إخـفاقات تقاسـم السلطـة وصناعـة (استنسـاخ) المستبد عـرض مستمـر!. .. بقلم: مـحمد أحـمد الجاك 

دخل السودان حقل الألغام وبدأت المعاناة تزيد يوما بعد يوم، وأصبح التفاهم بين المكونين العسكري والمدني في إدارة السلطة الانتقالية مستحيلا بعد انقلاب البرهان، وأخذت المسافات بين المكون الواحد تتسع بدلا من أن تضيق، ولأن العسكريين ليس من السهولة معرفة ما يدور في أروقتهم بدت جبهتهم أكثر تماسكا، غير أن الإعلان عن خلافات بينهم سربت مؤخرا أكدت أن السوس نفسه ينخر في جبهتهم. كذلك تزايد التآكل في جبهة المدنيين وصارت عملية التوافق التي ظهرت ملامحها عقب إسقاط نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير ضربا من الخيال في ظل ما يحدث الآن، ويعزز ما يدور في السودان حاليا ما ذهب إليه عنوان المقال بأن إخفاقات تقاسم السلطة في الدولة السودانية لا ولن تتوقف، والتحالفات بين القوى السياسية في الحكم أو المعارضة لن يكتب لها النجاح.
تبدو الحالة السودانية ذات خصوصية في بعض جوانبها ويرفض البعض تعميمها على حالات عربية، لكن الأعراض التي ظهرت عليها تؤكد أن تشخيص المرض واحد تقريبا، وأسباب التعثر تنطوي على الكثير من التشابه، ما يعني التوقف عندها يصلح ليكون كاشفا لحالات تحتاج إلى مساحة كبيرة لاستعراض تفاصيلها وتحليل مضامينها. يزخر السودان بالجدل منذ زمن بعيد، وأسهمت حيويته السياسية وعافيته النخبوية في ارتفاع مستوى الخلافات، ففي خضم الإجراءات القاسية التي اتخذها نظام البشير لم تفلح قوى المعارضة في تشكيل جبهة واحدة للتصدي له، وجرت المواجهة في حلقات متعددة ومتفرقة تتراوح بين الجهود السياسية والعسكرية، داخل كل منها خلافات عميقة استثمرها البشير في استمرار حكمه لثلاثة عقود متصلة. عندما حدث التفاهم الواسع سقط البشير ونظامه من خلال ثورة عارمة، اتحدت حول هدف دون أن تعرف كيف تتفق حول تداعياته وإدارة المرحلة التالية، ما أدى إلى مظاهر التفسّخ الحالية في جسم الاجسام والكيانات السياسية التي ينبغي عليها التوافق لادارة المرحل الانتقالية وأن تستعد بشكل مناسب وكل حزب سيلسي يرتب بيته الداخلي  لخوض تجربة تشكيل الحكومات باعتبارها المحور الرئيسي للإصلاح السياسي عقب انتهاء الفترة الانتقالية الحالية لكن حدث العكس الآن فهي بدلا من حدوث ذلك  تتعرض للمزيد من التدهور.
لم تصل المجتمعات العريقة في الديمقراطية أو التي يستند الحكم والمعارضة فيها على قواعد متينة إلى مرحلة متقدمة للتفاهم من فراغ، بل جاءت عبر آليات تراكمت محتوياتها في سنوات طويلة، لها علاقة قوية بأدبيات التربية وأصول الحكم والخصومة والمنافسة، ولو استخدمت في أي منها أدوات تخرج عن المنظومة الأخلاقية والإنسانية التقليدية، فالأساس احترام العقد السياسي والالتزام بقواعد القانون. تغيب هذه المعايير في السودان بصورة واضحة وتظهر الرغبة في الاحتكار جلية، وهي من الآفات السياسية الخطرة لأن غياب تقاسم السلطة ضعيف في الوجدان العام، وربما تحدث تفاهمات تنقض سريعا عندما يشعر أحد الأطراف بقوته وتراجع خصومه.
كما أن تغليب الحزبية والشخصانية والمناطقية والعقائدية وكافة الأمراض التي تدور في هذا الفلك تعد من الوسائل التي يمكن أن تعوق الكثير من التفاهمات السياسية، إذ تحتل هذه المنطلقات أولوية متقدمة عن القيم الوطنية. وتفضي القطرية دوما إلى انهيارات تضرب العصب المحوري في أي تحالف، ولو ظهرت مؤشرات تلاحم فرضتها ظروف سياسية معينة تنهار بمجرد زوال دوافعها، لأن فكرة التربص حاكمة، ويبقى عدم الاقتناع بجدوى الشراكة وسوء النوايا والتربص المستمر من النقاط الكفيلة بهدم بنيان التحالف.
أضف إلى ذلك أن معظم حالات تقاسم السلطة والتحالفات السياسية في دول عربية كثيرة من بينها السودان طبعا لها امتدادات خارجية، وتتأثر بتبعية الدولة أو الجهة التي تربط مصيرها بها ومدى ما تحققه من مكاسب أو خسائر لها، ولعل هذه المسألة غير قاصرة على الحالة السودانية فقط، فقد أضحت عدواها في جميع الدول التي شاع فيها اللجوء إلى تفاهمات إجبارية. كان من الممكن أن يكون السودان نموذجا مختلفا ويقدم تجربة مغايرة لو أصرت قواه الحية على تجاوز خلافاتها، وأمعنت النظر في النهاية التي وصل إليها نظام البشير، حيث تعيد بعض الأطراف تكرار ما عابت عليه وانتقدته وحرضها على الثورة، وهي أكبر ضربة يتعرض لها السودان.
قد لا يتحمل الشعب طويلا رفاهية الخلافات السياسية وهو يئن تحت وطأة سلسلة كبيرة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والصحية، وربما يقوده التمزق الظاهر في بعض القوى التي راهن عليها وتعلق بها إلى الثورة أيضا، حيث عرف المواطنون الطريق إلى الشارع، ومن أسقطوا نظاما تمترس في السلطة ودهاليزها ثلاثين عاما لديهم القدرة على إسقاط تحالفات لم تستطع الصمود أكثر من عامين. تشير تجارب دول عدة نجحت فيها التحالفات السياسية إلى أهمية وجود قوة وازنة تمثل عباءة لغيرها من القوى الصغيرة، الأمر الذي تغيب معالمه في كل الدول العربية التي دخلت في أطر مختلفة للتفاهم أو حاولت طرق أبوابه، فالقوة المهيمنة الوحيدة يمكن أن تقود المشروع بلا منافسة من القوى المتحالفة معها، ومهما كانت هويته فهي بإمكانها ضبط التوازنات دون أن تختل بصورة كبيرة.
تسبب التقارب النسبي في معايير القوة في منع التوصل إلى تفاهمات حتمية بين فرقاء النادي السياسي (مثلا)، حيث تريد حركة فتح ابتلاع حماس، والعكس، ما جعل الانقسام من المبادئ الرئيسية في الحالة الفلسطينية، وحتى القوة العسكرية الجبارة التي يملكها حزب الله لم تمكنه من الهيمنة التامة أو الانفراد بالقرار في بيروت، لأن حاصل جمع القوى السياسية المعارضة له يقلص الفارق الكبير في القوة العسكرية. وهي المعادلة التي جرىتكرارها في السودان، حيث جرى تقويض القوة التي تمتلكها المؤسسة العسكرية في مجلس السيادة الانتقالي بالتكاتف الكبير بين المؤسسات المدنية، لكن لم تستطيع الثانية الصمود ووواصل السقوط في المزيد من الخلافات، بما يتيح للمكون العسكري تفوقا يساعده في إجبار خصومه على الانصياع لأجندته. يجبر الدخول في هذا المسار القوى المدنية على العودة إلى الالتفاف حول أجندة واحدة، وهكذا سوف تظل إخفاقات تقاسم السلطة عرضا مستمرا، لأن القواعد التي تنطلق منها هشة، والنتائج السلبية التي تصل إليها يصعب علاجها سياسيا.
( من جهة اخرى ) .. لماذا يتجدد الطغيان في بلادنا هل يمكن استنساخ الطغاة؟
لماذا ذهب البشير وجاء البرهان؟ كيف رحل الشيطان  ونبت شيطان أكبر ؟ كيف يمكن أن تُدفن الثوراة هكذا وتُطمر التضحيات ليعود الاستبداد أبشع مما كان؟لا شكّ أنّ أعظم ما يسيطر على الأمة السودانية اليوم هو هذا الشعور بالإحباط واليأس بعد العودة المظفّرة للانقلابات العسكرية على أنقاض الفشل الذريع الذي مُنيت به ممارسة السلطة في الفترة التي تلى الثورة. ليس المجال هنا لعرض أسباب الفشل وشروطه لكننا سنحاول الإجابة عن قدرة الاستبداد على التجدد والصمود أمام محاولات الاستئصال ومساعي التغيير. لقد أثبتت السنوات العشر الماضية أنّ الدولة العميقة أعمق مما نتصوّر وأنها أحسن تنظيما وقدرة على التجدد والصمود من كل المكونات السياسية والحزبية والشعبية الأخرى مجتمعة بما فيها القوى الثورية. إن البحث في هذه القدرة على التجدد والانبعاث بهذه السرعة وبهذا التنوّع هي التي ستسمح بوضع التصورات الممكنة لمنع حدوث ذلك عند تجدد الموجات الثورية.
لا أحد يستطيع أن يُنكر الدور الذي لعبه الفاعل الخارجي الإقليمي أو الدولي في تصفية الثورات وفي إحياء الاستبداد عسكريا لكننا لا يمكن أن نضع على كاهله كامل المسؤولية في تدمير المسارات الانتقالية العربية. لكن الفاعل الخارجي ليس موحّدا إذ ينقسم إلى القوى الدولية من جهة والقوى الاقليمية من جهة ثانية. أما القوى الدولية فهي وإن كانت متوجسة من هذا الانتقال المفاجئ في المنطقة وما قد يسببه لها من الخسائر أو انحسار نفوذ إلا أنها لم تكن على اتفاق فيما يتعلق بدورها وردّة فعلها على هذه المسارات وطريقة التعامل معها.
في الحالة السودانية كان الحضور( الفاعل) الخارجي واضحا عبر تزكية الانقلابات بالبلاد بمباركة دولية وبتمويل دولا معروفة  يتغطى بستارة وبحجة الحرب على الإرهاب وعلى الإسلام السياسي. كان السودان وسيظل هدفا لتحالف الأجندات المرتعبة من المسار الانتقالية والمصالح الدولية الخائفة من سقوط مصالحها ومناطق نفوذها. إن ما يميز السنوات العشر الماضية من عمر التحولات السياسية العربية عموما أن الفاعل الاقليمي العربي المعادي للثورات كان أداة فعل انقلابية في يد القوى الدولية كما يمكن القول إذن إن التدمير الحاصل في المسارات الانتقالية كان أساسا بفعل تخريبيّ داخلي نهضت به أنظمة عربية معلومة خوفا على عروشها وخشية من العدوى الثورية. تتباين النظريات والقراءات إذا يقرّ البعض بسطوة الفاعل الخارجي بشكل مطلق في تحديد شكل نظام الحكم في البلاد العربية في حين يرى آخرون أنه عامل من ضمن مجموعة من عوامل أخرى لا تقل عنه أهمية. لكنّ المتأمّل في المسارات التي عرفتها عملية إعادة انتاج الاستبداد إثر انكسار موجات الربيع الأخيرة يكتشف القدرة الهائلة للدولة العميقة وأذرعها الداخلية في تجديد خلاياها بنفسها( السودان نموذجا). بلا شك إن السياق العام الذي يندرج فيه الوعي الشعبي القاعدي هو الركيزة الأساسية التي قامت عليها عملية إعادة إنتاج الاستبداد خلال السنوات العشر الماضية. هذا السياق يتكوّن أساسا من النخب التي تصوغ مضامينه ومن المجتمعات التي تستقبل هذه المضامين ومن المنابر الإعلامية التي تروّج لها.
خاضت هذه النخب خلال المراحل الانتقالية كل الصراعات الممكنة من أجل السلطة بدل أن يكون الصراع من أجل هدف وحيد وهو إنجاح المسارات الانتقالية والقطع نهائيا مع كل إمكانات عودة الاستبداد. في خضم هذه الفوضى وهذا الصراع كانت الدولة العميقة تنسج خطط تدمير المسارات الانتقالية بصنع وافتعال الإضرابات والاغتيالات ونشر الفوضى والحروب الإعلامية وصولا إلى العمليات الإرهابية حتى تحولت الثورات إلى لعنة وسبب من أسباب الشقاء في اذهان الكثيرين. لم يعُد( يستنسخ ) الاستبداد من فراغ ولم تنجح الانقلابات بسبب قوّة المنقلب ولكنها نجحت بسبب فشل الشعوب ونخبها في تأمين الحماية الكافية للمنجز الثوري الذي كانت أولى شروطه الإيمان بالثورة نفسها وبأنها لا تكون إلا مسارات وتضحيات قبل الوصول إلى برّ الأمان. ليس نجاح الانقلابات السودانية المتكررة خصوصا في الحقيقة إلا إعلانا عن قصور الوعي الشعبي في المحافظة على مكتسباته وتأكيدا على أن هذا الجيل من النخب السودانية لا يختلف عن النظام الاستبدادي في شيء هذا إن لم يكن أحد ركائزه الأساسية.
إنها صناعة المستبد لحال القطيع والتمكن من رقابهم، والتمكين لعملية خنوعهم وخضوعهم. وهو بهذه الصناعة لا يقوم إلا باحتراف صناعة الخراب من جهة ظلمه، فينقض العمران ويهدم البنيان والأوطان بلا أدنى مسؤولية، بل إن من بعض جوقته يسمون كل ذلك “جرأةً وإنجازاً”!
يقال أن المختبرات الصينية ليست مسؤوله عن ظهور كورونا لكن مختبرات الغرب ( الحاكمة ) مسؤوله عن استنساخ طفرات جديده من الديكتاتوريين اقذر و احقر من سابقيهم . الغرب هو المسؤول الاول و الاخير عن بقاء شعوبنا ترزح تحت تلك الانظمة لأن الديكتاتورية في بلداننا هي النظام الجديد لاستعمار البلدان . لن تجد ديكتاتور عربي واحد( وطني ) فلا تتعب روحك بالبحث .
mido34067@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً