الطريق الى بُرام .. بقلم: ناصر السيد النور

ارتبطت الطرق والتنمية والمياه وغيرها من خدمات يستحقها المواطن في المفهوم التنموي لدينا بمطالب الاحتجاجات التنموية ودعاواها السياسية أكثر من أولويتها التنموية وخاصة في مناطق ما يسمى بالهامش الجغرافي والسياسي والثقافي، وأصبحت مطلباً لا سلمياً أدى ويؤدي إلى احتجاجات عالية الوتيرة تبدأ بالتمرد وتنتهي بالمطالبة الانفصال (حق تقرير المصير) كما شهدنا في نتائج المفاوضات التي تختتم بها قائمة المطالب في الآونة الأخيرة. وعلى قدر ما نفذَّ من طرق تربط بين المدن أو تحديداً بين المدينة والمركز العاصمة، ظلَّت مناطق بعينها على طول البلاد على طبيعتها الفطرية منذ أن وجدت كمناطق يسكنها بنو الإنسان.
برام تلك المدينة الواقعة في أقصى الجنوب الغربي لإقليم جنوب دارفور في منطقة السافانا بتعريفها الجغرافي والمناخي وتحادد دولة جنوب السودان جنوباً ودولة افريقيا الوسطى غربا، وتعد تاريخياً من بين أقدم المراكز الحضرية من بين كثير من المدن التي سبقتها في التنمية والعمران وتكاد اليوم نسياً منسيا على خارطة الوطن. وعلى الرغم من ارتباطها بقبيلة الهبانية العربية وحاضرتها إلا أنها كانت بوتقة انصهار من كل اصقاع السودان ولعل في أطعمتها الشهية ومطاعمها الشعبية وما اشتهرت به نساؤها من مهارة الطبخ ما يعكس هذا التنوع والتلاقح الثقافي الخصيب مما حدا بأن يطلق عليها أهلها في مأثور وصفهم (الْكَلَّكَةْ المّا لِيهَاْ مَلَكَة) في إشارة نابهة إلى سماحة التعايش السلمي بين ساكنيها بتعدد سحناتهم وجذورهم وكل من سكنها فهو منها وإليها يعود. والأمر الثاني كان لديها ميزة حضرية تمثلت في التعليم على تأخره على نطاق الإقليم – قديما- حيث المدارس على مستوى التعليم في المراحل الأولية حينما توافد إليها الطلاب من كل انحاء الإقليم لوجود هذه المدارس بها في ذلك الوقت المبك. وإن كثيراً من الشخصيات البارزة على المستوى الوطني وعدداً كبيراً من المتعلمين والمعلمين هم خريجوا هذه المدارس. إلا أن هذه الحاضرة تفصلها الظروف المناخية كجزيرة معزولة لوقت طويل خاصة في موسم الخريف حين تتصلب شرايين الحياة فيها بانسداد الطرق وصعوبة التواصل بينها والمدن من حولها وتحديدا مدينة نيالا الى الشمال. وظل أهلها يراودهم حلم يكاد يكون تحقيقه مستحيلاً لعقود وهو وجو طريق مسفلت أو ترابي وكباري تسمح بالسير من فوق اوديتها الهادرة يربطها مع المدن الأخرى إلى الشمال نيالا أو شرقاً الضعين لتتصل بمنفذ يربطها بطريق قومي إذا كان ربطاً برياً أو عن طريق السكة الحديد.
ولكن تأخر هذا الحلم كل هذه السنوات لتشييد طريق قصير لا تزيد مسافته بضع عشرات من الكيلومترات. قبل البحث عن الإجابة عن هذا أساب التأخير لابد من الإشارة الى أن هذه المنطقة تشكل مصدراً لثروة حيوانية وزراعية هائلة وموارد طبيعية تجعل من تشيد الطريق أو شبكة من الطرق مطلباً له أهميته في التنمية الاقتصادية الحيوية قبل المطالبة الجهوية. هذا بالإضافة الى ربطه بين قرى وبلدات كثيفة السكان والإنتاج الحيواني والزراعي والبيئي على امتداد الرقعة التي تغطيها رقعة (محافظة برام) وضواحيها. واخيراً دخول التعدين العشوائي للذهب بشكل كثيف دون مردود اقتصادي يذكر على المنطقة سوى تدمير وتجريف بيئي لاهم المحميات الطبيعية (محمية الردوم) في البلاد. فتأخر تشييد طريق نيالا برام أمر يصعب فهمه في ظل وجود مبررات اقتصادية وجدوى تنموية وأهمية استراتيجية لمنطقة حدودية ووجود أجهزة أو وحدات إدارية مهما صغر حجمها وإدارة أهلية ذات سطوة وتاريخ طويل منذ التركية السابقة ومروراً بكل الحكومات منذ أيام الاستعمار و ما بعده الاستقلال التي كان لأهل برام ممثلين في برلماناتها المختلفة وعادة ما تشهد المنطقة كل صراعات الأجنحة السياسية وتنشط فيها الحملات الانتخابية بحدة لا تشبهها منطقة أخرى والتي من المؤكد أن يكون طريق برام- نيالا من ضمن برامج وشعارات الناخبين ووعودهم غير المنفذة. وكان من نتائج هذه العزلة بسبب الطريق أن المدينة شهدت هجرة قلصت من حجمها السكاني المحدود، وكانت المنطقة الوحيدة في الحزام الجنوبي لمناطق البقارة أكثر تأثراً بحروب دارفور وعاني أهلها من النزوح القسري بل واقتحمها الحركات المسلحة والمجموعات الوافدة إلى الحد الذي فقدت معه قياداتها القبلية في معارك دامية، وطرد سكانها من اريافها وحصرهم حول أطراف المدينة في معسكرات بائسة دون أن يتلقوا دعماً من أي جهة محلية أو دولية أو يسمع بهم أحد.
وبما أن الطرق من مشروعات البنية التحتية عالية الكلفة يعهد تنفيذها إلى جهات فنية مختصة كالهيئة القومية للطرق والجسور، إلا أنها في سودان قسمة الثروة والسلطة تخضع لعوامل متداخلة من بينها الحشد المطلبي الشعبي والقرار السياسي والأمر التنفيذي على مستوى السلطة الاتحادية والإقليمية (الولائية). وكان النظام البائد قد طبق سياسية النظام الاتحادي بسلطات صورية بتقسميه لمناطق السودان جاعلاً منها ولايات داخل ولايات ومحافظات ووحدات إدارية متعددة أصبحت بموجبه برام (محافظة) تتبعها لها ما عرف بالمحليات، إلا أن هذا الترفيع الإداري لمنطقة مغلقة طوال العام لم يقدم سوى المزيد من التكالب على سلطات وموارد شحيحة زاد من معاناة أهلها.
وما تَّم تشييده من طرق قومية في ولايات دارفور كطريق ام درمان، الفاشر، الجنينة القومي أو داخل الولاية نيالا عد الفرسان أو طرق داخل المدن إلا أن طريق المسافة القصيرة بين نيالا وبرام ظل غائباً عن جدول أولويات التنمية في الطرق والنقل. ومع ذلك سمع الناس مؤخراً وليتهم لم يسمعوا باكتمال الدراسات والبدء في تنفيذ طريق (الحرير) بواسطة شركات بوسائل بدائية لم يتعد ما ردمته من تراب بعضة أمتار! ومن ثَّم كغيرها من المشروعات طفح الى السطح فساد الإجراءات التي صاحبت عقد تنفيذ الطريق (نيالا- قريضة- برام- الردوم) بدءً من العقد إلى التنفيذ الفني للطريق وتوقف العمل بالطريق، وانتهى مشروع الطريق إلى منازعات المحاكم بين الولاية والشركة أو الشركة المنفذة. ولأهل المنطقة مع ملفات الفساد المالي قصص يشيب لها الولدان، وأهل مكة أدرى بشعابها. وكأنما قدر لهم أن يأتيهم الفساد من داخل منطقتهم وخارجها.
وكغيرهم من مواطني مناطق البلاد المختلفة التي يسهم أبناؤها بما عرف بالجهد الشعبي في البناء والتعمير، يتداعى أبناء المنطقة المنتشرون من وقت لآخر للمساهمة في حل أكبر تحديات مشروعات المنطقة بدعم تنفيذ الطريق. وشملت هذه المساهمات تصورات وبرامج دعم تنفيذ الطريق وغيرها من أفكار منبثقة عن لجان ولجان لم تقف بعد على حجر من الطريق. علها تسهم في تشييد الطريق الحلم وإن طال السفر إلى برام التي تغنى ظرفاؤها في سبعينات القرن الماضي (برام يا أهلنا المسكونة جنة).
نشر بجريدة – الديمقراطي# الأحد 6/6/2021م.

anassira@msn.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً