الفيضانات المدمرة .. بين خيالات الشاعر الجاغريو وفوائد السد الإثيوبي .. بقلم: د. محمد عبد الحميد

تبنى السودان موقفاً إيجابياً من السد الإثيوبي لزعمه أن به فوائد كثيرة ومتعددة من أهمها وقف “الفيضانات المدمرة” وقد تردد ذلك في خطاب السيدة وزيرة الخارجية أمام مجلس الأمن الدولي يوم 2021/8/7م :(أن السد سيقلل من مساحة هذه الأراضي بنسبة 50% وهو ثمن نحن مستعدون لدفعه بسرور لإمكانية استفادة هؤلاء الناس من استقرار جريان النيل بجانب حمايتهم من الآثار المدمرة للفيضان). بغض النظر سرور السيدة الوزيرة بضياع 50% من مساحة أراضي جروف اهل السودان، وبغض النظر عن كيفية دفع ثمن ذلك الضياع. فذلك أمر سنأتي عليه في مقال آخر. إلا أن الملفت هو حديثها حول عما أسمته الحماية من الآثار المدمرة للفيضان. وهذا زعم يجعل المرء في حيرة من أمره وذلك باستسهال التغول على العلوم وفي محفل دولي، وهو ادعاء غير سليم بكل المقاييس العلمية… فعندما يسمع المرء مثلاً آثارا مدمرة للفيضان، فإن الذهن ينصرف لمنظر المياه وهي تجرف معها كل شيء في طريقها تماماً كالسيل العرم عندما يندفع جارف كل ما يواجهه.
ولتقريب الصورة يمكن المقارنة بين فيضان خور القاش والذي يُسمى Falsh flood وهو فيضان كاسح تقاس سرعة المياه فيه بالثانية. و فيضان نهر النيل والنيل الأزرق الذي يُسمى Riparian flood وهي فيضانات نهرية بطيئة تحدث عادة في مواقيت محددة، وفي السهول الفيضية plain floods وتغمر المياه زمن الفيضان هذه السهول فتتجدد فيها التربة لتصبح أكثر خصوبة وذات قدرة عالية على الإنتاج الزراعي بغمرها بكميات متجددة من الطمي. وبهذه الفيضانات يستبشر المزارعون الذين يعتمدون على الري الفيضي وهو بالضبط ما يحدث في النيل الأزرق على الجروف، وفي نهر النيل عموما.
إن وصف الفيضانات على ضفاف النيل “بالمدمرة” لا تنطبق على الحالة السودانية في النيل الأزرق و نهر النيل لسببين أساسيين:-
الأول: إن مستويات الفيضانات هنا يمكن التنبؤ بها من خلال رصدها وإرتفاع مناسيب النهر التي تقاس يوماً بيومٍ وساعة بساعة، وهي بهذه الصفة لا يمكن بل لا ينبغي أن تفاجئ أحداً حتى تحدث آثاراً مدمرة، اللهم إلا إذا كانت هنالك سيول عارمة قادمة للنهر من الأودية، أو المناطق الخلوية. وحتى هذه الأخيرة إن توافرت الدولة على نُظم جيدة للإنذار المبكر ، فسوف لن تتمكن من مباغتة أحد. وبالتالي يكون حجم ضررها في الحدود الدنيا.
السبب الثاني: وهو الأهم في الحالة السودانية وهو ارتفاع مستويات الهشاشة المطرد Increasing level of vulnerabiliies. وعندما يكون الحديث عن الهشاشة فإن علماء الحد من مخاطر الكوارث يركزون على مستويات مختلفة تبدأ من الإنسان وتنتهي به. بمعنى أن الهشاشة هي صنيعة الفعل البشري بإمتياز، وبالإمكان تقليلها وفق خطة محكمة ضمن استراتيجية كلية للحد من مخاطر الكوارث.. ذلك لأن الهشاشة عامل أساسي في معادلة حدوث الكارثة، ومحدد أساسي للمخاطر، حيث يمكن القول أنه كلما كانت مستويات الهشاشة عالية، كلما ارتفعت مستويات المخاطر ، لاسيما ان كانت المرونة متدنية كما هو الحال في السودان. ونسبةً لأن السودان تعتريه مستويات عالية من الهشاشة (الفقر + النمو الحضري غير المخطط) تبدو للوهلة الأولى أن الفيضانات مدمرة، غير ان الواقع يؤكد حجم الدمار إنما هو ناتج عن حالات التعدي على حرم النهر في سهوله الفيضية، حيث تقطن جماعات سكانية كثيرة مناطق الفيضان نسبة لغياب القانون الرادع الذي يمنع هذا التجاوز. ويظن البعض من القاطنين أنهم قد إمتلكوا أرضاً على النيل أو بالقرب منه ودون إتخاذ الإجراءات الحمائية mitigational measures المناسبة التي تشكل وقاية لهم. ومع الضعف الحكومي الرسمي، بل وغياب الدولة يجد الكثير من المتجاوزين أنفسهم مغمورين بالمياه، فاقدين موائلهم وممتلكاتهم، في حين ينسون أنهم هم الذين تعدوا على حرم النهر لتظهر الفيضانات النيلية العادية بمظهر المدمر.
فلإن جمح خيال الشاعر الجاغريو في وصف فيضان النيل في قصيدته (البحر السَطيت) التي تغنى بها المبدع الراحل الفنان خلف الله حمد والتي يشكو فيها بمرارة من فيضان النيل لدرجة وصفه فيها توصيفاً مبدعاً مستمد من القاموس السياسي بأن (حكمه ديكتاتوري) فذلك أمر مقبول في حدود الخيال الشعري المتجاوز لأقطار العقل ومرجعيات العلم، أما أن يتهافت السودان الرسمي وفي المحافل الدولية مؤكدا على أن للسد الإثيوبي فوائد يبتغون من خلاله ترويض هذا “الديكتاتور” النيلي بسدٍ يسدُ على أهل السودان أسباب الحياة، ليقيهم شرور فيضان يعيشون عليه ويستمدون منه حضارتهم ونوازع وجودهم، فذلك ما يرفضه العقل والعلم.

د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

 

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …

اترك تعليقاً