د. عصام الدين النور بلول
أخصائي جراحة المخ والأعصاب
الباحث المتفرغ بالمركز الفدرالي للمخ والأعصاب
سانتبيترسبورج/ روسيا الاتحادية
يقول الدكتور ماجد الكيلاني :”إن الفلسفة التاريخية تقوم على مبدأ هام .. و هو أن كل مجتمع يتكون من ثلاث مكونات : الافكار ، و الاشخاص ، و الاشياء .. وان المـجتمع يكون في أوج صحته وعافيته حينما يدور الاشخاص و الاشياء في فلك الافكار الصائبة … و لكن المرض يصيب المجتمع حين تدور الافكار و الاشياء في فلك الاشخاص، و ينتهي المجتمع الى حالة الوفاة حين تدور الافكار و الاشخاص في فلك الأشياء”[1].
متأثرا بهذه الكلمات إقتطعت وقتا غاليا ، من جدول هو مزحوم أيضا ، ولمدة تخطت الشهر ،أصل فيها الليل بالنهار، محاولاً أن أختبر إدعاءاً واحداً يملأ ذاكرتنا السمعية وهو : أننا أمة عظيمة وشعب عظيم. لأن صدق هذه العبارة سيعطينا الامل والدافع للعبور نحو التقدم والازدهار إذ تقول نظرية التاريخ بأن أحداث التاريخ تتكرر بانتظام، وأن الشعوب العظيمة تمرض ولا تموت لأنها تتعلم كيف تتكيف مع تحديات الحياة وتستجيب بطريقة إيجابية للتحديات التي تواجهها ، وهو ما ركز المؤرخ العظيم ارنولد توينبي[2]. وفي نفس الوقت إن تكذيبها بواسطة البحث التاريخي المحايد قد يساعدنا على الافاقة من الأوهام المجتمعية التي كثيرا ما تعطي شعورا زائفا وأمراضا وتشوهات سلوكية كبيرة. ونتيجة لفشل نموذج الدولة السياسي لدولتنا مؤخرا، فقد انتشرت حملات من جلد الذات شككت في كل شيء حتي امتدت الي ان اتهمنا طبيب نفسي معروف بحالة جماعية من مرض جنون العظمة وشككت صحفية في رجولتنا. فقررت أن اختبر الأدلة حول عظمتنا أو ضدها بالاعتماد على التاريخ، لان التاريخ هو الناتج النهائي لحضارة أي امة. فهل نحن فعلا موهومون بمرض العظمة فعلا؟ أم انه شعور طبيعي تسنده حقائق التاريخ الموثقة.
ولأنني تعلمت من دراسة الطب أن التشخيص السليم للمرض يعتمد بدرجة كبيرة على مهارة جمع تاريخ المرض بطريقة نشطة (active history taking) ولعل هذه المهارة هي التي ساعدت الكثيرين من زملائي الأطباء في الدخول لعالم التاريخ ومنهم أستاذي العالم النطاس موسي عبد الله حامد وإبنه محمد المصطفي الذي اتحفنا بكتابه الممتع “الاصداء العالمية للثورة المهدية”.
تتبعت تاريخنا من مرحلة ما قبل التاريخ الي قيام ثورة ديسمبر المجيدة، ولكن ساورد هنا تلخيصا مبسطا لما توصلت له يتكون من مقالين : المقال الأول يبدأ من قبل ميلاد دولة كوش الي نهاية الدولة التركية في 1885 م علي يد القائد الفذ محمد أحمد بن عبد الله وخليفته ود تورشين ، متضمنا تاريخ ممالك سنار ودارفور والمسبعات وتكوين الدولة الحالية للسودان بواسطة التفاعلات المذكورة والاستعمار التركي لبلادنا، والثاني يتناول الفترة من قيام الثورة المهدية الي تاريخ ثورة ديسمبر. وقد إتبعت منهجا تاريخيا تحليليا يعتمد على الوثائق المنشورة فقط، متجاهلا أي صيغ شفهية بلا مصدر. ولعل الهدف من هذا المجهود أيضا يصب في الهدف الأساسي وهو صياغة نموذج دولة المواطنة وهو المشروع السياسي الذي نعمل علي تطويره مع كوكبة من نساء ورجال وطنيين جادين لتقديمه للشعب السوداني عله يساعد في ما نسميه الانتقال.
مرحلة ما قبل التاريخ:
اشارت بعض المصادر المنشورة بأن المؤرخ اليوناني ” ديودورس “ذكر في كتابه الذي يرجع تاريخه الي القرن الأول قبل الميلاد ، أن السودانين أول الخلق علي وجه البسيطة ، وأنهم أول من عبد الألهة وقدم لها القرابين ، وأنهم من علّم المصريين الكتابة[3] وهذا يشير الي قدم امتنا ومقدرتها علي البقاء وتجاوزها للتحديات عبر تاريخها الطويل، وفق ما تؤكد نظرية التطور والانتخاب الطبيعي [4]، إذ تشير النظرية أن الشعوب الضعيفة ,والمهزومة إما أنها قد انقرضت بفعل الطبيعة أو أجبرها أجدادنا العظماء الي النزوح لمكان ما في الجحيم أو خارج إفريقيا[5, 6]
يشيرالمؤرخ يوفال هراري Yuval Harari أن اقدم انسان في هذا الكوكب قد عاش في شرق افريقيا بالتحديد في إثيوبيا أوالسودان[6] وهما كلمتان مترادفتان تاريخيا كما سنري لاحقا إذ استخدمت الكلمتين في المصادر التاريخية القديمة للدلالة على نفس المكان الذي يطابق السودان الحالي[7-9]. إذ وردت الكلمة (Aethiopia) وتعني ذوي الوجوه المحروقة او السمراء في المصادر اليونانية وقد كانت تطلق على منطقة السودان الحالي حول نهر النيل والتي تقع الي الجنوب من مصر[8, 10].وأطلق العرب لاحقا لفظ السودان مرتبطا أيضا باللون[10].
وأعتبرت الدراسات القائمة علي الحفريات أن إنسان سنجه Singa skull (مدينة في وسط السودان) يعد واحداً من أقدم السلالات البشرية التي تم اكتشافها في العالم [11]و الجمجمة المشار إاليها محفوظة بالمتحف البريطاني وقد تم إكتشافها صدفة في العام 1924، [12] ،
كما ان التاريخ أيضا ذكر مملكة كوش للدلالة علي السودان الحالي[13]. ومن المفارقات التاريخية العجيبة أن السودانيين قد فضلوا اسم السودان الذي وضعه المستعمر البريطاني للدلالة على السودان الحالي ولم نسمع بنقاش جاد أصلا بين قادة الدولة ومؤرخيها بطرح بديل وطني يعبر عن بلادنا ويتطابق مع تاريخها الذي ضاعت اغلب ملامحة الحقيقية بهذا السبب الذي لا نستبعد أنه تم بتدبير من دولتي الاستعمار ولما تمثله دولة كوش بتاريخها العظيم من وصمة تاريخية لدولة مصر كما سنري في تناولنا لتاريخ كوش.
كوش الرمز الوطني الشامخ:
إن الاهتمام بحضارة كوش يعتبرا عملا وطنيا وهاما لكل افريقي وذلك ومنذ بروز نظرية التطور وتاثيراتها علي العقلية العلمية الاوربية لفترة ما بعد النهضة الاوربية وتمهيدها للتفوق العرقي الي قامت عليه الفاشية لاحقا، ظلت أوربا تعتبر أن الحضارة المصرية القديمة هي حضارة أنشاها الانسان الأبيض الذي سكن مصر وأقام عليها حضارته وبالتالي تم رفض أي مشروعات تقول غير ذلك ورفضت مصادر التمويل لاي عمل يناقض هذا الاتجاه [14]، ولعل هذا الاتجاه المتحيز والمتعسف علميا ما قد يفسر حالة الاعتداءات المعادية بواسطة الميديا المصرية ومحاولاتها المستميته لتصوير الانسان النوبي (السوداني) باعتبارة شخصية هامشية ووضيعة في كل أعمال السينما المصرية. ولكن الدلائل التاريخية بدأت شيئا فشيئا تبرز أن حضارة كوش والحضارة المصرية حضارتين منفصلتين تبادلتا التأثير المتبادل وان الاتجاه هذا التاثير قد يعيد تعريف الأصول الاثنية لملوك مصر الي اصولهم الافريقية وهو ما استمرت الأدلة العلمية تؤكه يوما بعد يوم[14]
ذكرت موسوعة التاريخ العالمي (Wold History Encyclopaedia) أن المنطقة التي تطابق دولة السودان الحالية كانت تسمي بكوش (Kush)[9] وإعتمادا علي الدلائل والوسائل العلمية المتوفرة اليوم فإن ظروف بداية نشوء تلك الحضارة ومدي علاقتها بتاريخ نشأة الحضارة المصرية المعاصرة و أي اسبقية بينهما تظل مجهولة، ويكفي ما ذكره المؤرخ ديريك أ. ويلسبي (Derek A. Welsby) أن “دراسة مملكة كوش تشبه قصة بوليسية يجب فيها نسج عدد من الحقائق المتباينة والتي غالبًا ما تبدو متناقضة في سرد متماسك ومعقول للأحداث.[9]. وبالرغم من تباين الروايات التاريخية والفرضيات التي كثيرا ما تجافي الوقائع بين مؤرخي المصريات القديمة الذين هم إما مصريين أو غربيين غير منصفين لاسباب ما إما سياسية او “غير علمية” ، وغياب دور السوداني ووعيه المبكر بأهمية دراسة التاريخ ، ولأسباب اخري ليس هذا التوقيت المناسب لذكرها ، تظل مملكة كوش وتاريخها واحدا من أهم المواضيع التاريخية الوطنية التي نحسب ان فهمها سيساعد في حل كثير من الالغاز السياسية وفشل نموذج الدولة السودانية حتي وقتنا الحاضر.
كانت كوش مأهولة بالسكان حوالي العام 8000 قبل الميلاد بالرغم من أن المملكة ككيان سياسي قد تكونت بعد ذلك بكثير[9, 15]. حيث أمكن توثيق ثقافة كرمة وثيقة الصلة بالمملكة الكوشية و التي سميت بهذا الاسم نسبة إلى مدينة كرمة في المنطقة ذاتها منذ 2500 قبل الميلاد [8]. وبالعودة للتاريخ المتوفر حاليا و الأدلة الأثرية من السودان ومصر يمكن أن نشير إلى أن الكوشيين و المصريين كانوا على اتصال منذ فترة الأسر المبكرة في التاريخ المصري (حوالي 3150 – 2613 قبل الميلاد) فصاعدًا. وتشير بعض المصادر والمؤرخين بتأثر حضارة الكوشيين بالمصريين دون الجزم بإتجاه هذا التاثر[8, 14].
تأسست مملكة كوش حينما قام ملك كوشي معروف با سم ، ألارا، وبالرغم من أن الكثير من تاريخه يظل مجهولا بعض الشئ لكنه يمكن أن يصبح شخصية أسطورية لأهل السودان لحكمه الطويل والمزدهر إذا اكتملت صورته التاريخية ، ولكن حتي الان فقد تم التوصل والتحقق من وجوده من خلال النقوش القديمة ، وتم اكتشاف ما هو علي الأرجح أنه قبره”[8]. إزدهرت المملكة وعاصمتها نبتة (Napata) في الفترة من 1069 قبل الميلاد حتي 350 قبل الميلاد وهي الفترة التي يطلق عليها المصريين المرحلة الظلامية بالنسبة لتاريخهم . فأنتجت الذهب وابتكرت صهر الحديد والمعادن، كما كونت ثقافتها الدينية الخاصة الخاصة أيضا[14, 15].
بلغت مملكة كوش قوتها بظهور الملك الكوشي كاشتاKashta (حوالي 750 قبل الميلاد) وهو أول ملك كوشي أعتلي العرش المصري وبسط سلطته علي جميع أجزاء مصر القديمة والتي لا تختلف كثيرا حتي البحر الالبيض المتوسط وهو ما أيشار اليه في التاريخ المصري بالاسرة الخامسة والعشرين من تاريخ ملوك مصر[8, 13, 16]، ثم تمكن بعانخي من السيطرة على مصر السفلى حوالي 727 قبل الميلاد وأوصل دولته الي اورشليم (القدس) كما تظهر خرائط الدوله في عام 700قبل الميلاد [14] وتتابعت سيطرة الكوشيين علي مصر ، حيث تولي طهارقا ملك مصر في سنة 690 ق.م وهو آخر ملوك كوش الذين حكموا مصر. كانت أول سنين حكم طهارقة تتمتع بالسلام، وقد تمتع الحكام المحليون بقدر كبير من الحكم الذاتي. وبسبب تخوفه من الاشوريين دعم طهارقا تمردات محلية في المدن الفينيقية والتي كانت تسعى للاستقلال، إلا أنها أخمدت من قبل الملك الآشوري آسرحدون. وفي 674 ق.م. حاول آسرحدون غزو مصر تحت حكم تهراقا إلا أنه هُزم، فحاول مجددا بعد ثلاث سنوات، وتمكن من هَزم طهارقأ، أي في العام 670 وهو ما انهي حكم آخر ملوك كوش العظماء أي باوسطة الاشوريين بقيادة آشور بانيبال عام 666 قبل الميلاد[8].
الا ان الكوشيين لم يستسلموا للاشوريين حيث عاود الملك الكوشي أسبالتا 591 قبل الميلاد، استعادة مصر التي أصبحت تحت حكم الأسرة السادسة والعشرين إلا أنه لم ينجح ، وتبع ذلك تعرض مملكة كوش لغزو أطلقه الفرعونالمصري بسماتيك الثاني. مما أدى لنهب مدينة نبتة، مما دفع الملك أسبالتا لتغيير عاصمته إلي مدينة مروي الأكثر أمناً، والمتمتعة بموقع استراتيجي وموارد طبيعية كبيرة خاصة الحديد والذهب. وتم قطع الروابط الأخيرة بين كوش ومصر العليا بعد ذلك[16].
وفي مروي برز الملك أركاماني الأول (Arkamani أو Ergamenes) ( 295-275قبل الميلاد). وذكر المؤرخ Diodorus Siculus ، فقد تعلم اركماني الفلسفة اليونانية ورفض أن تسيطر عليه خرافات الكهنة. فقاد مجموعة من الرجال إلى الهيكل ، وقتل جميع الكهنة ، وأوقف سلطتهم على النظام الملكي. ثم وضع سياسات وممارسات جديدة عززت الثقافة الكوشية وقطعت العلاقة نهائيا بمصر. حيث تجاهل أركاماني الأول الكتابة الهيروغليفية لصالح خط آخر معروف باسم مروي لم يتم فك شفرته حتى الآن[16]. فتحولت أزياء شعب مروي خلال فترة حكمه بعيدًا عن المصريين إلى المرويين بشكل واضح ، واستبدلت آلهة المصريين بالآلهة الكوشية مثل أبادماك. كما تم التخلي عن تقليد دفن الملوك في نبتة ودفن الملوك من ذلك الحين فصاعدًا في مروي[15].
ومن الابتكارات الأخرى المثيرة للاهتمام في عهد أركاماني الأول هو تمكين ملوك من الإناث . حيث حكمت حكمت نساء عرفن باسم كانديس أو حديثا (الكنداكات بعد التعريب) كانداكي ، كنتاكي) بين 284 قبل الميلاد حتي 314 م. وتعد أمانيريناس (40-10 قبل الميلاد) ، أشهر امرأة في تاريخ السودان القديم إذ قادت شعبها بنجاح خلال الحرب المروية بين كوش وروما (27-22 قبل الميلاد) وتمكنت من التفاوض على شروط مواتية في معاهدة السلام مع قيصر أوغسطس Caesar Augustus ، مؤسس الامبراطورية الرومانية الذي استولي وقتها على مصر ولم تعترف به مروي [8]ومن الشروط أن أقرت الدولة الرومانية أتاوة تدفع لمملكة كوش مقابل عدم الاعتداء علي حدودها الجنوبية[3]
وفي مروي سادت العلاقات السودانية المصرية حالة من الهدوء ووسع السودان علاقاته بكل الحضارات آنذاك بمعزل من مصر. فكون علاقات مع الهند، روما ، واثينا ، والاشوريين والبابليين.[15] وشهدت علاقات السودان بالعالم الخارجي فترة طويلة من الاستقرار . انتقل السودان لاحقا بصورة سلمية الي إعتناق الدين المسيحي في القرن[13]. وفي فترة اضمحلال للكوشيين في مروي ظهرت مملكة إكسوم الحبشية كقوة صاعدة ما لبث أن انقضت علي مروي ودمرتها وهجرت أهلها الا ان هنالك أسبابا غامضة حول عدم استقرار الاكسوميين في مروي رغم نهايتها. إذ تقول بعص المصادر ان الكوشيين قد انسحبوا من مروي وتنظموا في تنظيمات قبلية كانت دائما تتاهب للثورة واسترجاع الحكم، ولكن هتالك نظرية اخري هي ان اكسوم لم تقصد من هجومها على كوش الا الوصول الي التجارة مع مصر وتأمين الطرق اذ كانت دولة ذات انتاج عظيم من المنتجات والعلاقات التجارية التي جعلتها تزدهر[9, 13]. وهنالك حلقة تاريخية مفقودة عن عودة الحكم الي مروي الذي أعاد تشكيل الممالك المسيحية الثلاث التي سنتتطرق لها لاحقا.
فترة الممالك ا االمسيحية في العصور الوسطى (350 – 1504).
بحلول القرن السادس ، ظهرت ثلاث دول على أنها الورثة السياسيون والثقافيون للمملكة المرَّوية القديمة: نوباتيا أو النوبة (Nobatia) في أقصي الشمال ، والمعروفة أيضًا باسم بلانة ، كانت عاصمتها فرس (الان داخل مصر) ؛ المقرة Mukarat، في دنقله العجوز على بعد حوالي 150 كيلومترًا جنوب دنقله الحديثة ؛ وعلوة Alawa، في قلب مروي القديمة في الجنوب ، وكانت عاصمتها سوبا (حاليا جنوب الخرطوم) . في جميع الممالك الثلاث ، حكمت الأرستقراطيات المحاربة السكان المرويين من المحاكم الملكية حيث حمل الموظفون ألقابًا يونانية تقليدًا للمحكمة البيزنطية. ترد الإشارات المبكرة لممالك السودان النوبية ووفق روايات المؤلفين اليونانيين والأقباط تحول ملوك النوبة إلى المسيحية في القرن السادس[15]. وفقًا للتقاليد ، وصل المبشر الذي أرسلته الإمبراطورة البيزنطية ثيودورا إلى نوباتيا وبدأ يكرز بالإنجيل في العام 540 فقد تحولت للمسيحية بالارتباط الكنائس بالكنيسة القبطية المسيحية في الإسكندرية، وان السلطة الدينية كانت عبارة عن موافقة الكنيسة في الإسكندرية ومباركتها للملوك والحكام. أعاد ظهور المسيحية فتح قنوات لحضارة البحر الأبيض المتوسط وجدد العلاقات الثقافية والأيديولوجية للسودانيين مع مصر.كما تطور استخدام اللغة اليونانية بشكل ملحوظ وتم إفساح المجال للغة النوبية ، التي تمت كتابتها باستخدام الأبجدية الأصلية التي جمعت بين عناصر من الأبجدية المرَّوية والقبطية القديمة. بعد القرن السابع الميلادي ، اكتسبت اللغة العربية أهمية في الممالك النوبية ، وخاصة كوسيلة للتجارة. حققت الممالك النوبية المسيحية ، التي استمرت لعدة قرون ، ذروة ازدهارها وقوتها العسكرية في القرنين التاسع والعاشرالميلادي . ومع ذلك ، فقد شكل المد العربي الاسلامي الذي تأسس في مصر عام 640 ، تهديدًا للممالك النوبية المسيحية. على الرغم من أن العرب سرعان ما تخلوا عن محاولات السيطرة على الممالك النوبية بالقوة ، ولكن هيمنة المسلمين على مصر عزلت كنائس السودان من العالم المسيحي خاصة البطريرك القبطي في الإسكندرية مما اثر لاحقا على الوجود المسيحي في السودان بشكل كبير حتي ظهرت مملكة سنار ذات الطابع الإسلامي لتحول البلاد نهائيا الي الدين الإسلامي[15].
السودان قبل التركية: ما قبل من 350 الي 1821 م
منذ ظهور القرن السادس عشر الميلادي ، بدأت تتشكل ملامح السودان الحالي. فقد ظهرت مملكة سنار بواسطة تحالف إثني بين قبائل الفونج المنتمية للنيل الأزرق وقبائل العبدلاب حول منطقة الحلفايا الحالية حيث استطاع هذا الحلف إقامة السلطنة الزرقاء او مملكة سنار في العام 1505 م بعد إسقاط سوبا وأتخذت سنار عاصمة لها. وتعتبر مملكة سنار هي الامتداد الطبيعي لممالك السودان القديمة في كل شيء الا أنها فقط تشكلت فيما بعد كدولة إسلامية. تميزت بالقوة والاستقرار والانفتاح علي العالم أجمع، إذ سرعان ما وطت حكمها على الوسط والشمال والشرق. ارتبطت بمصر خاصة بالازهرأذ بعثت الطلاب للتعليم كما ارتبطت بالحجاز واليمن عبر البحر الأحمر[3, 15].
في الجانب الغربي للسودان الحديث كانت هنالك مملكة عريقة وقوية هي مملكة دارفور، حكمت هذه المملكة لمدة 450 عاما غير منقطعة من 1445م حتى سنة 1875م.[17] ثم حكمها سلطانها الشهير على دينار في الفترة من 1898م حتى 1916م. تأسست مملكة دارفوربواسطة عشيرة “كيرا” والتي أصبحت “فورا” لاحقا بواسطة مؤسسها سليمان سولونج (1596-1637) إذ أصبح أول سلطان في دارفور[18].ومنذ تأسيسها قرر سليمان سولونج أن يكون الإسلام هو الديانة الرسمية للسلطنة[18]. ومع ذلك ، لم تحدث التحويلات الدينية على نطاق واسع إلا في عهد أحمد بكر(1682-1722) ، الذي استقطب المعلمين ، وبنى المساجد ، وأجبر رعاياه على أن يصبحوا مسلمين. في القرن الثامن عشر ، عزز العديد من السلاطين سيطرة الأسرة الحاكمة على دارفور ، وأنشأوا عاصمة في الفاشر ، وتنافسوا مع مملكة سنار للسيطرة على كردفان[15] . في 1870 م ، خضعت دارفور للحكم التركي -المصري . ولكنها ظلت مقاومة بشدة ، وفي عام 1881 تم تعيين رودولف كارل سلاتين حاكمًا عليها من قبل الحكومة التركية-المصرية[16]. عند قيام الثورة المهدية قاوم سلاطين كحاكم علي دارفور قوات المهدي، ولكنه أضطر في النهاية إلى الاستسلام له في ديسمبر 1883. بعد ذلك التاريخ تم دمج دارفور في سيطرة المهدي. وبعد الإطاحة بخليفة المهدي ، الخليفة عبد الله ، في عام 1898 م، اعترفت الحكومة (الأنجلو-مصرية) الجديدة في السودان بعلي دينار سلطانًا لدارفور (1899) م. أدى تمرد بقيادة علي دينار في عام 1915 إلى استفزاز الحكومة البريطانية المصرية، فشنت عليه حملة عقابية قتل فيها في نوفمبر 1916م [16]، بعد ذلك أصبحت دارفور إحدى مقاطعات السودان (وفيما بعد ثلاث مقاطعات).
أما كردفان فقد حكمتها في اغلب تاريخها مملكة المسبعات والتي تربطها مصادر تاريخية كثيرة بوحدة نسبه مع ملوك دارفور[16]. كانت تسكن مملكة المسبعات أو مملكة كردفان كما يطلق عليها أحياناً مجموعة من قبائل العرب الرحل بالسودان [17, 19]. ففي الشمال أقامت فيها قبائل الكبابيش وبني جرار ودار حامد والمعاليا والمجانين وكانوا يمارسون تربية الإبل ، بينما استوطنت في الوسط قبائل الغديات والبديرية والجوامعة والشويحات والتُّمام والجِمع وقد استقر في الجزء الجنوبي منها قبائل الأحامدة والحوازمة و الكواهلة وغيرهم من العرب الرُحًل الذين كانوا يمارسون تربية الأبقار إلى جانب قبائل النوبا في اقصي جنوب المنطقة. وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي توافدت إلى المنطقة موجات متعاقبة من المجموعات العربية المهاجرة قادمة من الشمال الشرقي لبلاد السودان واستقرت في السهول بينما استقرت قبائل النوبا في الجبال [16]. ومنذ بداية الحملة على السودان تحرك محمد بك الدفتردار نحو كردفان فاستولي عليها بعد مقاومة شرسة مع المقدوم مسلم في بارا في إبريل 1821م، وبذلك أنتهى حكم المسبعات وأندمجت هي الأخرى في الدولة السودانية الحالية.
خلاصة :
بعد التقصي لهذا التاريخ يمكن ان نؤكد ان تاريخ السودان القديم بهذه العظمة هو تاريخ مشرق ومشرف. هذا السرد يؤكد على حقيقة واحدة أن السودان قد حكم مصر كلها بل تخطاها الي أجزاء من بلاد الشام في الفترة من كاشتا وبعانخي وتهراقا هؤلاء الملوك العظام هم سودانيون ينبغي للتاريخ ان يخلدهم، إذ استطاعوا أن يوسسوا مملكة كوش كمملكة سودانية وطنية خالصة. ومن الحقائق الضرورية التي لابد الوقوف عندها هي أنه لا يوجد ملكا مصريا حكم السودان قط منذ الازل، حيث لم يتخطي أي حاكم من أصل مصري حدود مدينة نبته وهي تتطابق مع مدينة كريمة الحالية. وحتي ذلك فقد تم في فترتين فقط. ونتفق ان مصر حكمت السودان الحالي تحت حكم محمد على باشا وهو استعمار تركي، ومرة اخري أيضا وعبر الاستعمار الإنجليزي. وإضافة الي التهديد المصري فقد شكلت اثيوبيا أيضا تهديدا مباشرا لامتنا وذلك عبر مملكة اكسوم. أما حدودنا الغربية فقد كانت محروسة في وجه الطامعين بواسطة قوة مملكة دارفور.
أما فيما يخص الدولة السودانية داخليا فلابد من االاشارة الي أن الدولة الحالية تكونت لاندماج ممالك جميعها ذات طابع إسلامي سنار او المسبعات أو دارفور. ويلاحظ أيضا من الناحية السكانية العرقية ان مكونات الممالك الثلاث جميعها كانت تتشكل من اجناس وقبائل متباينة في عرقياتها وثقافاتها وأديانها وموروثها ولا توجد عرقية واحدة أو ثقافة واحدة قد شكلت او سادت أي من الدول المذكورة.
وهنالك حقيقة تاريخية غاية في الأهمية وهي ان الاسم الحالي “السودان” قد وضعه المستعمر الإنجليزي، وقد لا يعكس التاريخ الحقيقي لبلادنا ويضيع علي شعبنا الكثير من إرثها وتاريخها العظيم حيث استخدمت كلمتي كوش او اثيوبيا في جميع المصادر التاريخية التي تضمنت تاريخنا القديم. وهنالك ملاحظة هامة أيضا أن مناهجنا الدراسية وثقافتنا السودانية المرتبطة بالتاريخ كانت ضعيفة جدا وحتي علي ضعفها لم تكن منصفة إذ ركزت على بعض الشخصيات الوطنية وتجاوزت بعمد او بغير عمد شخصيات ورموز اخري كان يجب ان تكون مفخرة لكل مواطن سوداني، هنا اخص بالذكر الملك سليمان سولونق مؤسس مملكة دارفور والمقدم مسلم آخر ملوك المسبعات وأقواها عزة وهو يواجه محمد بك الدفتردار في معركة بارا. مما يجعل دراسة وإعادة كتابة تاريخ عظمتئنا غاية في الأهمية لان ذلك يعزز من لحمة الوطن وتماسكه.
المراجع
- ماجد, ا., هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس2002, الامارات العربية المتحدة: دار القلم الامارات العربية المتحد.
- Toynbee, A.J., A Study of History: Volume I: Abridgement of Volumes I-VI. Vol. 1. 1987: Oxford Paperbacks.
- عوف, ا.أ.م., موسوعة حضارة العالم/الجزء الرابع, in موسوعة حضارة العالم2000.
- Gillispie, C.C., Lamarck and Darwin in the history of science. American Scientist, 1958. 46(4): p. 388-409.
- Farrington, B., What Darwin really said: An introduction to his life and theory of evolution1966: Schocken books.
- Harari, Y.N. and A. Sapiens, A brief history of humankind. Publish in agreement with The Deborah Harris Agency and the Grayhawk Agency, 2014.
- Britannica. دائرة المعارف البرطانية Britanica. [cited 2021; Available from: https://www.britannica.com/topic/citizenship.
- Mark, J.J., The Kingdom of Kush, in THE WORLD HISTORY ENCYCLOPEDIA2018.
- Welsby, D.A., The Kingdom of Kush. The Napatan and Meroitic Empires2002: British Museum Press.
- حسين and ع. الله, السودان من التاريخ القديم إلى رجلة البعثة المصرية (الجزء الاول), 2018, القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013.
- McDermott, F., et al., New Late-Pleistocene uranium–thorium and ESR dates for the Singa hominid (Sudan). Journal of Human Evolution, 1996. 31(6): p. 507-516.
- Woodward, A.S., A fossil skull of an ancestral Bushman from the Anglo-Egyptian Sudan. Antiquity, 1938. 12(46): p. 190-195.
- Welsby, D.A., The Kingdom of Kush. Urban defences and military installations. Image, Craft and the Classical World, Monogr. Instrumentum, 2005. 29: p. 39-54.
- Matt Clayton, The Kingdom of Kush:
A Captivating Guide to an Ancient African Kingdom Captivating History2020.
- Helen Chapin Metz, e., Sudan: A Country Study., Library of Congress, Editor 1991, Library of Congress,: Washington.
- الحرة, و.ا., تاريخ السودان, in الموسوعة العربية ويكيبيديا2021.
- التونسي, م.ب.ع., كتاب تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب و السودان1965, القاهرة: الدار المصرية للكتاب.
- تيراب, أ.ع.ا., تاريخ دارفور عبر العصور 1998.
- شقير, et al., تاريخ السودان, 1981, بيروت: دار الجيل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم