنا أيضاً، خبر الكلاب البوليسية صعبة المراس، و التي استجلبت من المانيا، لتساعد في بسط الأمن و الطمأنينة، فنفقت وهي لم تكمل مسيرتها، من الطائرة حتى تصل الى التيرمينال، سقطت فطائس صرعي لنفث السموم، في مطار الخرطوم، مثلما قضى عثمان في الصحراء الغربية، ( لا مسلم طمأنه أو قال له في غرغرة الموت تشهد)، ما لحقت أن تبعث الرعب في أوصال الخارجين على القانون، ولو (بهوهو) واحدة!
ثم أننا سعدنا في تجوالنا، ببلاد الله الرطبة، و تعمدنا إغاظة أهلنا وأصدقائنا، في البلاد، حين نهاتفهم، يبادرونك بالسؤال التاريخي ( بالله الساعة عندكم كم هناك؟؟)، ونثني نحن ( الجو كيف عندكم)، وكأننا لا نعلم شيئا، عن قيظ السنين الذي لا يلين، ( والله جنس حر اليومين دي)، وكأنه كان غائباً قبل اليومين دي، أو أنه سينقشع بعدهما بفعل السحر.
نعمنا بالربيع، أعقبه الخريف، ثم أتانا الشتاء…و ما ادراك ما الشتاء….
هو ما قاله صديق اسايلي..(.تشيل سريرك و (غتاك)، و تمشي تنوم في ديب فريزر)، ( شي مو شى)، حسب وصف حاجة دار السلام للأمر الجلل. هبط هذا الشيء، دون إنذار، و هو غير ( السقط)، الذي هو مثل ( جومو كينياتا) الذي نعرفه، هبطت ندف الثلج من السماء، وعوت الأرض بريح صرصر باردة، تجمدت الأرصفة والطرقات، وسمعنا بالثلج الأسود، الذي لا تراه، مشيت فوقه و أخي أبراهيم، وحينما إلتفت ثانية، والدخان يخرج من فمي أحادثه، وجدتني أحادث حذائه، ثم ( واى)، ثم صوت ارتطام رأسه بالأرض، معلقة قدميه في السماء، مثل خرفان الضحية. و ارأيت صديقنا (عزو) ، يقود سيارته التي تعطل فيها نظام التدفئة، أو أنه اشتراها دون تحسب، لعدم العلم، أو لرخص سعرها، رأيته متلفعا ببطانيتين، ماركة النمر الأصلية، يغذ السعي نحو محل البيتزا، حتى إذا أدرك مبتغاه، انتزعه العاملين من داخل العربة، و يده منكمشة على عجلة القيادة لا يقدر على فكها.
إشتدت قبضة الجنرال ثلج، فصاحت جارتنا الأمريكية من جزع، ( ويحكم أيها الأفارقة المأفونون، ما لكم لا تعلمون كيف تلبسون؟، فتسارعنا تحت قيادتها الرشيدة، إلى شراء ( اللونق جونز) والقفازات، وجوارب الصوف، أقسم عزو من يأس، أنه دفع مائة و خمسين دولارا، لمجابهة احتياجات الشتاء من الملابس، غاضبا ، حانقا، ناقما، فكيف يجوز للبني كجة دفع هذا الثمن الباهظ، و قد تعودوا على ( تي شيرت) الدولارين، ومجاني في معظم الأحيان، تمنحه الشركات والمنظمات الطوعية، و المارونية و المورمونية والهندوسية والمثلية والكيبوتزية، وفي مناسبات (الفاميلي ريونيون)، حتى وإن لم تكن تنتسب إلى تلك العائلة، بأى نسب، لا نهتم كثيراً با( اللوقو) المرسوم على صدر القميص، و لا ألوان قوس قزح، والتي تعني سياسياً واجتماعياً، (بُقجة) من الإحتمالات، فشعار ( شل) الكبير على ظهر الجاكيت، (وكذا حيوان أجيب)، لم يردعانا عن ارتداءها، والقشرة بها في المناسبات الأجتماعية. و قد كان أن اشترى صديق لنا ، دستة من التي شيرتات، عليها علامة ( الرينبو)، من النوع الجيد، بسعر زهيد، وفي اليوم التالي و هو يتجول في ردهات الشركة، التي يعمل بها، فارداً صدره، لحقت به إحدى العاملات، وهي نادراً ما تحدثت اليه، أخذته بين ذراعيها، وبكت من انفعال و فرح، تهدج صوتها منسرباً، من بين دموعها
( ميهاميد….أنني سعيدة بإعلانك عن نفسك بهذه الشجاعة)
وحينما سأل ميهاميد، عن أي إعلان، وأي شجاعة، أجابه بعض المغرضين من زملاءه، مطأطئي الرؤوس، حيث أعلموه بأن فلانة مثلية، و أن علامة الرينبو،ىهي شعار المثليين، وقد توسمت فيك الخير! فأخذ ميهاميد بقية القمصان، و تبرع بها مشكورا الى جمعية لرعاية لاجئي ( رواند)، و مضى يبحث عن السبابي الإيراني الذي باعها له.
سقط الشتاء علينا سقطة، تحول التلفزيون بكل قنواته، إلى بوم ينعق يبشر بالثبور، وعظائم الأمور ..الهايبوثرميا..الفروست بايت، وكثير من الأشياء التي لا نقدر على تمييز أعراضها، وعلمنا في سنوات قدمت، أننا قد أُصبنا بكل هذه الأشياء، في وقت ما، ولكننا لم نكن نعرف اسماءها، حسبناها الملاريا، حمنا بها مثلما حمنا بالحمى في السودان
( بالله هي دي اسما النمونيا، طقتني تلاتة مرات قبل كدة و ما عملت لى حاجة القرض ، عليك بالقرض).
و ما أن يشتد أوار التحذيرات التلفزيزنية، حتى يتملك حب الحياة الأمريكيين، فتصيبهم حالة من الهلع، يختفي الطعام، واللبن وقنائن المياه، والبطاريات والكواريق، يلجأون إلى منازلهم، فلا يعمر الطرقات غير ( البني كجة)، من كل أقطار الدنيا، يتناطحون بالسيارات، عن غير دراية بالقيادة في الجليد، يحطمون المخاريق والركب، في دروب ( المعايش الجبارة)، وعندما يفيقون، تصفعهم فواتير الغاز، وفواتير السمكرة، و فواتير المستشفيات، ويتحسرون على على بلاد، لا تحتاج إلى غاز او مازوت، للعيش فيها، ولكن صفحة رياضية واحدة من جريدة، تعمل عمل المكيف ، وتزيد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم