تعرض« أبو الفنون» لإهمال كبير بعد توقف(المواسم المسرحية) أوائل الثمانينيات من القرن الماضي وزاد وضعه تدهوراً في عهد نظام الإنقاذ، ولولا أن الفنان علي مهدي غامر وأسس« أيام البقعة المسرحية» سنة 2000م- أي بعد نحو عشر سنوات من استيلاء البشير على الحكم عن طريق انقلاب (1989)- الله وحده يعلم أي مدى من التقهقر والتردي كان سيبلغه حال المسرح اليوم!
لم يمسك(نظام الإنقاذ) يده عن دعم المسرح وحسب بل حاربه؛ ومع أن تلك لم تكن أول حرب تشن ضد هذا الفن خلال تاريخه في السودان– إذ تصدى له من قبل بعض رجال الدين، ودعاة التحرر من الثقافة الغربية “الاستعمارية”- إلا أن حرب(الإنقاذ) ضد هذا المسرح وصنّاعه كانت أشدّ ضرواة وأكثر هولاً، لا سيما في سنواتها الأولى، وكان أقسى وأبرز مظاهرها: غلق المعهد العالي للفنون المسرحية(1990- 1994)، وحظر النشاط الضئيل الذي كان ينظم لسبب أو لاخر وبشكل غير منتظم في (المسرح القومي).
أكان موقف( نظام الإنقاذ) ضد المسرح موقفاً منهجياً ومخطط له طيلة العقود الثلاثة الماضية أم كان ارتجالاً مصدره تصرفات أو أمزجة فردية، ليس هنا المحل المناسب لتحليل ذلك، ولكن حتى لو لم يكن موقفاً مؤسساً بطريقة منظمة بل مجرد« حماقات» شخصية فلقد كان صمت بقية أجهزة النظام عنه بمثابة: مباركة وتأييد.
الشاهد، في معظم المنعطفات السياسيّة التي كان على هذا الفن« مقاومتها» أو« مرواغتها» لضمان الحضور والتحقق لم يكن يلقى السند والمعاضدة حتى من أحزاب المعارضة- سواء التي تدعي الحداثة منها أو تلك التقليدية- بل كان يجدها من (أفراد) مثل علي مهدي لديهم- إلى جانب أشياء أخرى قد يُختلف أو يتفق عليها- تقديرات وقدرات ومسالك خاصة تمكنهم من إيهام أو تطويع أو اختراق السلط السياسية القائمة ثم العمل من داخلها أو بموازاتها إما لتخفيف قبضتها المتشددة تجاه المسرح أو تخليصها من خوفها منه أو تهوينها شأنه.
فن مكلف من الناحية المادية مثل المسرح لا غنى له عن دعم الدولة( بل لا وجود لمسرح بلا دولة)، وبالمقابل لا يمكن دولة راشدة أن تستغنى عن المسرح وتتخلى عن واجب رعايته وتوسيع فضاءاته وتعميم نماذجه؛ فالمسرح هو الوجه الثقافي للدولة وهو برلمانها– كما قال إسماعيل خورشيد– الذي يراقب عملها ويفحصه ويناقشه وينتقده ويرشده، ودولة ترعى المسرح ولا تقيد حريته هي دولة تحترم وتلتزم مسوؤلياتها تجاه مواطنيها وحقوقهم في التمتع والاستفادة من إمكانياتهم وفرصهم في إنتاج الفنون ووممارستها وتلقيها ونقدها وتوثيقها وترويجها، ودولة تعطي المسرح حقه من الاعتبار، مهما بلغت درجة حنقه وممانعته تجاهها، هي دولة تعظّم [وتريد] الحوار والاختلاف والاحتجاج عبر منصة الفكر وساحة الفن وليس من خلال خيمة القبيلة وقطع الطرق والاقتتال الهمجي.
منذ انطلاقته في القرن الرابع قبل الميلاد كان المسرح ملمحاً من المظاهر الأساسية التي بلورت مفهوم الدولة في الزمن الإغريقي، وفي العصور التالية رعت الدولة– أكانت ملكية أو جمهورية- المسرح والمسرحيين بأموالها وحفلاتها ومسابقاتها وكان لها الدور الحاسم في خلق لحظاته المهمة ورموزه الفارقة: شكسبير، وراسين، وإبسن، وموليير، وجوتة، اندرية انطوان، مروراً بدوق ساكس- ميننجن جورج الثاني، وصولاً إلى ستانسلافسكي، ومايرهولد، إلخ.
وكان لدعم ورعاية الخديوي إسماعيل للثقافة والفنون في القاهرة سبعينيات القرن التاسع عشر الدور الأهم في تأسيس تجربة«المسرح العربي في مصر» التي تواصلت إلى أيامنا هذه.
وعن طريق مصر دخل المسرح إلى السودان بدايات القرن العشرين (1903 أو 1909)، ولكنه لم يأت في قطار دولة الاستعمار بل أنسلّ عبر «الاجتهادات الفردية» التي صدرت إما عن بعض المواطنين المنجذبين إلى أسباب المدنية والحداثة (مثل بابكر بدري)، أو عن بعض موظفي دولة الاستعمار(مثل المأمور المصري عبد القادر).
كان المسرح محدود الإمكانيات بل فقيراً بالمعنى المادي للكلمة وغير قادر حتى على تدبير فضاء لعروضه لذلك كان يقدمها في فسحات البيوت أو في منصة تجهز بصفة مؤقتة في فناء النادي أو المدرسة.
في ظرف كهذا ما كان في وسع المسرح تحقيق حضوره بالكفاية التي تدفع المشتغلين به إلى التفكير في ما هو أكثر من الاستمرار في الطريق، إذ لم يكن المسرح مهماً وقتذاك مقارنة بأمر مثل إسناد مسيرة التعليم، وهو لم يكن مهماً ليس بالنسبة للدولة فحسب بل حتى لممارسيه بمعظمهم، ولذلك كان كل نشاط مسرحي يقام بهدف تخصيص عوائده لإنشاء«مدرسة» وليس لأجل تطوير الفن المسرحي وتعزيز مكانته في المجتمع.
ولعل مما يؤكد أن المسرح مورس آنذاك في نطاق هامشي ولم يكن منظوراً ومؤثراً يتمثل في حقيقة أن صحف تلك المرحلة لم تسجل له أية تدخلات اجتماعية ظاهرة أو سجالات فكرية بارزة؛ لقد كان حضوره- مع عدم وجود دعم الدولة- مثل غيابه. والكلام عن دور عظيم لعبه هذا الفن وصنّاعه في تلك الفترة يبدو«كلاما سياسيا» أكثر من أي شيء آخر بالنظر إلى حقيقة أن تجربة المسرح تلك لم تخلف لا بناية ولا مجلة ولا قوانين ولا تقاليد ولا مقدمات ولا تأملات ولا قضايا مسرحية.
لقد احتاج المسرح إلى عون الدولة لتأمين منصة لعروضه ووسيلة لتنقلاته ومنبر يعكس صداه ومكافآت تحفز المشتغلين به وقوانين تصون حقوقهم، ولكنه- في حدود علمنا- لم يجد أي شيء من كل ذلك لا من سلطات الاستعمار ولا من أصحاب النفوذ و« الهيئة الاجتماعية» بين السودانيين، أولئك الذين حين زارتهم فرقة مسرحية مصرية للمرة الأولى(سنة 1935) تدافعوا إليها بالمناكب وتنافسوا في إكرامها بالولائم والهدايا.
ولم يكن لهم- ولا للحكومة- أي دور في قدوم تلك الفرقة التي قدمت عروضها لأكثر من شهر في العاصمة وبعض مدن الأقاليم، فلقد جاء بها متعهد حفلات إغريقي يدعى« بابا لكسيس» كان يعيش في الخرطوم.
وبتأمل تجربة المسرح في« بخت الرضا» بداية من النصف الثاني من الثلاثينيات، يلاحظ أنها تشكلت أيضا نتيجة إستجابات فردية لمجموعة من «المدرسين» أرادت ابتكار وسيلة مفيدة ومسلية لنقل المعارف إلى الطلاب فوجدتها في المسرح مثلما وجدتها في الخطابة والشعر.
وبرغم ما يمكن أن يقال عن القيمة الثقافية لتجربة المسرح في تلك «الخلوة التعليمية» إلا أننا حين ننظر إليها اليوم وإلى نطاقها وصنّاعها وجمهورها ومفاهيمها ستبدو أقرب نسباً إلى« تاريخ المناهج التعليمية» منها إلى « مسيرة المسرح» بوصفه ظاهرة فنية وثقافية.
ولئن كانت اللحظة الأبرز في مسيرة هذا الفن قبل الاستقلال تجلت عبر تجربة ميسرة السراج، أواخر الأربعينيات، فهي الأخرى تعتبر نموذجاً لـ« الاجتهادات الشخصية» التي رسمت خارطة المسرح السوداني، كما يمكن النظر إليها- وإلى بقية التجارب التي سبقتها- كمثال على ما كابده هذا المسرح بسبب افتقاره دعم الدولة.
تأثر السراج بالخبرة المصرية وخلق أول تجربة في إطار ما يعرف اليوم بـ« مسرح القطاع الخاص» وأسس فرقة، وأصدر مجلة، وأقام مدرسة للتدريب المسرحي، وأنجز- لأجل الحصول على مورد مالي إضافي- سلسلة من الأعمال الدرامية للإذاعة، ولكن إلى أي مدى يمكن أن يستمر مثل هذا الجهد الشخصي من دون مؤازَرة الدولة؟
لم يجد الرجل لا المال ولا الحماية حين واجه العديد من التحديات الاجتماعية لأنه جاء بأول ممثلة سودانية إلى خشبة المسرح، وزاد أمره حرجاً حين راحت إدارات الأندية الرياضية – بسبب خوفها من المتزمتين- تتجنب استقبال عروضه، وعندما أراد مقاومة هذا الوضع وطلب تبرعات من الشعب لتشييد مسرح لفرقته رافعاً شعار« أعطني قرشاً أعطك مسرحاً» مني بالفشل.
ثم أطل الفاضل سعيد على المشهد وسلك الطريق الذي سار عليه قبله السراج: مسرح يعيش على شباك تذاكره. بيد أن وضع الكوميديان الرائد سيختلف مقارنة بمن سبقوه، إذ سيكون في وسعه – هو الموظف الحكومي- انتظار دعم الدولة الذي قد يأتي أو لا يأتي؛ ويمكن القول إن مشروعه المسرحي تقدم أكثر لأن النشاط الثقافي ما بعد ثورة أكتوبر 1964 بات مسنوداً من الدولة.
استثمر سعيد خبرته الإدارية وعلاقاته التي بناها في وقت لاحق اثناء عمله في وزارة الشباب، وهو كان حاضراً ومستعداً حين توجهت الدولة إلى تأسيس المواسم المسرحية (1967) فتلقف الفرصة ومضى مطوراً تجربته التي ارتكزت دوماً على مقاربات بسيطة للمشكلات الاجتماعية المرتبطة بالحياة في المدن، وكان يقدمها في قوالب فكاهيّة سهلة جذبت إلى مسرحه قاعدة جماهيرية واسعة وزادت شهرته ومقبوليته في سائر الحقب السياسية التالية.
وبالنظر إلى تجربته وكذلك تجارب الفرق التي اتخذت نهجه في السبعينيات وما بعدها، ثم الفرق التي أسسها خريجو معهد المسرح في الثمانينات لا سيما فرقة «الأصدقاء»، وفرقة« السديم»، وتجربة« عماد الدين إبراهيم»..، بالنظر إلى هذه التجارب التي تباين حضورها بين التوهج والخفوت، يتبين أنها كانت نتاجاً لـ «المبادرات الفردية» ولكنها أيضا استفادت من البيئة الثقافية التي خلقتها الدولة: تشييد المسرح القومي، وتأسيس المعهد المسرحي، وإقامة المواسم المسرحية، إضافة إلى مهرجانات الثقافة.
على ذلك، يصح القول إن المسرح السوداني ما قبل الاستقلال لم يدعم من الدولة وهو مورس غالباً إما بوصفه أداة لجمع تبرعات لأجل مقار وأغراض التربية والتعليم (بابكر بدري ومأمور القطينة إلى بخت الرضا) أو كوسيلة لمداراة الفعل السياسي أو تصريفه(نادي الخريجين وحتى المسرح الجامعي بجامعة الخرطوم)؛ ولم يبرز باعتباره مهنة ثقافية وفنية إلا مع بداية اهتمام الدولة به وبالثقافة عموماً خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وحتى في هذا السياق يلاحظ أن ظهور المسرح لم يخل من دور لـ «الاجتهادات الشخصية» لكن هذه الاجتهادات صدرت هذه المرة عن رجالات الدولة.
وهكذا تجد بعضهم ينسب فكرة إنشاء المسرح القومي(1958-1959) إلى اللواء محمد طلعت فريد وحده، أما إنشاء المعهد العالي للموسيقى والمسرح(1969) فيقال إنه ثمرة اجتهاد والتزام رجل واحد هو عبدالماجد أبو حسبو، وبالمنظور ذاته يُقرأ دور الفكي عبد الرحمن في خلق «المواسم المسرحية»!
وبتجاوز المفارقة المتمثلة في أن المسرح لم يجد فضاء لعروضه، وأكاديمية ترعى المشتغلين به إلا في عهدين ديكتاتوريين(عبود والنميري)، بتجاوز ذلك والتركيز على برنامج ” المواسم” فيمكن اعتباره ثمرة من ثمار العهد الديمقراطي قصير الأجل. ولكن ما يحسب للفكي عبد الرحمن في هذا السياق أنه امتلك الشغف إلى جانب الإرادة والخبرة واغتنم الاهتمام النسبي للدولة بالثقافة في ذلك الوقت ووضع استراتيجية مبدعة ليس لتدبير النشاط المسرحي ولكن لخلقه وشرعنته وضمان وضع إداري متين يصونه ومصادر ثابتة لتمويله ولوائح لضبطه ووسائل لترويجه ومنابر لنقده والتفكير به، إلخ.
وبالرغم مما يمكن أن يؤخذ عليها من مآخذ لا سيما توجهها المركزي وتجنبها استيعاب قضايا حيوية مثل الحرب في الجنوب وأسئلة الفقر والتنمية في الشرق، إلخ، إلا أن«المواسم..» مثلّت أخصب وأقوى مراحل المسرح السوداني، وقد شكلت وتشكل إلى اليوم الرصيد الأكبر من ذاكرة هذا المسرح بما شهدته من عروض وندوات وما أثارته من رؤى ومقاربات حول الظاهرة المسرحية من حيث أبعادها التقنية والمهنية والفلسفية، ومن حيث علاقتها بالمجتمع والدولة.
وحين عاد مكي سنادة وتولى إدارة المسرح القومي(1999) بعد مسيرة متوهجة في مجالي التمثيل والإخراج، لم يكن المسرح قد تعافى من أذى (نظام الإنقاذ) الذي شرخ روحه وهدم هياكله وأقفل معاهده وشرد وهجر معظم أهله.
كان سنادة في الجهاز المنظم للنشاط المسرحي منذ أواخر الستينيات إلا أنه لم يبرز كإداري أو مخطط ثقافي بل كممثل ومخرج، ولعله كان سيبقى محافظاً على ألقه في مجالي التمثيل والإخراج لو توافرت أنشطة مسرحية حين كلفته الإنقاذ(أم غازي صلاح الدين؟) بإدارة المسرح القومي؟
على أي حال، وبرغم أن بعضهم قد يأخذ على سنادة قبوله المشاركة في نظام سياسي مارس أقسى أشكال العنف تجاه المسرح ونكَل بالمسرحيين، إلا أن ذلك قد لا يمنع البعض الاخر من النظر إليه كشخص قبل بالتكليف انطلاقاً من إيمانه بأن «إشعال شمعة خير من لعن الظلام».
ومن دون التطرق إلى التفاصيل المتعلقة بالتحولات التي جرت في بنية النظام وأدت إلى تغيير أو تحوير موقفه من النشاط الثقافي وحملته إلى إعادة فتح المعهد المسرحي وقبول أو دعم إقامة بعض الأنشطة المسرحية، يمكن نسب الفضل إلى سنادة في تحقيق إنجازات مهمة للمسرح في الخرطوم ولعل أهمها خلق وظائف للممثلين عبر تأسيس “الفرقة القومية للتمثيل”.
بالطبع ثمة اختلافات نوعية وكمية بين ما أحدثه مكي سنادة في فترته الإدارية هذه وما أنجزه الفكي عبد الرحمن في النصف الثاني من الستينيات، وهي اختلافات بقدر ما يمكن ردها إلى الخصائص الشخصية لكل واحد منهما يمكن أيضا تفسيرها بتباين الأوضاع السياسية وعلاقة الدولة بالمسرح والثقافة في عهد كل واحد منهما. عمل سنادة في زمن لم تكتف دولته بحرمان المسرح من الدعم بل كانت معادية له، لكن بالمقابل كان إنجاز عبدالرحمن أشبه بالحفر في الصخر في شدته وتطلبه، وكان عملاً استراتيجياً في أبعاده التخطيطية وبقي أثره إلى اليوم، وليس من مبالغة في القول إن الفضل يعود إلى الفكي في ما ورثه سنادة من تقاليد عمل ومن هوية إدارية ومكانة اعتبارية في« المسرح القومي».
ولو صح النظر إلى تجربتي عبد الرحمن وسنادة في أفق “الاجتهادات الشخصية” التي صنعت الفعل المسرحي من داخل بنية الدولة فتجربة علي مهدي في تأسيس مهرجان أيام البقعة المسرحية (2000م) تبدو مغايرة ليس فقط عند مقارنتها بالتجربتين السابقتين بل بمجمل التجارب السابقة.
برز مهدي كممثل في السبعينيات لكن شخصيته كإداري تحققت في عهد الإنقاذ، ومع أنه لم يكن موظفاً في الدولة إلا أنه حظي بدعمها المالي والرمزي، والملفت أنه خصص ذلك الدعم لإقامة مهرجان يشارك به الجميع وليس لدعم عروض وتنقلات فرقته (البقعة) التي أسسها(2004م)، أو على الأقل هذا ما يبدو بالنظر إلى أن فرقته لم تنجز من العروض خلال العشرين سنة ما يزيد عن أصابع اليد الواحدة.
مع أن تخصيص الدولة موازنة سنوية للمهرجان الذي بادر مهدي إلى تأسيسه وليس للإدارة المسرحية التابعة لها والمتمثلة في«المسرح القومي»، بدا مسلكاً غير قويم للبعض إلا أنه ظهر للبعض الاخر كشيء هو أخفّ في ضرره من حظر النشاط المسرحي تماماً.
وبشكل عام، لم يكن «أيام البقعة المسرحية» مهرجانا عظيماً بل رافقته وظلت ترافقه العديد من الإشكاليات التنظيمية خاصة في الجوانب المتصلة بالمعايير الفنية ومصادر التمويل وحجم التعويض المخصص للفرق المشاركة، بيد أنه مثل مصدر رزق وتحقق وبروز للعديد من المسرحيين بحسبانه كان يتطور ليس بالضرورة لأن إدارته أو الجهة التي تموله أرادت ذلك انما لأنه بات مع مرور الوقت تظاهرة تتداخل في صناعتها وتشكيل مساراتها: طموحات الفرق وانتظارات الجماهير وملاحظات الصحافة وآراء النقاد، إلخ.
من هنا، كان المهرجان مناسبة لطرح رؤى نقدية جريئة حول طائفة واسعة من القضايا، وكان بعض عروضه بمثابة مرآة عكست وجسمت تردي الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في عهد الإنقاذ.
وبسقوط الإنقاذ فقد المهرجان مصدر تمويله ولكن ذلك لم يمنع إدارته من الإعلان عن دورة جديدة إلا أن وزارة الثقافة في عهد دولة الفترة الانتقالية لم تسمح بذلك؛ ليس بقرار مباشر من الوزير ولكن من خلال ممثله في المجال(مدير المسرح القومي) الذي رفض الاستجابة لإدارة أيام البقعة المسرحية حين طلبت (إيجار) خشبة المسرح القومي لإقامة الدورة الجديدة، عبر خطاب فظ يفتقر لأبسط قدر من اللياقة الإدارية، نشر بشكل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا الموقف العدائي تجاه مهرجان البقعة عدا عن كونه يذكر بسلوكيات نظام الإنقاذ تجاه الممارسة المسرحية هو أيضا يمثل الثمن الباهظ الذي كان على حركة المسرح السوداني أن تدفعه مع كل تحول سياسي لأنها لم تنهض على استراتيجية وطنية ولأنها اعتمدت دائما على المبادرات الشخصية التي مهما بلغ جهدها تبقى: محدودة الأثر، وإشكالية، وهشة.
essamgaseem3@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم