اخفاق إنتاجية العمل والنمو الاقتصادي المأمول .. بقلم: د. عمر محجوب محمد الحسين

إذا ألقينا نظرة على اقتصاد السودان منذ الاستقلال لن نجده قد حقق ايه تقدم على صعيد الممارسة والنتائج إلا خلال فترة قصيرة لم تتميز بالتنوع ولكن تميزت بإنتاج منتج مسيطر وهو البترول، فمنذ الاستقلال عان الاقتصاد من تشوهات هيكلية أبرز ملامحها اختلال العرض والطلب نتيجة لإخفاق محركات الإنتاجية كأحد متطلبات النمو الاقتصادي. وتعتبر زيادة إنتاجية العمل Labor Productivity أحد محركات الإنتاجية وأحد أهم العوامل طويلة الأمد للنمو الاقتصادي لذلك عند تحليل اتجاهات الاقتصاد يتم تفصيل النمو وفقا لإسهام متغيرات إنتاجية العمل، وتلك المتعلقة والناتجة عن توسيع نطاق الاستخدام (الناتج المحلى الإجمالي GDP، اجمالي القيمة المضافة GVA)؛ وانتاجية العامل هي معدل انتاج العامل (كمية السلع والخدمات) خلال فترة زمنية مقارنة بالإنتاج المخطط له أو المقرر، وهي مقياس لقدرات مؤسسة أو شركة أو عملية أو صناعة أو بلد. لذلك نجد أن الاستثمار في القدرة الإنتاجية والابتكار التكنولوجي تعتبر عوامل محددة للإنتاجية في المدى الطويل، وهي تُهَيِّئ الظروف المناسبة التي تمكن من الانتقال الى الأنشطة ذات القيمة المضافة الأعلى مثل الصناعة وانتاج وتجديد التكنولوجيا، ولا ننسى الأهمية الكبرى لسياسات الاقتصاد الكلى والسياسة الصناعية والأدوات الفعالة للنظام المالي، وهذه العوامل ومحركات إنتاجية العمل هي أسس نمو الإنتاجية. ورغم أن البعض ربما يرى أن مهارات العمالة وتنميتها والتدريب والسلوك المهني القويم تأتي في درجة أقل من الأهمية، الا أنها محددات أساسية لإنتاجية العمل، ومعظم الدراسات سلطت الضوء على أهمية الإنتاجية للعامل وصاحب العمل والتعاون بين الإدارة والعامل والبيئة الاجتماعية على مستوى القطاع والمنشأة كوسيلة فعالة لتحسين عمليات الإنتاج وزيادة الفعالية؛ ولا شك أن إنتاجية العمالة ترتبط بمعدلات الأجور، استقرار العمالة، الرضى الوظيفي والقابلية للاستخدام في مختلف المهن أو القطاعات.
كفاءة الإنتاج تكون على مستوى العامل الفرد أو المؤسسة أو القطاع الاقتصادي، ولو لا السعي وراء تحسين الإنتاجية والعمل على تطويرها لما نجحت الثورة الصناعية في أوربا ثم أسيا، حيث بدأت المنافسة داخليا بين القطاعات الانتاجية ثم انتقلت لمنافسة خارجية بين مختلف المنتجين حول العالم، وهذه المنافسة هيئت الظروف لتقديم منتجات منافسة من حيث التكلفة والجودة وأدت الى اكتشافات جديدة، وتطور تكنلوجي هائل وصحب ذلك تطور في أدوات القياس.
لقد ارتبط مفهوم الإنتاجية بعوامل الإنتاج من راس مال، موارد، تنظيم، تكنلوجيا، العمل والطاقة؛ لكنه كان أكثر ارتباطا بالعمل لذلك اصطلح عليه بإنتاجية العمل لأنه يلعب دورا مهما في زيادة الإنتاجية وكفاءتها وبالتالي التطور الاقتصادي والتقدم؛ لذلك نطرح هذا الموضوع المهم الذي هو مدخل للنجاح وتحقيق إنتاجية عالية تحقق للسودان النهوض الاقتصادي والاجتماعي من خلال خفض تكاليف الإنتاج وزيادة عائدات الاستثمار ورفع مستويات الناتج المحلي الإجمالي ومستويات الدخل وبالتالي مستوى معيشة افراد المجتمع ولا شك أن ذلك يوثر على الوضع السياسي ويجعل القرار السياسي بيدنا؛ لذلك على الدولة والقطاع الخاص إيلاء أهمية قصوى لإنتاجية العمل حيث أرى أنها مهملة اهمالا واضحا منذ الاستقلال بل أن مستوى أداء الخدمة المدنية على سبيل على سبيل المثال تدهور تدهوراً كبيراً وواضحاً رغم توفر طاقة بشرية مقدرة متعلمة ومثقفة، لكن تعاني مؤسساتنا من تدني وضعف الإنتاجية، لذلك يطرح دائما سؤال لماذا ؟
من جانب آخر معظم الخبراء يتحدثون عن الموارد الطبيعية التي يمتلكها السودان وأنها هي السبيل الى الإصلاح الاقتصادي، لكن لا أحد يتحدث عن إنتاجية العمل التي هي المدخل لاستغلال تلك الموارد والإنتاج والتنمية. وسوف يكون مفهوم إنتاجية العمل في الفكر الاقتصادي الرأسمالي هو مدخلنا لتحليل واقع إنتاجية العمل في السودان، سواء كان العمل البدني الذي تقوم اليد بأكبر نصيب فيه ولذلك يسمى أحيانا العمل اليدوي، العمل العقلي ومن أهم مظاهره في إنتاجية العمل الاختراع والابتكار، العمل الاداري أو التنظيمي وهو الذي يشرف على الأعمال الانتاجية المباشرة فينظمها وينسقها ويشرف عليها لتحقيق الأهداف؛ فعلى مستوى الجهد البدني نجد ميل نحو تجنبه في القطاع الحضري حيث المصانع والمؤسسات الإنتاجية، ونضرب مثال آخر ففي منطقة الخليج لا تجد عمالة سودانية في مجال المقاولات ولن تجد، ويرتبط العمل اليدوي بالمهارة والاتقان وهذه أيضا فيها ضعف كبير جدا ومن مظاهر ذلك مستوى المهارة واتقان الاعمال الحرفية، عدم القدرة على التعامل مع معدات الإنتاج ومعدات السلامة، أيضا مستويات التعليم الفني ونظرة المجتمع للتعليم الفني وبالتالي المستويات المطلوبة للالتحاق به، ويضاف الى ذلك نقص برامج التدريب والتأهل في المؤسسات الإنتاجية؛ اما العمل العقلي أيضا مصاب بداء النمطية ومستوى العامل الذهني وقلة الحوافز وانعدام التشجيع واتجاهات المنتجين وأصحاب المصانع وبعدهم عن الابتكار الذى في اعتقادهم (فلسفة لا داع لها ) لأن الهدف الأساسي تحقيق الأرباح بالمتوفر؛ اما العمل الاداري والتنظيمي الذي يشرف على الأعمال الإنتاجية مصاب أيضا بداء البيروقراطية والتساهل وعدم الانضباط ونقص التخطيط وتخطيط الموارد البشرية، وأهم من ذلك تنقصه الاستراتيجيات والرؤى واستشراف المستقبل، وتتداخل وتختلط به مناسبات المجتمع وحركته الاجتماعية بسبب تقدير المجتمع للمشاركة في المناسبات الاجتماعية حتى لو أدت الى ترك الموظف لعمله بل يتم تقدير ذلك ايما تقدير، أيضا تجد الناس يتحدثون عن المدير أو المسئول الذى يطبق القوانين والأنظمة واللوائح بامتعاض ظاهر رغم قراراته الصحيحة، حيث تكون قراراته مقبولة إن كان مجاملا ومتساهلا ومتجاوزا للأنظمة، وان حدث ان عوقب العامل أو الموظف بسبب مخالفة فهو غير مخطئ، ويأخذ الأمر اتجاها شخصيا ربما يستمر سنين عددا.
في السودان وعلى النقيض من دول شرق اسيا والصين، نسجل نموا في العمالة يفوق نمو الإنتاجية، حيث ادى النمو السكاني في المدن إلى نمو مطرد في العمالة، لكن بشكل واسع في الاقتصاد غير المنظم وأنشطة أخرى ضعيفة الإنتاجية وأخرى ليس فيها إنتاجية مثل السمسرة، تجارة العملة، أيضا اتجاه العمالة الى صناعات استخراجية ذات قدرة توظيفية ضعيفة مثل التعدين الأهلي.
من جانب آخر لن تؤدي إنتاجية العمل الى مكاسب إلا إذا استطاعت المنشأة كسب حصة أكبر من السوق أو إذا استطاع الاقتصاد التنويع في منتجاته أو اكتشاف أسواق جديدة حيث تنشأ المنافسة في الاستثمار والابتكار والارتقاء بالمهارات وعوامل أخرى في عملية التنمية. لابد من السعي الى تحقيق نمو العمالة والإنتاجية في آن معا، حيث ان المشكلة في العديد من البلدان النامية وفقا لمنظمة العمل الدولية لا تكمن في انعدام فرص العمل وإنما في انتشار فرص عمل غير منتجة بما يكفي لتوليد دخل لائق. وفي هذا الصدد، أكدت البحوث أهمية حجم السوق ووجود بيئة ملائمة للنهوض بالاستثمار والمنشآت المستدامة، أيضا لا ننسى في هذه الفترة دور مؤسسات سوق العمل ومنظمات المجتمع المدني في تخفيف الآثار السلبية لإعادة هيكلة الاقتصاد، حيث لابد من تدابير تتعلق بسياسات سوق العمل النشطة من خلال تحديد الوظائف الشاغرة وربطها بقوائم مهارات الباحثين عن عمل، وتقديم التوجيه المهني والتدريب وإعادة التدريب إلى العاطلين لإعدادهم لوظائف جديدة، بما في ذلك العمل للحساب الخاص؛ وبشأن التعليم الفني والمهني والتدريب يؤدي تعزيز الحوار الاجتماعي دوراً مهما في زيادة ملاءمة برامج التعليم والتدريب والاقتناع بها. إن إعادة بناء إنتاجية العمل لن تكون فعالة في نهاية المطاف في غياب إستراتيجيات وطنية لزيادة حجم السوق والطلب الإجمالي ودعم خلق الوظائف، والحماية الاجتماعية وتعزيز العمالة وحماية حقوق العمال؛ وهو نهج فعال في بناء اقتصاد قوى والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.
omarmahjoub@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً