15 أغسطس 2021م
يقول الخبير بالشئون الأفريقية والقرن الأفريقى مارتن ﭘلوت , أن الحرب في تيقراي تمزق الرتق الذي يربط الهياكل الحالية التي توثق دول القرن الأفريقي بعضها ببعض.
ويرى أنه كما حذر المعهد الأمريكى للسلام فى العام الماضى, عندما إنضم الإرتريون المسنودون بالقوات الصومالية إلى غزو تقراى, (فى نوفمبر 2020 م),كانت هذه هى النتيجة الحتمية, السودان الآن فى مصيدة الحرب, بينما كل دول الإقليم تنظر بقلق. ويمضى فيقول:0
“وبينما تظل كثير من الحقائق غير واضحة, فإن خطر التصعيد أكيد:- ستكون الحرب الداخلية أو الحرب مع دولة أخرى كارثية لشعب إثيوبيا وللإقليم, وستشكل خطراً مباشراً للسلم والأمن الدوليين. إن تسريع الإستقطاب وسط حرب عنيفة سوف يعنى نعى مجهود الإصلاح الوليد للدولة والذى بدأ منذ سنتين ووعد بإنتقالٍ ديموقراطى بٌشِّرَ به.” ويُذَكَّرُ بتحذير سابق قائلاً:
“وكما حذرنا فى التقرير النهائى والتوصيات للمجموعة والذى صدر فى 29 أكتوبر, فإن تشظى إثيوبيا سيكون أكبر إنهيار لدولة فى التاريخ المعاصر. يبلغ عدد سكان إثيوبيا خمسة أضعاف سكان سوريا ما قبل الحرب, وإنهيارها سيؤدى إلى صراعات ضخمة ما بين الإثنيات والأديان, وإستغلال خطير من قِبَلِ المتطرفين, تسارع التهريب غير المشروع, ويشمل ذلك الأسلحة, وأزمة إنسانية وأمنية فى مفترق طرق افريقيا والشرق الأوسط, بدرجةٍ ستلقى بظلالها على أى صراع قائم فى الإقليم, بما فى ذلك اليمن.”
وبما أن إثيوبيا حالياً هى الدولة الأكثر مساهمة بالجنود لبعثات الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقى فى السودان, جنوب السودان والصومال, فإن إنهيارها سيؤثر بصورة كبيرة على مجهودات المنظمتين لتخفيف حدة وحل النزاعات فى القرن الأفريقى.”
و يرى أنه حتى لو تم تفادى إنهيار الدولة الإثيوبية, فمن الواضح أنه ثمة ضرورةُ لتدبيرٍ جديدٍ لإثيوبيا, والذى يمكن أن يشمل علاقات جديدة مع دول الجوار – وخاصةً إرتريا.
المنظور التقراوى:-
ثمة سؤال ظل يناقش بحرارة منذ تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير تقراى فى سبعينات القرن الماضى, وهو ما إذا سيظل إقليم تقراى جزءاً من إثيوبيا أم يستقل. ومن غير المدهش أن ذلك السؤال الآن ضمن الأجندة مرة أخرى. وقد أعطته الفظائع التى أرتكبت ضد شعب تقراى, خاصةً النساء, دفعة قوية, كما يستعيد الكاتب الرؤية التاريخية لعلاقة إقليم تقراى بأديس أببا.
ويتساءل مارتن كيف يمكن أن يتعامل إقليم تقراى مستقل مع إثيوبيا؟ وهل يمكن أن يكون قابلاً للبقاء؟
وكيف ستبدو حدوده؟ ويجيب أن كل هذه الأسئلة – وأكثر – هى قضايا بحاجة إلى حل قبل إتخاذ القرار, بأمل الإتفاق مع بقية الإثيوبين. وهى مسألة يقررها شعب تقراى وشعوب الإقليم.
المنظور الإرترى:-
ويُذَكَّر الكاتب أنه يجب ألا ننسى أن الرئيس إساياس قد عقد إجتماعاً مع كبار مستشاريه وقادته قبيل بداية الحرب.
و يقول انه كما أوردت (إرتريا هَبْ Eritrea Hub) حينئذٍ: أخبرهم الرئيس أن البلاد يجب أن تتقبل أن لديها أقتصاد صغير وغير قابل للنمو كثيراً وساحل بحر أحمر طويل, والذى لا يستطيع الإرتريون خفارته بمفردهم. وورد أنه قد إقترح أن نوعاً من الوحدة مع إثيوﭘيا قد تكون ممكنة. أقلها من ناحية التعاون الإقتصادى والأمن البحرى (الملاحى).
وبفعله هذا يبدو أن إساياس يردد صدى الحلم العظيم لرئيس الوزراء أبى بإعادة تأسيس إمبراطورية إثيوبيا القديمة.وهذه الفكرة ليست بعيدة الإحتمال كما تبدو, على الرغم من حقيقة أن إساياس قاد حرب إستقلال إرتريا من إثيوبيا والتى دامت ثلاثين عاماً.
الحرب التى تضمنت خدمة عسكرية إلزامية لعشرات الآلاف من الشباب الإرترى وكلفت الكثير من الأرواح, لم تثمر الوحدة التى كان يبحث عنها الرئيس إساياس. بل ربما تنتج عنها علاقة جديدة بين إرتريا وشعوب الإقليم.
المعايير الرئيسة لإعادة تشكيل الإقليم:-
ويطرح الكاتب رؤيته لمستقبل القرن الأفريقى وحل النزاعات فيه. وقول أنه إذا كان سيتم سحب خارطة القرن الأفريقى – أى تغيير الخارطة السياسية – وذلك يبدو مرجحاً كما يرى– فثمة معايير رئيسة يجب أن تطبق:-
• أولاً – هذه قضية شعوب القرن الأفريقى. يجب مقاومة المصالح الخارجية. ويمكن الترحيب بالنصح, بيد أن هذه المسائل يجب ألا يقررها تأثير الغرب, الصينيين أو الروس أو الأموال العربية.
• ثانياً – النتيجة سيشكلها النزاع الراهن ولكن يجب ألا تكون نتيجة حل يفرضه المنتصر, أى كان هو.
• ثالثاً – يجب أن تأخذ الحلول فى الحسبان التقاليد, التاريخ والواقع الإقتصادى. وثمة حاجة لحماية رؤى وإحتياجات الأقليات.
نقاط يجب وضعها فى الإعتبار:-
ويطرح مارتن ﭘلوت مقترحات قيمة حول حل النزاعات فى الإقليم, فيمضى قائلاً أنه: “بينما يجب التوصل إلى شكل التسوية عبر تفاوض شعب الإقليم, ثمة بعض الدروس التى يمكن تعلمها من الماضى ومن الخارج.
• النزاع والحرب ليسا حتميان. يمكن للجراح الثخينة أن تندمل. فقط على المرء أن يضع فى الإعتبار الخسائر المأساوية التى تكبدها الألمان والفرنسيون بما عادلت الحروب العالمية الثلاث التى خاضوها ضد بعضهم بعضا. من الحرب الفرنسية – اﻠﭘروسية 1871 – 1872م عبر الحربين العالميتين الأولى والثانية, حيث ذبح شباب البلدين بعضهما بعضا بالملايين. وعلى الرغم من ذلك, فاليوم يعيشون مع بعضهم فى سلام وإنسجام, كأنما نقاط العبور الحدودية بالكاد موجودة.
• مسألة الأمم والجنسيات لم تحل أبداً بصورة نهائية. يحتاج المرء فقط لينظر إلى المملكة المتحدة. ظل البريطانيون يحاولون الوصول إلى تسوية نهائية لحكم هذه الجزر منذ ما يقارب عام 1800م – إن لم يكن قبل ذلك. ولكن المستقبل مازال بعيداً عن التسوية. حصلت إيرلندا على الإستقلال فى عام 1922م, مكونة إيرلندا وإيرلندا الشمالية. وعلى الرغم من ذلك ربما يغادر الشمال – فى مستقبل ليس ببعيد – يغادر المملكة المتحدة وينضم إلى إيرلندا,إذا ما أٌتٌفِقَ على ذلك فى إستفتاء. وتضغط إسكوتلندا من أجل الإستقلال وهذا أيضاً ربما يحدث, إذا ما صوت الإسكوتلنديون لصالحه فى إستفتاء. وثمة حركات للحكم الذاتى أو الإستقلال فى ويلز , كورنويل ويوركشير. البعض يريد أن تكون لكل إنجلترا إدارة أكثر تفويضاً. لم يتم تسوية أىٍ من هذا, ولكن يتم حل هذه النزاعات بالمفاوضات السلمية وبالإستفتاءات. وليس بالحرب.
• الدول القومية مهمة كشكل من أشكال الحكم,ولكنها ليست ذات أهمية ثابتة. ويمكن أن تكون التقاليد, الأديان والروابط الإجتماعية والمجتمعية بذات الأهمية تماماً. زار الإرتريون المواقع المقدسة فى إقليم تقراى عبر القرون, بغض النظر عن من كان فى سدة الحكم فى أسمرا أو أديس أببا. وعبر التجار الصوماليون والعفريون مساحات شاسعة حاملين البضائع على مر السنين. أحياناً أسموهم تجار, وأحياناً رجال أعمال, وتارةً أخرى نعتوهم بالمهربين. فَكٍّرْ فى تجارة القات, التى تعبر الحدود بغض النظر عن القوانين, الحكومات والنٌظٌم. ويتبع الرعاة قطعانهم, فى أى وقتٍ تتجه إلى البحث عن الكلأ الطازج. هذه أجزاء حيوية من حياة القرن الأفريقى وستستمر, بغض النظر عمَّا تم تسويته فى المؤتمرات, ميادين المعركة أو تم التوقيع عليه كإتفاقيات.”
aljidayali50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم