بلاغ الترتيبات الأمنية (1/2): فك الاحتكارات وإعادة توزيع الامتيازات .. بقلم: محجوب حسين

موضوع الترتيبات الأمنية محط الإشكالية الوطنية، هو موضوع إشكالي فرض نفسه مجددا لدي عقل الحكم السياسي في البلاد و بالطبع في دورة تاريخية مختلفة المحددات و التجليات التي تمظهرت في إنهيارات على الصُعد كافة، في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و الأمن وحتى التفكير ……إلخ. في المجمل، قد تكون تلك المظاهر من مظاهر مخاض دولة فاشلة، عاجزة، تطمح و تتصارع للتّكون و التشّكل نحو الدولة /المؤسسة. إن كان ذلك، فالأمر هو طبيعي، و إن لم يكن كذلك، فإننا أمام مظهر تدهور و سقوط الدولة، و لم تعد نظرية “الصراع من أجل البقاء” التي تبذل من كافة الأطراف و تحت أية عقلانية معدومة أو مرتقبة ذات أثر، و أن دورة التاريخ السودانية الحّية قد أكملت إستحقاق إنسدادها.
ضمن هذا السياق، أذكر قبل عقدين إلا قليل، و ضمن إشتغال أعمال الذهن المفتوح لرصد ما هو ممكن، مفتوح و غير محدود لمتغيرات المجال السوداني، بإعتباره مجال صراع، حاد و عنيف، المؤكد، ليس مجالا للحوار أو مؤسساته وفق ما نظٌر له الفيلسوف “يورغن هابرماس”. في هذا الإطار، سبق و أن نشرنا سلسلة مقالات في جريدة “الزمان” اللندنية تحت عنوان “أزمة الجنوب السوداني في 40 عاما” و قلنا آنئذ “إن فضاء الصراع السوداني سوف يمضي و بالضرورة إلى أن ينتهي إلى الحتمية المؤكدة برهانا في ترتيبات أمنية شاملة. إن وقعت، يمكن أن تؤسس لمشروع الدولة الذي لم يبدأ لكي يكتمل بعد،،،،،، فيما إن لم تقع، مؤدى ذلك، سوف تدخل البلاد السودانية في آتون صراع الترتيبات الأمنية الحادة التي تؤدي إلى خيار سقوط مشروع الدولة الهشة، و فيها قد تتساوى الشعوب السودانية في ناتج فائض قيمة الخسارة ما دامت لم تتمكن في المساواة على الربح ،،،،،إلخ”.

*أزمة الترتيبات الأمنية.*

مسوغ إيداع سردية هذه الحذلقة التاريخية، أولها، كونها تمتلك صلاحية إستشراف القراءة رغم مفارقة الوقائع التي إستندت عليها وقتئذ. و ثانيها، أهلية المطابقة مع راهنية الأزمة الحادة التي ظهرت مؤخرا على السطح و التي عرفت بأزمة “الترتيبات الأمنية” بين فرقاء الشأن السوداني، “جوبا و قحت” عسكر و مدنيين و مجتمع مدني و إعلامي يدفع في هذا الإتجاه و آخر في إتجاه مضاد . جدير بالإنتباه هنا أن أزمة الترتيبات ليست جديدة، بل لها بعدها المتسلسل كرنولجياً، فهي بذلك متكررة في صراع المجال العام السوداني، ككود رمزي ثابت لا يتغير في ترمومتر النزاع السوداني و في كل مرة تصطدم بذات الأبنية المرجعية التراثية التي نفسرها لاحقا، هذا غض النظر عن من في سُدة نادي الإمتيازات و التحيزات و الإحتكارات بشقيه العسكري او المدني، قدامى و جدد، رديكاليون أو مجددون إن وجدوا، حيث الثابت تاريخيا ليس هناك مجال لتطبيق أو تنفيذ هكذا ترتيبات أمنية/عسكرية تعلق على مواقعها العسكرية لافتات مكتوبة عليها عبارة عميقة الدلالة و القائلة ” ممنوع الإقتراب و التصوير”، ليست في رسائلها الأمنية أو العسكرية السرية، بل هو جهاز خاصة الخاصة، الغير قابل للفتح مع إضفاء حيلة صبغة “القدسية” عليها، لدواعي و أغراض و لمهام معلومة و محددة بدقة و تقنية عاليتين في فضاء صراع مشروع الدولة الذي تأسس على جدليتي الأسمى و الأدنى، الأول و الثاني، القاهر و الخاضع في جدلية مسنودة بمخزون تراثي ثقافي قار تدعمه هذه المؤسسات الأمنية، و هي محل وعي جمعي صلب، ظل يعمل على تغذية أركان لعبة صراع المجال العام السوداني، في الماضي و الراهن و المستقبل، حيث تمكن النسق المهيمن فيهما من بناء جهاز قوى في الهيمنة على “النظام” السوداني مقابل جهاز ضعيف للدولة، و له مبرره اليوم في رفض ” إعادة ترتيب” أهم جهاز حماية مجال الهيمنة، و مبرره الإضافي أيضا في عدم القطيعة مع منطلقاتها المعرفية في الهيمنة المنهجية الأحادية المستشرية، حيث تسعي اليوم المؤسسة جاهدة في إستعمال ذات أدوات السلف لإعادة ذاتها المهيمنة بعد الخلخلة التي أصابت المؤسسة، فالنتيجة نحن فعلا أمام نخبة يصح فيهم القول القائل ” خير سلف لخير خلف” لإنتاج ذات الموقعة في مجال تغيرت أسسه و شكل صراعاته و حدود فضاءاته. و أمام هذه التحديات نجد أن العقل المهيمن هو نفسه، لم يتطور ضمن حراك الواقع للمواكبة، بل نجده جامدا، كلاسيكيا، يعمل على تفريخ نفسه و بشخوص جديدة بعدما تقلص دور جيل ” إستابلشمنت” الأزمة الأول. و زمانيا هم جيل ما بعد الإستقلال الذي رحل أغلبه، فيما المنظومة و على ما يبدو، لا تزال تعمل، جيل بعد جيل في نسق مترابط لما تربطهم من ثقافة مكتملة العناصر، و أطر لبنى إجتماعيىة، و مصالحية و كل أنواع المشتركات و التبادل الرمزي، تعمل في تناغم و بقوة دفع وحشية، إن جاز القول، تجاه ما تعتبره خطوط حمراء، و هي خطوط فيها السيطرة على الملكية حصرية و الإنتفاع محدودا، كما لا يجوز الإنتفاع من تلك الملكية إلا وفق شروط ظاهرة معلومة، و الولاء وحده ليس كافيا في هذا الجانب دون فحصه.

*تحرير المفاهيم*

وفق ما تقدم من فرضية إشكالية لهذه الترتيبات، واضح، لا يمكن للمرء ان يتناول إشكالية ” الترتيبات الأمنية” في مكتوب صحافي من جنس “مقال” الرأي الذي نشتغل عليه و إنتهى الأمر. لأنها إشكالية ذات علاقة عضوية بمفاهيم عدة، منها السلطة، الثقافة، المؤسسات، بنية صراع قوى المجال المكاني والتاريخي ،،،، إلى ان ينتهي إلى صراع ثقافي، تجد مرجعياته المتباينة ضمن أنساق فسيفسائية تحكمها مركزيات ثقافية و أنظمة بنى تقليدية و جغرافية جهوية شديدة الوطأة في تكييف العلاقة، و مرد ذلك إلى بنيات العقل المُكوٍن و مرجعياتها من لدن كافة التشكيلات الإجتماعية المكونة للبلاد وصراعاتها الشرعية للنفوذ. لذلك الحديث عن إشكالية “الترتيبات” الأمنية في حالة ـ إن لم نقل ـ في “ظاهرة” مثل السودان لا يتم أولا بمعزل عن “تحرير” مفهوم الترتيبات من منظوره الأمني الكلاسيكي، على شالكة “إعادة الإنتشار أو التموقع أو التسريح، الدمج، تجريد من السلاح،،،،” إلخ من الأدبيات العسكرية المألوفة الصفحات إلى البحث عن الماهية السياسية لهذه الترتيبات ضمن زوايا نظر مختلفة مثل تطوير الرأسمال المفاهيمي تجاه الأمن الكلي، من إقتصادي و إجتماعي و سياسي و ثقافي….إلخ ضمن منظور الدولة الوطنية المرتقبة قيد التشكل. على هذا النحو، فالترتيب المُلِح، يشيء إلى ترتيب أو تنظيم أمر ما، لم يعد هو مرتبا و لا منظما، جاء هيكليا أو وظيفيا في الجيش أو الأسواق، أما عموم الترتيب، فالعكس الذي يقابله هو عدم ترتيب مجال جامع، لذلك جاء الإستحقاق الوطني لغاية ترتيب مجال هو فوضوي لا يحكمه عقد مدني وطني، و منها جاءت الضرورة لبناء مشروع الترتيبات الأمنية الوطنية “الجديدة” لصلة الإرتباط مع ترتيبات المشروع الوطني، و الترتيبات على هذا النحو تتعلق بالدولة أكثر من الامن/ العسكرة، و الأمن هنا موضوع الدولة في البدء و المختتم، و هذا يتمخض عنه ترتيب جديد لأمر المجال الوطني و إدارة المجال العام فيه، حيث تتولاها تاريخيا مؤسسات عاجزة، ليست محل شرعية مكتملة الأركان لتمارس مشروعيتها، أيا كانت وجه المؤسسات، مدنية إدارية، قضائية، عسكرية، و في مجموعها هي مؤسسات أنتجها مشروع الدولة الواقع محل الخلل الوطني تاريخيا لحماية خلله. هذا الخلل الوطني هو سبب الأزمة التاريخية في البلاد، لذلك أتت معضلة الترتيبات الأمنية لحماية مصالح كما تعمل المؤسسات المهيمنة كذلك في حماية رزمانة مصالح تحت ستار المؤسسات الأمنية للدولة و تصبغها بشرعنات حسب مزاجها. و عليه تأتي الترتيبات كأهم إستحقاقات في بناء الدولة أكثر أهمية من بنود إتفاقيات السلام الأخرى، من سلطة و ثروة و عدالة، و في الأخيرة نقطة تأمل ممتاز.
في هذا السياق، طبيعي أن تُحدّث الترتيبات الأمنية التي أفرزتها إتفاقية “سلام جوبا” ردود فعل و جدل مناهض من لدن جهاز الهيمنة و عقله المستشري في نظام الحكم السائد، بسبب تلكم الحمولات الثقافية و الإجتماعية لدي مؤسسة المهيمن التي لم تتقبل تلك الترتيبات، و هي ترتيبات مختلفة و إختلافها عن سابقاتها من الترتيبات الغير منجزة كانت نوعية أو زمانية، أي إنها آتت في ظل سيرورة تاريخية تراكمية طويلة، هذه السيرورة أنتجت صيرورة مسنودة بحراك ثقافي، إجتماعي، تاريخي، هائل، شكل نُقلة مهمة ضمن تطور النضال و المقاومة السودانيين بعدما وصلت حِدتها عند سقوط آخر وجه لها، أي سقوط الإسلاموية التي سقط معها “صندوق” العقد الإجتماعي السياسي السوداني القديم، اللئيم، المستبد المغلق، و هو سقوط آخر أشكال الدولة الوطنية الأولى التي بدأت بعد خروج عباءة الكولنيالية تراب البلد عام 56، و ذلك بعد إحتلالين، تركي و إنجليزي، كان فيهما الجيش المصري ربما هي ذراع التنفيذ الرئيس، و على إثره ، أي في منتصف القرن العشرين تولت طبقة سياسية ” قاهرية/غردونية” التكوين و التفكير زمام السلطة الوطنية و عمدت على إرساء تكوين الدولة الثقافية بمعالم “إثنولوجية”، عوض دولة المواطنة الوطنية القائمة على أسس و معايير دستورية، لذلك جاء وعيها مبكرا لأجل حماية دولة النسق الثقافي، عبر بوابة مشروع الدولة و بأجهزتها المختلفة، منها الثقافية و المدنية و الاقتصادية و الإجتماعية و الأمنية، و الأخيرة تعتبر المركزية الرئيسية في التحكم و السيطرة لأنظمة العملة الواحدة التي ظلت تعمل على تكريس وعي ثقافة الهيمنة على المجال العام السوداني و في نظامه السياسي و الاقتصادي و الأمني و العسكري لحماية مشروع الدولة الثقافية المهيمنة و عنادها في إستمرار الثلاثية المنهجية “إستيعاب، إلحاق، دمج” عبر صكوك الإغداق و الهبات، هذه الثلاثية تجد قياساتها في السياسي و الإجتماعي و الاقتصادي و هي ثلاثية تكرس التبعية و ترفض فك الإرتباط و الإستقلالية و لا تقبل، ترتيبات أمنية تسعى لفك الإحتكارات و إعادة توزيع الإمتيازات، هذه هي النتيجة المتوخاة من جوهر فلسفة الترتيبات الأمنية في بعدها السياسي. و هنا لا نكشف سرا عسكريا أو حربيا أو نفطن جهة ما ليست لها علم، بل نفتح و نوسع حوارا بجدلياته ، لأنها هي عالمة و مدركة و تعمل للحيلولة دون وقوع تلكم الترتيبات لفائدة بقاء سيادة سيطرتها على المجال السوداني المشترك.
*نقلا عن جريدة “الجريدة* ”

mahgoub@windowslive.com
/////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً