محنة السودان تتعمق، من حيث كان فجر الخلاص ساطعاً. السودانيون الثائرون صامدون، حاملو السلاح مرتبكون ومستعدون للتهور. وهم ازدادوا ارتباكاً بعد استقالة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك. وأخطر ما يحدث لأي ثورة هو تحويلها، بقصر نظر القادة، إلى نصف ثورة أو انقلاب عسكري. وأفضل ما في مسار أي انقلاب عسكري هو تحويله، بالرؤية البعيدة للقادة، إلى ثورة أو حتى نصف ثورة. النموذج الأول أمامنا اليوم في السودان بعد ثورة ديسمبر الشعبية السلمية التي انضم إليها الجيش على نظام البشير. والنموذج الثاني وراءنا في مصر بعد انقلاب “الضباط الأحرار” على الملك فاروق الذي صار “ثورة 23 يوليو” (تموز) 1952
النظام الذي أسقطته الثورة في السودان لم يكُن نظاماً سلطوياً برئاسة فرد. ولا كان مثل نظام الشاه الذي أسقطته ثورة إيرانية شعبية عام 1979 صارت “ثورة الإمام الخميني”. نظام الشاه، كما يصفه راي تقية في كتاب جديد عنوانه “الشاه الأخير: أميركا وإيران وسقوط سلالة بهلوي الحاكمة”، مهترئ من الداخل: “الشاه محمد رضا أوتوقراطي غير حاسم في القرار، حُماته في واشنطن يعرفون القليل من حقيقة الوضع. أكثرية المسؤولين سذّج سياسياً وفاسدون. المسؤولون الكبار هربوا إلى أميركا وأوروبا حين تجمع زخم الثورة، وهجروا لا الشاه فحسب بل البلد أيضاً. أما نظام البشير، فإنه أخذ وقته على مدى ثلاثين سنة من أجل “التمكين” لسلطة الإخوان المسلمين في الدولة والمجتمع. وهو قاتل الثوار حتى صار الدفاع عنه صعباً. ”
أما نظام الملك فاروق، فإنه كان مثل نظام الشاه. الملك يعيش حياة اللهو. ضعيف أمام الإنجليز. حاشيته فاسدة وساذجة سياسياً، وبعضها ليس مصرياً. وهذا ما أعطى القائد الفعلي للانقلاب البكباشي جمال عبد الناصر الفرصة والرؤية لتحويله إلى ثورة. وكانت بعد محاولة اغتياله على أيدي “الإخوان المسلمين” وسحب أميركا لعرضها حول تمويل السد العالي، والرد بتأميم قناة السويس ومقاومة العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي – الإسرائيلي عام 1956 في حرب السويس. . مشكلة الثورة في السودان بدأت بخوف الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، ونائبه الفريق محمد أحمد حمدان (حميدتي) من تسليم الرئاسة إلى المكون المدني في المجلس بحسب الإعلان الدستوري.
خوف الجنرالات من المحاكمة على قتل المتظاهرين وسجنهم. تغطية هذا الخوف كانت بالادعاء أن المكون المدني الذي عموده الفقري “قوى الحرية والتغيير” لا يمثل كل الشعب، ويجب توسيع المشاركة في السلطة. والتنفيذ كان حل حكومة حمدوك ووضع رئيسها في الإقامة الجبرية وبعض وزرائها في السجن، وطرد عدد كبير من المسؤولين في مراكز مهمة وإبدالهم بغيرهم ممن خدموا أيام البشير. ثم وجد المكون العسكري نفسه مجبراً تحت الضغط الداخلي والخارجي على توقيع اتفاق جديد مع حمدوك وإعادته إلى رئاسة الحكومة من دون أن ينجح في تأليف “حكومة كفاءات”. لكن حمدوك خسر الحاضنة الشعبية التي جاءت به والمصرة على التظاهرات المليونية على الرغم من القمع وإطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيلة للدموع. وهو من دون التأييد الشعبي مجرد خبير مالي واقتصادي، لا أرض يقف عليها ولا قدرة له على التأثير في قرارات المكون العسكري. ولم يبقَ أمامه سوى الاستقالة.
المعادلة حالياً هي: المكون العسكري الذي نفّذ الانقلاب على الثورة لا يستطيع التقدم ولا التراجع. قوى الثورة الشعبية التي تطرح شعار الحكم المدني وإنهاء تسلط العسكر لا تريد التوقف عن التظاهرات المليونية، ولا تستطيع فرض التراجع على العسكر. الوضع الاقتصادي يتدهور. الضغوط الخارجية مستمرة، وإن خفّت اللهجة فيها. والحفاظ على هذا الستاتيكو صعب حتى الوصول إلى إجراء الانتخابات النيابية التي تنهي المرحلة الانتقالية نظرياً. ولا بد من كسر الستاتيكو. فلا المكون العسكري يمكنه إقناع المكون المدني بنصف ثورة. ولا هو يستطيع استمرار الهرب من التظاهرات المليونية مهما استخدم من وسائل العنف وكرر قطع الإنترنت والجسور بين أجزاء الخرطوم الثلاثة: الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان. والباب الوحيد أمامه هو الانتقال من نصف ثورة إلى انقلاب عسكري كامل. كان آخر حاكم بريطاني للسودان يقول: (السودان بلد صعب لا يحكمه إلا نبي أو غبي). وقد حكمه من يتصرفون كأولياء وأشباه أنبياء وحكمه شعراء وأذكياء وخبثاء وأغبياء. والوقت جاء لأن يحكمه شعبه الطيّب.
بكل غضب، تساءل كوميدي مصري شهير: هل أصبح حميدتي مقدّسا؟! وهل تحوّل إلى نبي؟!.
هذا التساؤل الذي أطلقه لطفي العبدلّي مرده ما تعرض له من أنصار الجنجويدي حميدتي ومعسكر الانقلابيين من سب وشتم وتهديد بالقتل بسبب لقطة فكاهية في برنامجه التلفزيوني ( جووو شووو) تطرق فيها إلى حميدتي مع أنه سبق له أن تناول بسخرية الرئيس المعزول البشيروالرئيس المعزول ايضا حسني مبارك وغيرهما دون أن يثير ذلك سوى الابتسامة.
لو توقف الأمر عند أنصار مفتونين بحميدتي ولا يطيقون نقده لهان الأمر قليلا لكن المشكل أن هذا المزاج المنتشر عند قطاع من السودانيين يقترن، أو بالأحرى يسير بشكل متواز، مع حالة «زعامة» تلبّست حميدتي نفسه مع أن الرجل قدّم نفسه في البداية على أنه الرجل الذي شارك في انجاح الثورة واجبر البشير على التنحي وهو كذلك ابن الشعب الذي لا يريد الانتقال إلى القصر الرئاسي ويقف في الطابور لشراء رغيف خبز ويجلس في مقهى شعبي يحتسي القهوة مع الناس..!!
يتجول حميدتي في المدينة في موكب بأكثر من ثلاثين عربة، منها ما بدا أنها مصفحات عسكرية، موكب يقول السودانيون إنهم لم يشهدوا مثيلا له من قبل حتى مع الرئيس المعزول رغم خلفيته العسكرية والأمنية الكبيرة. كل ذلك مع لافتة علقت في المدينة بالمناسبة تمنحه لقب «القيصر» ،والمتابع لمشهد أي منصة لاي فعالية أو منبر أو احتفال لتلميع الدعم السريع يتواجد فيه حميدتي نفسه يجده صادما وغير مألوف بالمرة: يجلس الزعيم على كرسي في الصدارة مع مسافة تفصل بينه وبين بقية الحاضرين على يمينه وشماله فتحوّل إلى ما يشبه امبراطورا جالسا على عرشه.
قد يقال إن حميدتي ليس مسؤولا عن حالة «التأليه» التي يسعى إليها بعض أنصاره، ومن بينهم الكثير من بقايا النظام السابق والساخطون على الفترة الانتقالية والثورة ولاسيما نظام «الفلول» ومن تحالف معهم، واقتران ذلك بالوطنية مقابل العمالة، لكنه في كل الأحوال لم يعترض على ذلك. أكثر من ذلك، هو المسؤول الأول عن مناخ «صناعة الزعيم» منذ استحواذه على كل شئ وتحصين نفسه من كل رقابة أو محاسبة مع مباركته وتأييده لانقلاب البرهان الأخير دون تحديدأي سقف زمني للإجراءات التي تم اتخاذها من قبل الجنرالين أو إعطاء أفق واضح لما يريدان أن يقوما به وإلى أين يريدان أن يأخذا البلاد.
ما يزيد من تفاقم هذا القلق محاولة بروز حميدتي نفسه زعيما منتشيا بهذه الصفة عبر تخوين مخالفيه وشتمهم، وكذلك حديثه «الثوري» والوطني عن السيادة الوطنية ورفض التدخل الأجنبي في الشأن السوداني، فضلا عن شعارات فضفاضة مثل «محاربة الفساد والهجرة والارهاب والفوضى» دون مضامين واضحة أو مراعاة للأصول القانونية في إجراءات الاعتقال وظروف التحقيق وغير ذلك. ويزداد القلق أكثر عندما تصلك أخبار عن الدائرة الاجنبية المحيطة بحميدتي ، بالاضافة للدائرة العائلية المقربة منه أساسا، لا تاريخ سياسيا لها ولا تجربة ومع ذلك تراها تحاول «هندسة» سودان جديد على هواها..!!
في مناخ كهذا، ليس غريبا أن يجد حميدتي تفهما ودعما ورعاية من قبل من سبق لهم أن رعوا في مصر انقلاب عبد الفتاح السيسي عام 2013 وأساسا الإمارات والسعودية المعروف ما الذي يطلبانه بالضبط مقابل دعمهما المالي الجاري الحديث عنه الآن، وهو ما سبق للرئيس المعزول البشير أن رفضه لأنه، كما قال، لا يقدر على دفع «الثمن الغالي» المطلوب.
يخشى أن يكون الزعيم الجديد الذي يجري تجهيزه في السودان نسخة غير مسبوقة، وإن كان فيها بعض الشبه من آخرين سبقوه في البلاد العربية، زعيم «غير قادر على التعايش مع المنظومة القائمة بكل مؤسساتها» زعيم يريد «دستورا على المقاس يكون فيه الجميع حجر الزاوية ، حميدتي يميل إلى تصديق كذب المتوهمين من حوله أنصاره( القابضين )بأن «نظام الزعامة والذي يتمتع فيه الزعيم بالعصمة هو الأقرب إلى قناعات ووجدان حميدتي.
الطريف أن بعض النخب السودانية الآن تحوّلت إلى واجهات اعلامية تلمع وتزين صورة قائد مليشيات والدعم السريع ..!! خسئتم ورب السماء .
تحدثت الصحافة الأجنبية قائلة : “المغرب حرك جبلا من مكانه من أجل إنقاذ ابنه..!!
حرّكوا الأرض كلها، و غيّروا تضاريس المكان تماما بحثا عن مخرج لطفلهم، حشد الملك حاشيته، و حشدت الدولة ترسانتها، أحالوا ليل المكان نهارا بالكشافات و أوصلوا للمكان كهرباء بأكبر المولدات، و أستنفروا كل عالم تربة و جيولوجي، و طبيب و مهندس و متطوع، و حتى المآذن و الكنائس وحّدت الدعاء صوب السماء لتلين لهم الأرض..!!
و هنا، في مكان موازي تماما .. حشد البرهان ناديّه و جنوده و ترسانته و من معه ليقتلوا الأطفال و يهدموا الإنسان، و يسرقوا الأرض و الحرث !!!، و أتباعه خرجوا في المساجد يصرخون بحمده و يسبحون بتقتيله هذا و يهللون لحاوياته، و يتباكون على التروس..!!
حميدتي سرق جبلا من ذهب كان بإمكانه أن يساهم في إنقاذ آلاف الأطفال من فقر و جوع و مرض.! وقتلوا الأطفال والنساء وشردوا آلاف الاسر و حرقوا قراهم في الغرب و الشرق والشمال ، ، ثم قتلوهم بالدماء في الأبيض..!!
الدولة الحقّة هي التي تحمي إنسانها فوق كل أرض، و تحت كل سماء، تحمي حياته ماله حريته، دون تمييز و تفرقة، دولة لا نبكي فيها موت الأطفال في دور الرعاية أصلا، و ليس دولة نبكي فيها الإنتباه لموتهم !!!، دولة الموت فيها ليس عاديا، لدرجة مجرد الإقتراب منه بضعة أمتار هو حدث يثير الهلع و القلق. و هذه الدولة لا تكون بالبكاء والنواح، و لا ب المقارنات، و لا بالحسد و الغبن تجاه الواقع هنا و هناك، هذه الدولة حق ينتزع و يُناضل لأجله و نثور لأجله. هذه الدولة لن تكون إلا بثورة تغيير و توحد كبيير، و عمل كبير
دونكم جداول الثورة و المواكب و الإعتصامات، و دونكم لنبقى حزمة كفانا مهازل، دونكم العمل الثوري السياسي الواعي و القوي لنتمسك بها، لتصير لنا دولة تزاح فيها الجبال من مكانها لأجل إنسانها لأنه إنسان هذه البلاد يجب أن يأتي قبل كل إعتبار، والدولة يجب أن تحشد لإنسانها ترسانة الأرض جميعها إعلاميا و لوجستيا و ماديا. إما أن تنتصروا لدولتكم و ثورتكم و تصنعوها من العدم، و إلا فلا تتباكوا في الأرجاء.
عزيزي القارئ الا تعتقد بأن الإنقلاب الرابع على وشك الحدوث .. و الضحية هم شركاء الإنقلاب من الحركات المسلحة أنفسهم..!!
mido34067@gmail.com
///////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم